الإمارات والسعودية تقودان الاستثمارات العربية في الهيدروجين الأخضر
تاريخ النشر: 5th, October 2024 GMT
تستثمر دولة الإمارات بشكل كبير في إنتاج الهيدروجين والأمونيا الخضراء، كجزء من استراتيجيتها للتحول نحو الطاقة النظيفة والاستدامة وتعتبر الدولة واحدة من الدول الرائدة عالمياً في الاستثمار بهذا المجال، كما تسعى إلى تطوير بنية تحتية مستدامة تمكنها من تصدير هذه المنتجات إلى الأسواق العالمية، بما يتماشى مع رؤية تحقيق الحياد الكربوني 2050، وفقاً لمركز “إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية” ومقره أبوظبي.
ويتوقع أن تستحوذ دولة الإمارات على 25% من سوق الهيدروجين العالمي العام 2030، حيث تمتلك الدولة أول محطة في الشرق الأوسط لإنتاج الهيدروجين الأخضر الذي يعتبر وقود المستقبل، فيما تستهدف “مصدر” انتاج مليون طن سنوياً بحلول 2030 كما يصل انتاج “أدنوك” 300 ألف طن سنوياً فيما تعتزم الإمارات زيادة الاستثمارات بقطاع الطاقة النظيفة إلى ما يصل إلى 600 مليار درهم “163 مليار دولار” بحلول 2050.
وتهدف الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين في الإمارات إلى دعم الصناعات المحلية منخفضة الانبعاثات، والمساهمة في تحقيق الحياد المناخي، وتعزيز وتحقيق الريادة عالمياً في مجال إنتاج الهيدروجين حتى عام 2031. تركز الاستراتيجية على 10 ممكنات، كما تحدد الاستراتيجية الخطوات الرئيسية التي ستتخذها الإمارات لتسريع نمو اقتصاد الهيدروجين وتخفيض الانبعاثات في القطاعات الكثيفة الانبعاثات.
وأوضح تحليل “إنترريجونال” أن دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية تعملان على بناء قاعدة قوية لإنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر كمصدر طاقة نظيفة، وهو ما يعزز مكانتهما كقادة في هذا القطاع إقليمياً وعالمياً كجزء من جهودهما للتحول نحو الطاقة المتجددة وتنويع اقتصادهما بعيدًا عن الاعتماد على النفط.
• استثمارات
وقال “إنترريجونال” إن من أبرز استثمارات دولة الإمارات في الأمونيا الخضراء التي تعرف بكونها مادة كيميائية يمكن استخدامها كوقود نظيف أو كوسيلة لنقل وتخزين الهيدروجين، والذي يُعد عنصراً مهماً في التحول إلى اقتصاد خالٍ من الكربون المشروعات التالية:
1. مشروع تحالف أبوظبي لطاقة الهيدروجين: يهدف هذا التحالف، بقيادة شركة “أدنوك” وشركاء محليين ودوليين، إلى تطوير تقنيات لإنتاج الهيدروجين والأمونيا الخضراء باستخدام مصادر طاقة متجددة مثل الطاقة الشمسية. أبوظبي تسعى لتكون مركزاً عالمياً لإنتاج وتصدير الهيدروجين.
2. مشروع “مصدر” للطاقة النظيفة: شركة “مصدر” تعمل على تطوير حلول للطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، الذي يستخدم لإنتاج الأمونيا الخضراء وقد وقعت “مصدر” اتفاقيات تعاون دولية لتعزيز هذه التقنية.
3. مشروع “فرتيجلوب”: بالشراكة مع “أدنوك” وشركة OCI N.V، يعمل هذا المشروع على تطوير مصنع لإنتاج الأمونيا الخضراء في أبوظبي، ويهدف إلى تلبية الطلب العالمي المتزايد على الوقود النظيف.
وتعد “مصدر”، إحدى شركات الطاقة المتجددة في أبوظبي، والتي تسعى إلى أن تصبح واحدة من الشركات الرائدة عالميًا في إنتاج الهيدروجين الأخضر وفي العام 2021، أطلقت دولة الإمارات أول محطة لإنتاج الهيدروجين الأخضر في منطقة الشرق الأوسط، بقدرة 1.25 ميغاواط بالتعاون مع شركة “سيمنس”.
