ذكاء اصطناعي يكتشف أكثر من 800 جرم فضائي جديد في أرشيف هابل
تاريخ النشر: 29th, January 2026 GMT
في خطوة علمية مثيرة، تمكن باحثان من وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) من تطوير نموذج ذكاء اصطناعي قادر على فحص صور الفضاء واكتشاف الأجرام والكائنات الكونية الشاذة، بطريقة تتجاوز قدرة الخبراء البشر.
النموذج، الذي أطلق عليه الباحثان ديفيد أوريان وبابلو جوميز اسم AnomalyMatch، حلل خلال يومين ونصف تقريبًا ما يقرب من 100 مليون مقطع صورة من أرشيف هابل التاريخي، ليكتشف 1,400 جسم غامض، من بينها أكثر من 800 جرم لم يُوثق سابقًا.
يعتبر أرشيف هابل أحد أغنى المصادر العلمية التي تضم عشرات الآلاف من مجموعات البيانات المتراكمة على مدى 35 عامًا من عمل تلسكوب هابل الفضائي.
ومع هذه الكم الهائل من البيانات، يصبح من الصعب جدًا على العلماء البشر فحص كل التفاصيل الدقيقة يدويًا، ما يجعل الاعتماد على الذكاء الاصطناعي ضرورة حتمية لتعظيم الاستفادة العلمية من الأرشيف.
يعمل نموذج AnomalyMatch عبر فحص الصور بشكل دقيق بحثًا عن أي أنماط أو تشكيلات غير اعتيادية، وبعد أقل من ثلاثة أيام، قدم النموذج قائمة بالأجرام التي يُحتمل أن تكون شاذة، ثم قام الباحثان بمراجعتها للتأكد من أن النتائج تتوافق مع المعايير العلمية ولا تتضمن أخطاء تحليلية.
أظهرت نتائج البحث مجموعة متنوعة من الظواهر الكونية، كان أغلب الأجرام المكتشفة عبارة عن مجرات تتفاعل أو تندمج مع بعضها البعض، ما يؤدي إلى تشوهات في شكلها وامتداد ذيول من النجوم والغازات.
كما تم تحديد بعض العدسات الجاذبية، وهي ظاهرة كونية حيث تُسبب جاذبية مجرة أمامية انحناء الضوء القادم من مجرة خلفية، مكونة حلقات أو أقواس مضيئة.
تضمنت الاكتشافات أيضًا أقراصًا لتكوين الكواكب مرئية من الجانب، ومجرات تحتوي على كتل نجمية ضخمة، إضافة إلى مجرات تعرف باسم jellyfish galaxies بسبب امتداد الغاز والنجوم منها بشكل يشبه خيوط قناديل البحر، الأهم من ذلك أن الفريق وجد عدة عقبات غير قابلة للتصنيف في الوقت الحالي، مما يضيف عنصرًا من الغموض العلمي ويدفع الباحثين لاستكشافها بمزيد من الدراسات لاحقًا.
وصف بابلو جوميز استخدام AnomalyMatch بأنه "استغلال مثالي للذكاء الاصطناعي لتعظيم الاستفادة العلمية من أرشيف هابل".
وأضاف: "اكتشاف هذا العدد الكبير من الأجرام الشاذة في بيانات هابل، التي قد نتوقع أن الكثير منها قد تم اكتشافه بالفعل، يُعد نتيجة مذهلة، كما يوضح مدى فائدة هذا الأداة لتطبيقها على مجموعات بيانات فضائية كبيرة أخرى في المستقبل".
يعد هذا المشروع مثالًا حيًا على كيف يمكن للتقنيات الحديثة أن تعزز البحث العلمي، خصوصًا في مجالات مثل الفلك، حيث الكم الهائل من البيانات يفوق القدرة البشرية على التحليل اليدوي.
ومن المتوقع أن يفتح هذا النهج آفاقًا جديدة للاكتشافات المستقبلية، سواء في دراسة المجرة والمجرات البعيدة أو في فهم الظواهر الكونية النادرة وغير المألوفة.
