إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «8-10»: كيف نبني حزباً سودانياً حديثاً؟

ميرغني الحبر/ المحامي

انتهينا في الحلقة السابقة إلى أن السودان لا يحتاج فقط إلى أحزاب جديدة، وإنما إلى نموذج جديد في العمل الحزبي، يستفيد من المعرفة والتكنولوجيا، ويؤسس لممارسة سياسية أكثر كفاءة وشفافية ومؤسسية.
غير أن الأفكار، مهما كانت جاذبيتها، لا تتحول إلى واقع بمجرد الإعلان عنها.

فكل تجربة سياسية ناجحة بدأت بسؤال بسيط: كيف نبني المؤسسة؟ وليس: كيف نصل إلى السلطة؟
ولذلك، فإن نجاح أي حزب سوداني حديث لن يتوقف على اسمه، ولا على شعبية مؤسسيه، وإنما على جودة البناء المؤسسي الذي يقوم عليه منذ اليوم الأول.

أولاً: الاتفاق على الرسالة قبل اختيار القيادة

كثير من الأحزاب تبدأ بالبحث عن رئيس للحزب، ثم تبحث لاحقاً عن برنامج.
أما الحزب الحديث، فيبدأ بالعكس؛ إذ يحدد أولاً رسالته الوطنية، ورؤيته للمستقبل، والقيم التي تحكم عمله، ثم يختار القيادات القادرة على تنفيذ تلك الرؤية.
فالقيادة يجب أن تكون خادمة للفكرة، لا أن تصبح الفكرة تابعة للقيادة.

ثانياً: دستور حزبي متقدم

الدستور الداخلي هو الضمان الحقيقي لاستمرار الحزب.
وينبغي أن يتضمن أحكاماً واضحة بشأن:

• تداول القيادة.

• تحديد مدد شغل المناصب.

• استقلالية الأجهزة الرقابية.

• شفافية التمويل.

• حقوق الأعضاء وواجباتهم.

• آليات حل النزاعات الداخلية.

فكل فراغ تنظيمي سيتحول، عاجلاً أم آجلاً، إلى أزمة سياسية.

ثالثاً: تنظيم شبكي لا هرمي

لم يعد التنظيم الهرمي الصارم هو النموذج الوحيد الناجح.
فالتكنولوجيا تتيح اليوم بناء تنظيم شبكي، يمنح الفروع واللجان قدراً أكبر من الاستقلالية، مع الحفاظ على وحدة الرؤية.

ويستطيع أعضاء الحزب، أينما كانوا داخل السودان أو خارجه، المشاركة في النقاش والتصويت وصناعة القرار عبر منصات رقمية آمنة.

وبذلك يصبح الانتشار الجغرافي مصدر قوة، لا عبئاً تنظيمياً.
“أي لا يدعو الحزب الحديث إلى إلغاء البناء الهرمي، وإنما إلى تحويله من هرم جامد يحتكر القرار إلى شبكة مؤسسية مرنة، تجمع بين وحدة القيادة ولامركزية التنفيذ، مستفيدةً من التقنيات الرقمية في التواصل والتنسيق وصناعة القرار”.

رابعاً: الكفاءة معيار التقدم

ينبغي أن يقوم الحزب على مبدأ بسيط:
الموقع التنظيمي يُكتسب بالكفاءة والإنجاز، لا بالأقدمية أو القرب من القيادة.

ولهذا، يجب اعتماد معايير واضحة لاختيار المسؤولين، وتقييم أدائهم بصورة دورية، مع إتاحة الفرصة المستمرة لظهور قيادات جديدة.

خامساً: أكاديمية الحزب

من أكبر الأخطاء أن يُترك إعداد القيادات للمصادفة.
لذلك نرى ضرورة إنشاء “أكاديمية الحزب”، تكون مسؤولة عن تدريب الأعضاء في مجالات:

• القيادة.

• الإدارة العامة.

• التشريع.

• الاقتصاد.

• التفاوض.

• الإعلام السياسي.

• التحول الرقمي.

• إدارة الأزمات.

فالسياسة الحديثة أصبحت مهنة تحتاج إلى إعداد مستمر، لا مجرد حماس وإخلاص.