• استراتيجية طويلة
ووفقاً لتحديث استراتيجية الإمارات للطاقة 2050، تقرر مضاعفة مصادر الطاقة المتجددة 3 مرات بحلول 2030، ورفع مساهمة الطاقة النظيفة إلى 19.8 جيجاوات بحلول نفس العام ورفع مساهمة القدرة المركبة للطاقة النظيفة من إجمالي مزيج الطاقة إلى (30%)، كما تستهدف الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين إنتاج 1.4 مليون طن من الهيدروجين منخفض الانبعاثات سنوياً بحلول 2031، وزيادة الإنتاج إلى 15 مليون طن سنوياً بحلول عام 2050″.
• السعودية “رؤية 2030”
وفي السياق، ذكر “إنترريجونال” أن المملكة العربية السعودية تستثمر بشكل كبير في الهيدروجين الأخضر ضمن رؤية 2030، والتي تهدف إلى تنويع الاقتصاد وتحويل المملكة إلى مركز عالمي للطاقة النظيفة ويعتبر مشروع “نيوم” أحد أكبر المشاريع في هذا المجال، حيث تخطط المملكة لإنشاء مصنع هيدروجين أخضر بتكلفة تقارب 5 مليارات دولار. من المتوقع أن يبدأ تشغيل هذا المصنع بحلول عام 2025، ويهدف إلى إنتاج 650 طنًا من الهيدروجين الأخضر يوميًا.
وأعلنت “نيوم للهيدروجين الأخضر” العام 2022، توقيع اتفاقيات مع بنوك محلية وإقليمية وعالمية لبناء منشأة هيدروجين أخضر متكاملة في السعودية، بقيمة إجمالية تبلغ 8.4 مليار دولار لإنتاج ما يصل إلى 600 طن من الهيدروجين الأخضر يوميًا من 110 أجهزة للتحليل الكهربائي بسعة 20 ميغاواط، تعمل بقدرة 4 غيغاواط من طاقة الرياح والطاقة الشمسية، من أجل إنتاج ما يصل إلى 1.2 مليون طن سنويًا من الأمونيا للتصدير، عند بدء التشغيل التجاري في عام 2026.
وبالإضافة إلى ذلك، وقعت السعودية عدة اتفاقيات مع شركاء دوليين لتعزيز قدراتها في إنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر، ويُتوقع أن تصل استثمارات المملكة إلى مليارات الدولارات في السنوات القادمة.
وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تُشكّل الأمونيا الخضراء 45 % من الطلب على الطاقة في قطاع الشحن البحري، بينما لا تتجاوز نسبة الهدروجين الأخضر 15 % وفق سيناريو تحقيق الحياد الكربوني العام 2050 أي أن استخدام الأمونيا الخضراء سيكون 3 أضعاف استخدام الهدروجين الأخضر في قطاع الشحن البحري.
• الاهتمام العربي
وبدأ الاهتمام العربي بالأمونيا الخضراء العام 2021، حيث كانت دولة الإمارات سباقة بإطلاق أول مشروع العام 2021، باستخدام 40 ألف طن من الهيدروجين الأخضر، بتكلفة تصل إلى مليار دولار كما أطلقت مصر مشروع لإنتاج الأمونيا الخضراء خلال “كوب 27″، مشروعاُ لإنتاج 42 ألف طن في المرحلة الأولى.
• حراك عالمي
وأوضح ” إنترريجونال” أن العالم يشهد إقامة مشروعات كبرى في الهيدروجين والأمونيا الخضراء، سعيًا لتوفير إمدادات منخفضة الكربون بنحو 13 مليون طن منها مشروع: “بومونت” في أمريكا الذي يبدأ الإنتاج 2025، بطاقة 1.1 مليون طن متري سنويًا ومشروع يونيجيل البرازيلية باستثمارات بنحو 1.5 مليار دولار ومشروع شركتي إيفرويند فيولز الكندية وإي أو إن هيدروجين الألمانية لتوريد الأمونيا الخضراء إلى ألمانيا بدءًا من 2025، بالإضافة إلى مشروع شركة فورتسكيو الأسترالية و إنسياتك بيفوت لإنتاج نحو 400 ألف طن من الأمونيا الخضراء سنويًا من 2026.
