موقع النيلين:
2026-06-03@01:56:42 GMT

النفاق الأمريكي كأوضح ما يكون

تاريخ النشر: 15th, August 2024 GMT

سَمِّه نفاقاً إن شئت، أو سَمّه تناقضاً، المهم أنه في نهاية الأمر، عمل غير أخلاقي ولا يتسق مع أي قانون أرضي – وضعه البشر – أو جاء به دين سماوي، ذلك هو الوصف اللائق بالعمل الذي تقوم به الإدارة الأمريكية الحالية تجاه السودان، وتحديداً ما يقوم به مبعوثها الخاص للسودان توم بيرييلو، في رمزيته وليس في شخصه !!

تملأ الإدارة الأمريكية الحالية، الفضاء الإعلامي زعيقاً، عبر مبعوثها ومندوبتها في مجلس الأمن الدولي، وعبر منظماتها العاملة في المجال الإنساني، عن “الكارثة التي يواجهها شعب السودان بسبب استمرار الحرب”، يتحدثون عن الجوع الذي يهدد حياة الملايين وعن معاناة النازحين الذين بلغت أعدادهم الرقم القياسي العالمي، وعن معاناة الأطفال في صحتهم وفي حرمانهم من تلقي التعليم، ويتحدثون – ببعض الحياء – عن الإنتهاكات اليومية للقانون الدولي الإنساني وعن حالات الاغتصاب والاختفاء القسري، ويتحدثون عن القصف الذي يتعرض له المدنيون فيصبحون بين عشية وضحاها من بين ضحاياه .

. ومن بعد هذه القائمة الطويلة من الإنتهاكات والجرائم، يقولون: يجب أن تتوقف الحرب، ولكي تتوقف يجب أن يجتمع (الجنرالان) أو مَن يفوضانه للبت في خطة “شبه جاهزة” لوقف إطلاق النار مؤقتاً لتمكين العون الإنساني، من غذاء و دواء، من أن يتدفق ليصل إلى المحتاجين، ثم تطوير الإتفاق المؤقت هذا لوقف إطلاق النار إلى إتفاق دائم !!

تسألني: وأين المشكلة في هذا ؟

وأجيبك : لا توجد أية مشكلة، بل هذا هو المطلوب، هناك معاناة يعيشها الملايين من أهل السودان بسبب استمرار الحرب، وأن هذه المعاناة يجب أن تتوقف، لكن أليس من الواجب أن يُحدد الطرف المتسبب في هذه المعاناة أولاً، ولماذا يصر هذا الطرف على الاستمرار في هذا السلوك ؟
هذا هو السؤال الذي تحاول الإدارة الأمريكية أن تتهرب من طرحه وبالضرورة من الإجابة عليه، وتحاول القفز فوق مترتباته إلى المناداة بوقف الحرب !!

صحيح أن الملايين من أهل السودان نزحوا من مدنهم وقراهم، وهاموا على وجوههم داخل السودان وخارجه، وأصبحوا عرضة للجوع والمرض، وتعرضوا للقهر والاغتصاب والقتل، والسبب في ذلك هو مليشيا الدعم السريع، التي احتلت بيوتهم وطردتهم منها وقتلت مَن حاول منهم مقاومة ذلك، وهذا الأمر لا يحتاج فيه السودانيون لشهادة إثبات من أحد، لا من لجنة تحقيق محلية أو من منظمة دولية أو مجلس أمن، بل هو أمر عايشوه بأنفسهم طوال ما يقرب من العامين ، فهو مسلسل مستمر منذ منتصف أبريل من العام الماضي، وظل العالم كله يشهد كيف أن الآلاف من النساء والأطفال وكبار السن وغيرهم، يفرون من أية مدينة أو قرية تدخلها مليشيا الدعم السريع، إما إلى أقرب دولة مجاورة أو إلى المدن الآمنة في ولايات السودان التي لم تدنسها بنادق التمرد.