سادساً: مراكز التفكير

لا يجوز أن يكون الحزب مجرد جهاز انتخابي.
بل يجب أن يضم مراكز متخصصة للبحوث والسياسات، تقدم دراسات علمية في الاقتصاد، والزراعة، والتعليم، والصحة، والإدارة، والعدالة الانتقالية، وإعادة الإعمار.
وعندما يصل الحزب إلى الحكم، يكون قد أعد كوادره وبرامجه مسبقاً، بدلاً من الارتجال.

سابعاً: الاستقلال المالي

لن تكون هناك إرادة سياسية مستقلة من دون تمويل مستقل.

ولذلك ينبغي أن يعتمد الحزب على:

• اشتراكات الأعضاء.

• التبرعات المعلنة وفق القانون.

• أنشطة استثمارية مشروعة وشفافة إذا أجازها القانون.

• رقابة مالية داخلية وخارجية.

فالنزاهة المالية ليست شأناً إدارياً، بل شرطاً للاستقلال السياسي.

ثامناً: الحزب في خدمة المجتمع

الحزب الحديث لا ينتظر الانتخابات حتى يلتقي بالمواطنين.
بل يشارك ، على سبيل المثال، في:

• حملات محو الأمية.

• المبادرات الصحية.

• التشجير وحماية البيئة.

• دعم الإنتاج.

• الإغاثة وقت الكوارث.

• نشر الثقافة القانونية والمدنية.

وبذلك يصبح وجوده مرتبطاً بخدمة المجتمع، لا بالمنافسة على السلطة وحدها.

هل يبدأ الحزب من الخرطوم؟

علمتنا التجربة السودانية أن اختزال السياسة في العاصمة كان أحد أسباب ضعف التمثيل الوطني.

ولذلك، فإن الحزب الحديث يجب أن يولد من جميع أنحاء السودان في الوقت نفسه، وأن يمنح الأقاليم دوراً حقيقياً في القيادة وصناعة القرار.

كما ينبغي أن يعد السودانيين في المهجر جزءاً أصيلاً من بنيته التنظيمية، لا مجرد داعمين من الخارج.

كلمة أخيرة

إن بناء حزب سوداني حديث ليس مشروعاً انتخابياً قصير المدى، بل مشروع لبناء مؤسسة وطنية تعيش لعقود، وتتطور مع المجتمع، وتحمي الديمقراطية من الشخصنة والانقسام.

ولعل أكبر ضمان لنجاح هذا المشروع هو أن يولد وهو مؤمن بأن السلطة ليست غايته الأولى، وإنما وسيلة لتحقيق التنمية، وترسيخ العدالة، وبناء دولة القانون.

خلاصة تنفيذية

إن الحزب الذي يحتاجه السودان ليس الأكثر صخباً، بل الأكثر قدرة على التعلم والتجدد وخدمة المجتمع. فكلما كان البناء المؤسسي قوياً منذ البداية، زادت فرص نجاح الحزب واستمراره، سواء كان في المعارضة أو في الحكم.

وفي الحلقة القادمة، سنناقش قضية تمثل الضمان الحقيقي لاستقرار أي تجربة ديمقراطية:

كيف نعيد تنظيم العلاقة بين الأحزاب، والمؤسسة العسكرية، والدستور، حتى لا تتكرر دوامة الانقلابات التي عطلت مسيرة السودان منذ الاستقلال؟.

إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «7-10»: نحو جيل جديد من الأحزاب

الوسومإصلاح الأحزاب السياسية الأحزاب السودانية الاستقلال المالي التحول الرقمي التفاوض الخرطوم السودان ميرغني الحبر المحامي

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: إصلاح الأحزاب السياسية الأحزاب السودانية الاستقلال المالي التحول الرقمي التفاوض الخرطوم السودان الأحزاب السودانیة الحزب الحدیث

إقرأ أيضاً:

أفراح الزوبة.. أول امرأة تتولى حقيبة الخارجية في اليمن

خبيرة يمنية في مجالي التنمية وبناء السلام، تولت منصب وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين في يوليو/تموز 2026. تمتلك خبرة مهنية تمتد أكثر من 25 عامًا في الإدارة العامة، والتخطيط التنموي، وبناء الشراكات مع المؤسسات الدولية والجهات المانحة.