المصدر
المصدر: جريدة الوطن
كلمات دلالية: الهیدروجین الأخضر الأمونیا الخضراء إنتاج الهیدروجین دولة الإمارات من الهیدروجین ملیار دولار ملیون طن ما یصل ألف طن
إقرأ أيضاً:
بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
بنك الذهب أم بنك الحرب؟
قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
عمر سيد أحمد
مقدمةتداولت منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات واتساب مؤخرًا مقترحًا بعنوان “بنك الذهب السوداني S.G.B”، لاقى ترحيبًا واسعًا من متابعين اعتبروه “فكرة جميلة قابلة للتنفيذ”. هذا المقال يقدّم قراءة نقدية لذلك المقترح تحديدًا، إذ يطرح المقترح نفسه كأداة سيادية لإنقاذ الاقتصاد السوداني من انهيار العملة وتوقف نزيف تهريب الذهب. الفكرة في جوهرها التنموي معقولة: تعويم عملة مغطاة بالذهب، وإشراك المعدنين التقليديين كمساهمين بدل تركهم فريسة للتهريب. لكن حين يُفحص الهيكل التنظيمي المقترح بعين نقدية، تظهر عيوب بنيوية خطيرة تجعل المشروع، كما هو مصاغ، أقرب إلى إضفاء شرعية مؤسسية على اقتصاد الحرب القائم بالفعل منه إلى إصلاحه.
هذا المقال يقدّم نقداً تفصيلياً للمقترح، مدعوماً بالسوابق الفعلية من تجربة السودان نفسه خلال الحرب الجارية، ثم يطرح تصوراً بديلاً لمؤسسة مماثلة تُبنى على أسس الشرعية الدستورية والحوكمة الرشيدة.
أولاً: مكامن الخطر البنيوي في المقترح الحالي1. التأسيس بمرسوم سيادي لا بقانون برلماني
المقترح ينص صراحة على أن الكيان “تُؤسس بمرسوم سيادي وتُسجل وفق قانون الشركات لسنة 2015”. في غياب برلمان منتخب، فإن “المرسوم السيادي” في السياق السوداني الراهن يصدر عمليًا عن مجلس السيادة الذي يهيمن عليه قادة عسكريون. هذا يعني أن الجهة التي تُنشئ الكيان وتحدد صلاحياته هي ذاتها الجهة التي يُفترض أن يُراقبها الكيان لاحقًا — تناقض جوهري يُفرغ فكرة “الرقابة” من مضمونها قبل أن تبدأ.
القانون الذي يُنشئ مؤسسة نقدية بهذا الحجم (تصدر عملة موازية، تدير احتياطيًا سياديًا، تملك حصصًا في 18 شركة ولائية) يجب أن يمر عبر تشريع برلماني كامل يخضع للنقاش العلني والمساءلة، لا أن يُفرض بمرسوم فوقي.
2. الجيش كمساهم رأسمالي مباشر
البند الأخطر في المقترح هو تخصيص 10% من رأس المال التأسيسي (طن ذهب كامل) لوزارة الدفاع “مقابل تأمين المناجم والممرات اللوجستية”. هذا لا يمنح الجيش دورًا أمنيًا محدودًا، بل ملكية رأسمالية دائمة في مؤسسة نقدية سيادية.
هذا الترتيب يكرر بالضبط النمط الذي أنتج أزمة الذهب في السودان أصلاً. فبحسب تقرير معهد تشاتام هاوس البريطاني حول الذهب والحرب في السودان، لم يكن تورط الأجهزة الأمنية (جهاز المخابرات، الجيش، قوات الدعم السريع) في تهريب الذهب حادثًا عابرًا أفلت من العقاب لغياب الأدلة، بل نتيجة تراكم استمر ثلاثين عامًا: اندماج تدريجي بين المصالح الأمنية والمصالح التجارية داخل الدولة، حتى تشكّل ما يصفه التقرير بـ“مركب عسكري-صناعي يسيطر على معظم اقتصاد السودان، بما في ذلك قطاع الذهب، ويحوّل الموارد بعيدًا عن الموازنة العامة ومؤسسات الدولة”.
