لجريدة عمان:
2026-06-02@17:24:02 GMT

هندسة العلاقاتإتقان فن التسامح في رمضان

تاريخ النشر: 18th, February 2026 GMT

يطل علينا شهر رمضان وهو حامل معه روحانيته ونفحاته، ليكون محطةً للتطهرِ الروحيِّ والقلبيِّ، فهو ليس مجرد إمساك عن الطعام والشراب من الفجر إلى المغرب، بل هو مدرسة متكاملة تهدف إلى بناء الإنسان من الداخل، إذْ إنها تزكي نفسه، وتعيد صياغة علاقاته على أسس من الإيمان والمحبة، وفي قلب هذه المدرسة تبرز قيمتان عظيمتان: صلةُ الرحمِ والتسامحُ.

فصلة الرحم في الإسلام تعد أحد أهم ركائز بناء المجتمع المسلم المتين، فهي ليست مجرد عادات اجتماعية يجد فيها الإنسان إشباعًا لحاجة الانتماء لديه، أو يؤديها إرضاءً لغيره، بل هي عبادة وقربى يتقرب بها العبد لربه، وعلامة على الإيمان، فعنه ﷺ «ومن كان يؤمن بالله واليومِ الآخر فليصِل رحمه» [البخاري: 6138]، ومن عظمة صلة الرحم أن شقّ الله اسمها من اسمه، ففي الحديث القدسي: «قال الله: أنا الرَّحمن، وهي الرَّحِم، شققتُ لها اسمًا من اسمي، مَن وصلها وصلتُه، ومن قطعها بتتُّه» [أبوداود: 1694].

وصلة الرحم تزيد العمر والرزق بركة، فقد ورد عن النبي ﷺ «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَه» [البخاري:2067]، ومن فضائلها الكثيرة أنها سبب لصلة الله -تعالى- وإكرامه لعباده، فعن عائشة -رضي الله عنها- عن النبي ﷺ أنه قال: «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللهُ» [مسلم:2555].

ورمضان يُعدّ فرصةً ذهبيةً لإحياء هذه السنة العظيمة، فإنّ المسلمين يصُومون في وقت واحد ويفطرون في وقت واحد، وتجمعهم صلوات الفرائض والقيام، كما إنَّ موائدَ الإفطارِ العائليةِ تلمُّ شملَ الأسرِ، وتقرب بينهم، وينتهز بعض الصائمين الفرصة لزيارة أرحامه في نهار رمضان لاشتغالهم في الليل بالقيام، وحتى لا يكلّف أرحامه عناء إكرامه، وهذا ما رأيناه من مشايخ العلم. ومن الوسائل المعينة على الصلة: الاتصالاتُ الهاتفيةُ والرسائلُ في حالِ البعدِ عن التواصل المباشر.

ويؤمر المسلم بصلة أرحامه وإن هم قطعوه، ففي الحديث: «صِلْ مَنْ قَطَعكَ، وأَعْطِ مَنْ حَرمَك، وأَعْرِضْ عَمَّنْ ظَلَمك» [الترغيب: 2536]، وفيه أيضًا دعوة من خير المرسلين ﷺ للمسلم بأن يهذّب نفسه ويدفعها لتتبع أوامر الإسلام وإن لم توافق هوى نفسه، فالتسامح والعفو خلقُ الحبيب المصطفى عليه صلوات ربي وسلامه، فقد رسخه من خلال تعامله، فهذا أحد المواقف التي يرويها أَنَس بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَثَّرَتْ بِهِ حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَذْبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ» [البخاري:3149]. وتعامله مع من آذوه وأخرجوه وحاربوه، ليأتي لهم فاتحًا منتصرًا فيعفو ويصفح بعد أن دانت له مكة، فآمن أهلها على أنفسهم وأموالهم، ففي الحديث: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابهُ فَهُوَ آمِنٌ» [مسلم: 1780]، فيعلنها -عليه الصلاة والسلام- منهجًا إسلاميًا: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».