والعالم كله، وعلى رأسه منظمات الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية، والوكالة الأمريكية للتنمية، يعرفون أن الذي سطا على مخازن الأغذية والأدوية، في الخرطوم وفي ود مدني، وفي غيرهما، وعلى وسائل نقلها و ترحيلها، هم ضباط وجنود مليشيا الدعم السريع، الأمر الذي تسبب بشكل مباشر في القدر الأكبر من المعاناة الإنسانية التي يتحدث عنها المسؤولون الأمريكيون.

والعالم كله يعرف، وعلى رأسه المسؤولون الأمريكيون، أن الطرف الذي سطا على آليات وناقلات المزارعين في ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار والنيل الأبيض وفي كردفان و دارفور، وعلى بذورهم، وحرمهم من ممارسة نشاطهم الزراعي، وتسبب بشكل مباشر في تفاقم أزمة إنتاج الغذاء هو مليشيا الدعم السريع.

وكِبار العالم، بجلالة قدرهم، ممثلين في الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، بمن في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، ومعهم بقية الأعضاء غير الدائمين أدانوا في 13 يونيو الماضي الحصار والتجويع وتدمير والمستشفيات والأعيان المدنية الذي تتعرض له مدينة الفاشر، وطالبوا بفك الحصار ووقف القصف والتدميرعنها، وهم يعرفون أكثر من أي طرف آخر، أن الذي يقوم بذلك هو مليشيا الدعم السريع، لكن المليشيا لم تعبأ بما يقولون، وظلت قبل ذلك، وإلى يومنا هذا، تقوم بموجات متتالية من الهجوم على المدينة و تمارس القصف على المرافق الصحية والأحياء السكنية وتمنع قوافل الإغاثة من أن تصل إلى المدينة !!

أمريكا تعرف هذا كله، وتعرف الطرف المتسبب في معاناة السودانيين، وتعرف الأطراف الخارجية التي تمده بالمال والسلاح وتدعمه سياسياً وإعلامياً، لكنها لا تريد أن تقول لهم كفوا عن ذلك لكي تتوقف معاناة السودانيين، ولا تريد أن توجه لهم حتى صوت عتاب، بل تريد للحرب أن تتوقف بحجة أن في استمرارها مزيد من المعاناة للمدنيين !!

وغير بعيد عن السودان، يتعرض الشعب الفلسطيني في غزة إلى إبادة جماعية وتُرتكب في حقه كل أنواع الجرائم والانتهاكات، لكن أمريكا لا تطالب دولة العدوان أن توقف القتل والتدمير ضد الفلسطينيين ومنشآتهم المدنية، بل تمد المعتدي بكل أنواع الذخائر، الذكية منها والغبية، لكي يمعن في القتل والتدمير للمستشفيات والمدارس والمساكن، وقد بلغ الأمر بالرئيس الأمريكي نفسه أن صرح بأنه من المبكر الحديث عن وقف إطلاق النار في غزة، ولا تطالبها بفتح المعابر لكي تصل المعونات الإنسانية للمحتاجين !!

إذا لم يكن ما تفعله الإدارة الأمريكية، وما تقوله، بشأن ما يحدث في السودان وما يحدث فى فلسطين، هو عين النفاق والبلطجة السياسيين، وازدواجية المعايير، فماذا يكون بالله عليكم ؟

العبيد أحمد مروح

إنضم لقناة النيلين على واتساب

المصدر

المصدر: موقع النيلين

كلمات دلالية: ملیشیا الدعم السریع الإدارة الأمریکیة

إقرأ أيضاً:

من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟

 

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.

وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.

اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.

قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.

أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.

لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.

وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.

ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟

ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.

مقالات مشابهة

  • القيادة الوسطى الأمريكية تنفي استهداف مقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين وقاعدة جوية أمريكية
  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • المنتخب الأول لكرة القدم.. يكون أو لا يكون
  • متى يكون التعب المزمن مؤشرًا لمشكلة صحية خطيرة؟
  • وزير الخارجية الأمريكي يكشف عن أمر محبط وتحول السودان إلى صراع بالوكالة بين الإمارات والسعودية وتحديد 4 مناطق وخطة السلام
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • سلامة من طرابلس: حماية التراث مسؤولية لا تتوقف رغم الأزمات
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