بعبارة أخرى: المشكلة لم تكن يومًا غياب الأطر القانونية أو الشراكات الرسمية بين الجيش والاقتصاد — بل إن هذه الشراكات كانت هي نفسها آلية الإفلات من المساءلة. ومنح وزارة الدفاع حصة ملكية رسمية (10%) في بنك الذهب الجديد ليس تفصيلاً تقنيًا قابلاً للتعديل لاحقًا، بل تكرار حرفي لنفس النمط الموصوف في التقرير: مؤسسة عسكرية تحصل على موطئ قدم رأسمالي معلن داخل قطاع اقتصادي سيادي. الفرق الوحيد أن الأمر سيصبح موثقًا في نظام أساسي رسمي بدل أن يحدث بشكل غير معلن كما جرى طوال العقود الثلاثة الماضية — وهو ما يجعله أصعب على الطعن أو التفكيك مستقبلاً، لا أسهل.
3. غياب الفصل بين من يملك السلاح ومن يملك الذهب ومن يراقب الاثنين
المقترح يذكر “تقريرًا ربع سنويًا مُدققًا” دون تحديد الجهة المدقِّقة. هل هي ديوان مراجعة مستقل؟ جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن؟ أم تدقيق داخلي من إدارة البنك نفسها؟ في غياب تحديد صريح، فإن “الشفافية” المعلنة تبقى شعارًا لا آلية.
4. تكرار تجربة فاشلة قائمة بالفعل
السودان يملك بالفعل شركة تعدين حكومية (Sudamin)، ومع ذلك لم تمنع هذه المؤسسة الرسمية انهيار الرقابة على القطاع. فمع اندلاع الحرب، توقفت الشركة عن أداء وظائفها الأساسية، و“توقفت الشركة الحكومية Sudamin عن توزيع المواد الكيميائية اللازمة للمعدنين، فامتلأ الفراغ الناتج بالتهريب من ليبيا ومصر وتشاد”. هذا يوضح أن وجود مؤسسة “رسمية” بحد ذاته لا يضمن شيئًا إن لم تكن محصّنة بحوكمة مستقلة فعلية.
في المقابل، النموذج الأكثر نجاحًا في السودان — من منظور من أداره — هو نموذج غير رسمي بالكامل: شبكة أعمال حميدتي التي غطت التعدين واللوجستيات والموانئ والاستيراد والتصدير وحتى شركات أمنية خاصة، وشكّلت بنية أشبه بـ”دولة داخل الدولة”، حيث سيطرت شركة الجنيد العائلية على مناجم ذهب استراتيجية. هذا هو بالضبط السيناريو الذي يجب تجنّب تكراره بثوب “مؤسسي” جديد.
5. الأرقام تكشف حجم الفشل حتى مع وجود بنية رقابية معلنة
حتى مع وجود جهات إشراف حكومية معلنة، تكشف الأرقام حجم الانهيار الفعلي في الرقابة على القطاع:
من أصل 74.6 طن أنتجها السودان في 2025، لم يُصدَّر عبر القنوات الرسمية سوى 20 طنًا فقط، بحسب تصريح وزير المالية في الحكومة المتحالفة مع الجيش نفسه — أي أن الجزء الأكبر يتسرب خارج أي نظام رقابي معلن. تشير التقديرات إلى أن قيمة الذهب المُهرَّب من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع تجاوزت 850 مليون دولار خلال 2024 ومطلع 2025. تفيد التقارير بأن نحو 90% من الذهب السوداني المهرَّب يصل في نهاية المطاف إلى الإمارات، عبر طرق مباشرة أو دول عبور مثل تشاد وليبيا.هذه الأرقام تُبرهن أن المشكلة ليست غياب الأطر القانونية أو الشعارات الرقابية — فالسودان جرّب هذه الشعارات من قبل — بل غياب الاستقلالية الفعلية للجهة الرقابية عن الأطراف المسلحة المستفيدة من استمرار الفوضى.