وعلى ذلك تربى الصحابة الكرام؛ فقد جسّد معاني الصِلة والصفح والمسامحةَ الصدّيقُ  عندما تراجع عن قطع الصدقة عن مسطحٍ لقذفِهِ أمَّ المؤمنين عائشةَ -رضي الله عنها- فور نزول الآية الكريمة: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: 22].

فالتسامح هو النور الذي يعمق صلة الأرحام ويقوي الروابط الاجتماعية، فكل إنسان يخطئ ويستحقُّ أن يُسامحَ ويعفوَ عنهِ، بل هو أقرب للتقوى، يقول الله سبحانه: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة:237]، ويقول جلّ شأنه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى:40]، وعن فضل العفو يقول النبي ﷺ: «وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ، إِلَّا عِزًّا» [مسلم:2588].

والله -سبحانه- عفوٌّ يحب العفو كما ورد في حديث عائشة رضي الله عنها، والعفوُ والتسامح يزيل عن القلب أدران الحقد والضغينة، ولأن شهر رمضان هو شهر المغفرة والعتق من النار، وشهر ترقُّ فيه القلوب وتصفو النفوس، شهر يُعلّم الصبر وضبط الشهوات والتحكم في النّفس، فهو أنسب وقت للتسامح والعفو، ولحلِّ المشكلات العالقة بين النفوس، وكيف للإنسان أن يطلب عفو الله ورضوانه وهو يأبى أن يعفو ويسامح أخاه؟

وكذلك نرى الصائم عندما يمتنع عن شهواته في سبيل الله، يتعلم قوة الإرادة والتحكم في الانفعالات، وهو تدريب روحي يجعله أكثر قدرة على تجاوز الأخطاء، ونسيان الإساءات، وصفحِ القلب عمن أساء إليه، فينبغي للمسلم أن يتذكر ضعفه وأنه أيضًا يخطئ ويحتاج إلى من يصفح عنه إن أخطأ، فالتسامح ليس ضعفاً، بل هو قوة وعزةُ نفسٍ، فالعفو عند المقدرة من شيم كبار النفوس، ودليل على عظمة الروح ونضجها.

وفي رمضان ليلةُ القدرِ، العبادةُ فيها تعدلُ عبادةَ ألفِ شهرٍ، وهي التي تكون سلامًا، يقول جلّ شأنه: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر:5]، ليلة يطلب فيها المؤمن العفو من ربه. ومن مفاتيح قبول الدعاء ألا يكون للمؤمن خصومة بلا وجه حق، يقول النبي ﷺ: «تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ فِي كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ، فَيَغْفِرُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِكُلِّ امْرِئٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا امْرَأً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» [مسلم: 2565]، فلا يُتصور لقلبٍ ممتلئٍ بالغلّ أن ينعم بالفوز والقبول في أفضل الليالي وأعظمها، فالتسامح هو مفتاح القلب لاستقبال رحمة الله ونفحات شهره.

كما أن التسامح يقوي روابط المجتمع ويعلي شأن الأمة، يقول الله تعالى محذّرًا من التنازع ومبيّنًا العاقبة: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:46]، وإذا كان التدابر والتباغض منهيًّا عنه، فإن التقارب والبدء بالسلام يُؤجَرُ عليه المسلم، فوصف النبي ﷺ من يبدأ بالسلام بالخيرية، وبيّن فضل المصافحة لأنها سبب في التقريب بين المسلمين، يقول عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ، إِلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا» [ابن ماجه: 3703].

فما أحرى بالمسلم أن يجمع بين صلة الرحم والتسامح وخاصة في رمضانَ شهرِ القربِ وسعة الصدر، وانشراح النفس؛ مما يخلق مجتمعًا متماسكًا ومتراحمًا؛ لأن صلة الأرحام تقطع دابر الخصومات قبل أن تبدأ، والتسامح يعالج ما قد يكون نشأ منها، فالعائلة التي تجتمع على مائدة الإفطار، هي فرصةٌ لتصفية النفوس، ومد الجسور، وإعلان العفو والصفح، فرُبّ كلمة اعتذار أو كلمة قبول الاعتذار -التي هي من شيم كبار النفوس، والتي تُقال في هذا الشهر- كان لها أثرٌ عميق، فهي تزيل ثقل الأحقاد عن القلوب، وتفتح صفحة جديدة من المودة والاحترام.