باستخدام الذكاء الاصطناعي بهذا الشكل، يصبح بإمكان العلماء اكتشاف المزيد من الأسرار الكونية بسرعة أكبر وبشكل أكثر دقة، ما يعزز من فرصنا لفهم الكون الذي يحيط بنا بطريقة لم يكن ممكنًا تحقيقها قبل عقود قليلة.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
إقرأ أيضاً:
طريقنا للابتكار في زمن الذكاء الاصطناعي…
قد نفهم كيف كانت النخب في العالم الإسلامي أيام كان الغرب يكتشف المحرك البخاري في القرن الثامن عشر، وأيام كان يخترع الكهرباء والتلغراف في القرن التاسع عشر، وأيام كان يخترع الطائرة والكمبيوتر وانترنت والذكاء الاصطناعي في القرنين العشرين والحادي والعشرين… ولعلنا عادة ما نلجأ للتاريخ لفهم ذلك، وكثير منا يجد ضالته في الدورة الحضارية لِيبرر التخلف أو يَلعنه!…
كل هذا صحيح وينبغي علينا إدراكه، ولكن ما ينبغي علينا الوقوف عنده هو كيف نستعيد المبادرة؟ وما الذي ينبغي علينا فعله؟ وهل ما نقوم به الآن يتم في إطار واع وضمن رؤية استشرافية تُدرك السيناريو الذي نسعى لبنائه؟ أم هو سَير على غير هَدى، يصيب متى أصاب ويُخطئ متى أخطا، لا نبالي كم عدد المرات التي أخطأ فيها أو أصاب؟
تبادرت إلى ذهني هذه الأسئلة وأنا أتابع التطورات المتسارعة في الغرب وفي الشرق (الصين تحديدا)، في مجال التكنولوجيات المتقدمة من خلال إنتاج الشرائح النانوية المتناهية في الصغر، ومن خلال بناء مراكز البيانات الضخمة لتشغيل الذكاء الاصطناعي، ومن خلال التطلع إلى بناء عالم مستقبلي مختلف تماما عن العالم الذي نعيش فيه. وهنا فرض سؤال ما الذي علينا القيام به نفسه؟
هل نكتفي بتبرير الدورة الحضارية ونترك عصر الذكاء الاصطناعي يمر أمامنا وعلى حسابنا كما مر عصر المحرك البخاري والكهرباء والتلغراف والراديو والكمبيوتر وانترنت؟ هل نكتفي بالنظر لهذا التطور التكنولوجي في أحسن الأحوال كأداة لتحسين التسيير في إداراتنا ومؤسساتنا بعيدا عن اعتباره مسألة تتعلق بوجودنا ذاته وببقائنا وبأمننا القومي؟ هل نستمر ضمن ذات دائرة التفكير المغلقة التي استمرت قرونا ومازال البعض يريدها أن تبقي مُهيمِنة على عقولنا من خلال التركيز على نقاشات هامشية غير مُجدية أو السعي لتحقيق أهداف استعراضية غير مؤسِّسة ومُنتِجة لبُنى عقلية قادرة على التفاعل مع سيناريوهات المستقبل في جميع المجالات؟
يبدو لي أننا في حاجة إلى ضبط أكبر لسياسات التعليم في جميع مراحله لِتقودنا إلى بناء عقل قادر على إدراك مفهوم التقدم في جوانبه المختلفة المادية والروحية. إننا نُعتبر مجتمعات مُركَّبة مختلفة عن المجتمعات الغربية في كثير من المتغيرات المحرِّكة لفاعليتنا وديناميكية مجتمعاتنا. وبقدر ما نحن في حاجة إلى علماء باحثين في المجالات التقنية والرياضية نحن في حاجة إلى علماء وباحثين في مجالات العلوم الإنسانية بمختلف تخصصاتها من الفلسفة إلى العلوم السياسية.
وقد أدركنا في الجزائر هذه المسألة في أكثر من مستوى. في جامعاتنا مثلا تبين لنا أنه علينا أن نتحول وبسرعة من تسيير البيروقراطية الأكاديمية وخداع النفس استنادا إلى بعض المخرجات (أوراق بحثية، معامل التأثير، تصنيف جامعات، عدد الخريجين، الهياكل… الخ) التي هي في الغالب مـضلِّلة، إلى تسيير الابتكار والإبداع وحل المشكلات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي يعرفها المجتمع. وفي قطاعات أخرى بدأت تظهر الديناميكية ذاتها. وهذا يدل أننا بدأنا ندرك طبيعة المرحلة التي نمر بها وما الذي نحن في حاجة إليه..
ومن بين ما يبدو لي أننا في حاجة إليه اليوم قبل أي شيء آخر هو خطاب ثقة نابع عن رؤية وإرادة مخلصة ورغبة جامحة في التطوير… ثقة في أنفسنا وفي نخبنا التي تقاوم في الداخل، أو تلك التي تسعى لمد يد العون لبلادها وهي في الخارج، لتعزيز هذه المرحلة بِالتّفاني والصبر والإخلاص في العمل وكسر حاجز العزلة الإبداعية التي يعيش فيها عدد كبير من الباحثين في جميع التخصصات.
ورؤية مستمَدة من الخبرة التاريخية التي عرفناها، تُوضِّح أهدافنا في المستقبل، وإرادة وعزم لتحقيق ذلك. فالغرب لم يستطع الانتقال من مرحلة تكنولوجية إلى أخرى من دون هذه الثقة في نخبه ومازال، ومن دون وضوح في الرؤية لدى نخبه الفاعلة إن كان في حقل التسيير أو الابتكار في جميع المجالات، ومن دون إرادة وعزم…
ونحن اليوم في هذه المرحلة بما نملك من مواهب شابة لديها الكفاءة والقدرة والإرادة على صوغ رؤية للمستقبل بإمكاننا فعل ذلك. يبقى فقط الاستثمار فيها ووقايتها من التهميش والإقصاء من أدنى المستويات إلى أعلاها، لتبتكر وتمنع عنا تفويت فرصة هذا الزمن حتى وإنْ كان زمن الذكاء الاصطناعي التوكيلي وما بعده…
الشروق الجزائرية
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.