شغلت الزوبة عددا من المناصب القيادية، أبرزها وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، ورئيسة الجهاز التنفيذي لتسريع استيعاب تعهدات المانحين، كما أدت دورا بارزا أثناء المرحلة الانتقالية في اليمن بصفتها النائب الأول للأمين العام لمؤتمر الحوار الوطني الشامل، وأسهمت في صياغة الوثيقة النهائية لمخرجاته، وكانت عضوا في لجنة صياغة الدستور.

النشأة والتكوين العلمي

تنحدر أفراح عبد العزيز الزوبة من محافظة البيضاء وسط اليمن. وحصلت على درجة البكالوريوس في العلوم الصيدلانية من جامعة صنعاء، قبل أن تواصل دراساتها العليا وتنال درجة الماجستير في صحة المجتمع والاقتصاد الصحي من الجامعة الوطنية في ماليزيا، ثم ماجستير في إدارة الأعمال من جامعة العلوم والتكنولوجيا في صنعاء.

أفراح الزوبة شغلت منصب النائب الأول للأمين العام لمؤتمر الحوار الوطني الشامل في الفترة بين 2013 و2015 (الصحافة اليمنية)المسار المهني

امتدت مسيرة أفراح الزوبة المهنية أكثر من 25 عاما، تنقلت فيها بين مجالات التنمية، وبناء السلام، والإدارة العامة، وتولت مناصب قيادية في الحكومة اليمنية والمؤسسات التنموية.

شغلت الزوبة منصب المدير التنفيذي للجهاز التنفيذي لتسريع استيعاب تعهدات المانحين منذ عام 2021، وعملت على تعزيز القدرات المؤسسية للحكومة، وتنسيق التعاون مع المؤسسات الدولية، والإشراف على برامج تمويلية. كما عملت مستشارة لرئيس الوزراء لشؤون الإغاثة الإنسانية والتنمية عام 2019.

وأثناء المرحلة الانتقالية في اليمن بين عامي 2013 و2015، شغلت منصب النائب الأول للأمين العام لمؤتمر الحوار الوطني الشامل، وأسهمت في إدارة أعماله الفنية والتنظيمية، كما تولت مسؤولية إعداد وصياغة الوثيقة النهائية لمخرجات الحوار الوطني، وشاركت في عضوية لجنة صياغة الدستور.

إعلان

وفي القطاع التنموي، عملت مع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) في برامج الحوكمة والديمقراطية وبناء قدرات الشباب والنساء والحد من النزاعات، وبدأت مسيرتها في منظمة "سول للتنمية" من خلال تنفيذ مشاريع للحد من الفقر وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية في المناطق الريفية والمهمشة.

كما برزت في مجال بناء السلام، إذ شاركت في مبادرات "المسار الثاني" للسلام، وقدمت أوراق سياسات واستشارات حول بناء السلام في الدول الهشة، وكانت ضمن وفد من سبع قياديات يمنيات دعتهن الأمم المتحدة للمشاركة في مشاورات الكويت بين عامي 2016 و2017.

وتوجت مسيرتها بتولي منصب وزيرة التخطيط والتعاون الدولي مطلع عام 2026، قبل تعيينها في يوليو/تموز من العام نفسه وزيرةً للخارجية وشؤون المغتربين، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب منذ قيام ثورة 26 سبتمبر/أيلول 1962.

مقالات مشابهة

  • أفراح الزوبة.. أول امرأة تتولى حقيبة الخارجية في اليمن
  • أستاذ علوم سياسية: قطاع غزة يقترب من مجاعة وكارثة محققة
  • منير أديب يكتب: حين تُرك باب المندب رهينةً للحوثي
  • اللواء فؤاد علام: جماعة الإخوان لم تكن تملك قيادات سياسية مؤهلة لإدارة دولة بحجم مصر
  • تصنيف 27 حزباً إلى ثلاث فئات وفق تمثيليتها البرلمانية مع اعتماد آلية تضمن تكافؤ الفرص في الإعلام العمومي
  • المسلاتي: أي تسوية سياسية لن تنجح إلا إذا انطلقت من ثوابت القيادة العامة
  • إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «7-10»: نحو جيل جديد من الأحزاب
  • الرفادي: إعلان حكومة من جنيف “بلطجة سياسية”.. والشرعية لا تُصنع من الفنادق
  • 27 حزبا فقط يتنافسون في انتخابات 23 شتنبر مقابل 31 في انتخابات 2021