ثانيًا: لماذا “الحوكمة الرشيدة” ليست ترفًا في هذا الملف تحديدًاأي مؤسسة تُدير احتياطيًا سياديًا من الذهب وتُصدر عملة موازية تمتلك بطبيعتها قوة اقتصادية وسياسية هائلة. إسناد هذه القوة لجهة تفتقر إلى الشرعية الانتخابية أو الرقابة البرلمانية يعني عمليًا استبدال “اقتصاد ظل” غير رسمي بـ”اقتصاد ظل” رسمي — أشد خطورة لأنه يحمل غطاء قانونيًا يصعب الطعن فيه لاحقًا.
الشرط الأول لأي إصلاح نقدي أو مؤسسي جاد في قطاع بهذه الحساسية هو: من يملك حق إنشاء المؤسسة ومراقبتها يجب ألا يكون طرفًا في الاستفادة المباشرة من مواردها.
ثالثًا: التصور البديل — مؤسسة ذهب سيادية تحت حوكمة شرعيةالمقترح البديل يحافظ على الفكرة الاقتصادية الجوهرية (تعبئة الذهب كأداة استقرار نقدي وإدماج المعدنين التقليديين) لكنه يعيد بناء الهيكل المؤسسي على أساس مختلف جذريًا.
1. الشرط الزمني والسياسي المسبق: لا مؤسسة قبل التحول المدني
لا يجوز تأسيس هذا الكيان إلا بعد:
إتمام تحول مدني حقيقي ينهي هيمنة أي طرف عسكري على القرار السياسي والاقتصادي، وليس تحولًا شكليًا يُبقي الجيش أو أي ميليشيا طرفًا في هيكل السلطة التنفيذية أو الاقتصادية. انتخاب برلمان تشريعي كامل الصلاحيات، عبر عملية انتخابية تنافسية مراقبة دوليًا، لا مجلس تشريعي معيّن أو انتقالي شكلي. إقرار دستور دائم أو وثيقة دستورية توافقية تُحدد بوضوح الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتمنع صراحة أي دور اقتصادي مباشر للمؤسسة العسكرية خارج الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية.أي محاولة لتأسيس مؤسسة نقدية سيادية قبل تحقق هذه الشروط، حتى لو حملت اسم “الشعب” أو “الشراكة الوطنية”، ستبقى عرضة للاختطاف من الطرف الأقوى ميدانيًا — كما تُظهر تجربة السودان نفسها مرارًا.
2. الأساس القانوني: قانون برلماني، لا مرسوم سيادي
يُنشأ الكيان بموجب قانون خاص يُقرّه البرلمان المنتخب بعد نقاش علني وجلسات استماع تشمل خبراء الاقتصاد النقدي، ممثلي المعدنين، منظمات مكافحة الفساد، وهيئات الرقابة المالية الدولية. يتضمن القانون آلية تعديل وإلغاء تمر أيضًا عبر البرلمان، لا عبر قرار تنفيذي أحادي. يخضع القانون لمراجعة المحكمة الدستورية للتأكد من توافقه مع مبدأ الفصل بين السلطات.3. الهيكل التنظيمي: فصل صارم بين الملكية والإدارة والرقابة
| الجهة | الدور | الضمانة |
| مجلس إدارة مستقل | إدارة العمليات اليومية | تعيين بالكفاءة عبر لجنة ترشيح برلمانية، لا بالتعيين السياسي المباشر |
| البرلمان (لجنة مالية دائمة) | رقابة تشريعية ومساءلة سنوية | جلسات استماع علنية، حق استدعاء الإدارة |
| ديوان مراجعة عام مستقل + مدقق دولي معتمد | تدقيق مالي وتقني | تقارير علنية غير قابلة للحجب، مُلزمة قانونًا |
| هيئة رقابة قطاع التعدين (مستقلة عن وزارة الدفاع والداخلية) | تتبع سلاسل التوريد ومنع الشراء من مناطق النزاع | تعاون مع آليات دولية معتمدة لتتبع المعادن (على غرار آليات OECD لسلاسل التوريد المسؤولة) |
| ممثلو المعدنين وحكومات الولايات | مقاعد تصويتية في الشركات الولائية | حصص ملكية حقيقية قابلة للتوريث والتداول، لا رمزية |
نقطة جوهرية: لا تملك أي مؤسسة عسكرية أو أمنية حصة رأسمالية في الكيان أو في شركاته الولائية. أي دور أمني مطلوب (تأمين مواقع التعدين) يُموَّل من الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية، عبر عقد خدمة محدد المدة والمقابل، لا عبر ملكية دائمة.