إن شهر رمضان هو دعوة متجددة لكل مسلم أن يراجع علاقاته مع الله ومع خلقه، فلنغتنم هذه الأيام المعدودة والليالي الفاضلة، ولنجعل من صلتنا لأرحامنا وتسامحنا مع إخواننا زادَنا في شهرٍ تتضاعف فيه الأجور، وشهرٍ لله فيه كل يوم عتقاء من النار.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: صلة الرحم النبی ﷺ

إقرأ أيضاً:

الشمال القطري يطلب ضم بن رمضان من الأهلي في صفقة منفصلة عن أكرم توفيق

كشف الإعلامي أحمد جلال، عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أن نادي الشمال القطري تقدم بطلب رسمي إلى الأهلي للتعاقد مع التونسي محمد علي بن رمضان خلال فترة الانتقالات المقبلة.

محمد علي بن رمضان

وأوضح جلال أن المفاوضات الخاصة بضم بن رمضان تأتي في صفقة مستقلة تمامًا، بعيدًا عن أي محادثات أو ترتيبات تخص عودة أكرم توفيق إلى الأهلي، في ظل اهتمام النادي القطري بالحصول على خدمات لاعب الوسط التونسي بشكل مباشر.

بعثة المنتخب البرازيلي تصل أمريكا استعدادا لودية مصر قبل المونديال | صورمنع بريل إمبولو من مرافقة المنتخب السويسري إلى أمريكاريال مدريد يقترب من حسم صفقة كوناتي المجانية بعقد طويل الأمد

كشف الناقد الرياضي عصام شلتوت عن تلقي النادي الأهلي عرضًا رسميًا من نادي الشمال القطري للتعاقد مع التونسي محمد علي بن رمضان خلال فترة الانتقالات المقبلة.

وكتب عصام شلتوت عبر حسابه الرسمي على موقع “فيسبوك”: «تقارير.. الشمال القطري يطلب بشكل رسمي التعاقد مع التونسي محمد علي بن رمضان ويخاطب الأهلي لمعرفة طلباته المادية للاستغناء عن اللاعب».

وتأتي هذه الأنباء في ظل تألق محمد علي بن رمضان اللافت، ما جعله محط اهتمام عدد من الأندية العربية الراغبة في الحصول على خدماته خلال الموسم الجديد.

ومن المنتظر أن تحسم إدارة الأهلي موقفها النهائي من العرض القطري خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل حاجة الفريق إلى الحفاظ على العناصر الأساسية قبل انطلاق الموسم الجديد والمنافسات القارية والمحلية.

ويُعد محمد علي بن رمضان من أبرز لاعبي خط الوسط في السنوات الأخيرة، بعدما قدم مستويات قوية سواء مع الأندية التي لعب لها أو مع منتخب تونس.

طباعة شارك محمد علي بن رمضان الاهلي الزمالك

مقالات مشابهة

  • مشاهدة فيلم أسد لمحمد رمضان 2026 كامل
  • محمد رمضان يطالب بالتحقيق في أزمة «أسد»: لن يستطيعوا حرماني من جمهوري
  • أهمية الخشوع في الصلاة وتسابيح سيدنا النبي بعد أدائها
  • الشمال القطري يطلب ضم بن رمضان من الأهلي في صفقة منفصلة عن أكرم توفيق
  • حكم الاكتفاء بأضحية النبي صلى الله عليه وسلم عن الأمة
  • ماذا قال له الرسول؟.. خالد الجندي يوضح تعامل النبي مع رجل شكا له سوء تصرف خادمه
  • خالد الجندي: النبي علّمنا الرحمة حتى مع المسيء.. و”العنف الأسري” ليس من هدي الإسلام
  • مفتي الجمهورية: أضحية النبي عن أمته لا تسقط السنة عن القادرين
  • في معركة الاستقلال (5): هندسة التوازن.. كيف تناور الدول بين القوى الكبرى؟
  • تركي آل الشيخ يشيد بفيلم "أسد" ومحمد رمضان يرد