4. تأسيس بورصة سلع وطنية مرتبطة بالكيان
لضمان اكتشاف سعر عادل وشفاف بعيدًا عن احتكار البنك لتسعير الذهب المشترى من المعدنين:
تُنشأ بورصة سلع سودانية مرخصة (على غرار بورصات المعادن الإقليمية) تُدرج فيها عقود الذهب الفوري والآجل. يُلزَم الكيان الجديد ببيع وشراء الذهب عبر آليات البورصة العلنية، لا عبر تسعير داخلي أحادي كما ورد في المقترح الأصلي (“سعر البورصة – 3%” دون تحديد أي بورصة مرجعية فعلية قائمة). تخضع البورصة لهيئة مستقلة لسوق المال، منفصلة إداريًا عن بنك الذهب نفسه، لمنع تضارب المصالح بين من يُصدر الأداة النقدية ومن يُشرف على سوقها.5. آليات تتبع خاضعة لجهة تحقق خارجية
تسجيل بلوكتشين لكل معاملة، كما ورد في المقترح الأصلي، لكن بإشراف مشترك مع جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن النفيسة، لا كنظام داخلي يديره البنك وحده. نشر بيانات مصدر الذهب وكمياته بشكل علني وقابل للتدقيق من صحفيين ومنظمات مجتمع مدني، لا فقط “تقرير ربع سنوي” تصدره الجهة نفسها موضوع الرقابة. رابعًا: لماذا هذا التصور أكثر واقعية لا أقل طموحًاقد يُقال إن اشتراط تحول مدني كامل وبرلمان منتخب قبل تأسيس هذا الكيان يعني تأجيله إلى أجل غير مسمى في ظل الحرب الجارية. هذا الاعتراض له وجاهة، لكن البديل — تأسيس مؤسسة نقدية سيادية ضخمة بمرسوم فوقي وبمشاركة رأسمالية مباشرة لطرف عسكري — ليس “حلاً سريعًا”، بل تكرار موثق للنمط الذي أنتج الأزمة نفسها. فكما توضح تجربة “الجنيد” وشبكات التهريب القائمة، فإن إضفاء الشرعية المؤسسية على هيمنة السلاح على الذهب لا يُنهي اقتصاد الحرب، بل يُقوننه.
الأولوية الفعلية إذن هي: مسار سياسي يفضي إلى حوكمة شرعية أولاً، ثم بناء المؤسسات النقدية الكبرى على أساسها — لا العكس.
خاتمةمشروع “بنك الذهب السوداني” يعكس حاجة اقتصادية حقيقية وملحّة: استعادة السيادة النقدية ووقف نزيف الذهب الوطني. لكن حسن النية في الهدف لا يبرر هيكلاً مؤسسيًا يمنح الطرف المسلح ذاته الذي يُغذّي أزمة التهريب موطئ قدم رأسماليًا رسميًا داخل الحل المقترح. الدرس الذي تقدمه تجربة السودان الموثقة بوضوح هو أن الشفافية لا تُبنى بالشعارات أو أنظمة التتبع التقنية وحدها، بل بفصل صارم ومؤسسي بين من يملك القوة العسكرية ومن يملك الثروة ومن يراقب الاثنين — وهذا الفصل لا يتحقق إلا تحت مظلة حوكمة برلمانية منتخبة وقانون شرعي، لا مرسوم سيادي فوقي.
هذا المقال تحليل نقدي مستقل، ولا يمثل موقفًا رسميًا لأي جهة. المصادر المستخدمة تشمل تقارير Chatham House، The Soufan Center، ISPI، Africa Defense Forum، وSudan Tribune حول اقتصاد الذهب في الحرب السودانية.
* باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل
Email:[email protected]
يوليو 2026
الوسوماقتصاد الحرب الجيش السودان الشرعية المؤسسية بنك الحرب بنك الذهب تشاتام هاوس حوكمة شرعية عمر سيد أحمد ليبيا مشروع بنك الذهب السوداني هيمنة السلاح