سودانايل:
2026-07-24@08:36:49 GMT

سلامة المدنيين بين الاستنفار والاستسلام

تاريخ النشر: 30th, October 2024 GMT

بسم الله الرحمن الرحيم

د. محمد المنير أحمد

الحرب مفسدة، ولا يجوز اللجوء الى الحرب الا لدرء مفسدة أعظم منها. ولقد رأينا أن المفاسد التي ترتبت على الحرب في السودان من ازهاق الأرواح البريئة واغتصاب النساء وسبيهن واستعبادهن والاتجار بهن لأغراض جنسية واتلاف مرافق الدولة الحيوية ونهب واتلاف الممتلكات الخاصة وتهجير وتجويع الملايين من المواطنين وانتشار المرض والعوز وتعطيل التعليم قد بلغ مبلغا يشيب له الوالدان وتتقطع له القلوب حسرة.

لذا، فإن أي سبيل حكيم لوقف هذه الحرب وإنهاء مفاسدها المتفاقمة بما فيها تدمير السودان بأيد بنيه مطلب شرعي وعقلي حكيم. قد نختلف حول كيفية إنهاء هذه الحرب والخراب، ولكن لتبقى لنا قدوة حسنة في مواقف الرسول صلى عليه وسلم لدرء الحروب ومنع سفك الدماء عندما اجتمعت قبائل وأحزاب الشرك للانقضاض على المسلمين في المدينة على حين غفلة من أهلها وكذلك مقولته يوم الحديبية ورغم استعداد أصحابه لقتال قريش: " لا تدعوني اليوم قريش الى خطة ليسالوني فيها صلة الرحم إلّا أعطيتهم". فيجب على كل أطراف الحرب الذين ما فتئوا يكبرون الله وهم يسفكون دماء بعضهم البعض، أن يَرْقُبوا ويَرْعَوا في بعضهم البعض وفى أهل السودان صلة الرحم وعهود الدين والوطن.
في هذا المقال أود أن أعقّبَ على الجدل الذي يدور حول الاستنفار لحمل السلاح دفاعا عن النفس والقرى والعشائر التي يجتاحها أو يهدد ويتوعد الدعم السريع باجتياحها والفتك "البل" بأهلها، وبين من يقول إن الاستنفار وحمل السلاح دفاعا عن النفس سيؤدى الى المزيد من سفك الدماء ويبرر تنكيل الدعم السريع بالمدنيين، لذا فان هذه الفئة من الناس تدعوا المواطنين لطلب حماية الدعم السريع بدلا عن مقاومته. وقد ذهب البعض الى أبعد من ذلك وقال ان من يحمل السلاح دفاعا عن نفسه وعرضه وماله يدخل في دائرة من يصفه القانون الدولي بالمقاتلين (combatant) ويُحْرَم من حق الحماية التي يكفلها القانون الدولي للمدنيين في حالات الحرب.
إذا رجعنا الى الوراء قليلا الى الأشهر الأولى لبدايات هذه الحرب بين الدعم السريع والقوات المسلحة، نجد أن الدعم السريع بادر الى اقتحام منازل المدنيين العزل وعمل فيهم قتلا واغتصابا للنساء ونهبا للأموال وطردا مذلا من البيوت والأحياء بيد أنه لم يكن في ذلك الوقت مستنفرين ولا مدنيين مسلحين في مدن العاصمة المثلثة. وعندما اقتحم الدعم السريع مدينة ودمدني وتبعتها مدن وقرى أخرى في الجزيرة، لم يكن أؤلئك المدنيون العزل طرفا في النزاع بين الجيش والدعم السريع. الفيديوهات التي صورها وبثها جنود الدعم السريع أكبر دليل على أن استهدافهم للمدنيين لم يكن رد فعل للاستنفار وحمل السلاح، انما كان يبرر تارة بأنهم جلابة، وتارة بأنهم فلول، أو أنهم يمثلون "دولة 56". وإذا أمعنا النظر فيما قام به الدعم السريع في دارفور قديما وما يقوم به الآن، نرى ومن خلال فيديوهات وتصريحات جنود وقيادات الدعم السريع أنهم يستهدفون المدنيين بشكل ممنهج على أساس اثنى/عرقي وقبلي محض.
إذا نظرنا لتسلسل الأحداث من حيث السابق واللاحق، والفعل ورد الفعل، نرى بكل وضوح ومن خلال توثيقات جنود الدعم السريع ومحرِّضيهم، أن استهداف الدعم السريع للمدنيين بالقتل واغتصاب النساء وسرقة واتلاف المال الخاص والعام بشكل ممنهج هو السابق في كل الأحوال لفكرة الاستنفار والدعوة للدفاع عن النفس. بل إن الاستنفار والدعوة للدفاع عن النفس والعرض والمال جاءت كرد فعل على تصاعد وتيرة وحدة استهداف الدعم السريع للمدنيين العزل مع عدم قدرة القوات المسلحة عن حماية المدنيين بشكل فاعل ووفق واجبها الدستوري.
لذا أدعو من يقول بأن الاستنفار وحمل السلاح دفاعا عن النفس والعرض والمال هو الذي جعل الدعم السريع يستهدف المدنيين لمراجعة تسلسل الأحداث.
ثم لنقل إن بعضا من الشباب قد حملوا السلاح داخل مدنهم وقراهم بغرض الحماية، فهل هذا يبرر للدعم السريع أن يقوم باختطاف واغتصاب النساء بعد أن اسر وقتل المستنفرين؟ ولماذا يقتل ويضرب ويؤسر ويهان الرجال المسنين، ما هي ذنب هؤلاء؟
إن الحرب ومنذ أشهر عديدة قد تجاوزت العداء بين الدعم السريع والقوات المسلحة ومن يسمون فلول وكيزان قد هيمنوا على الجيش. إنها حرب ضد المدنيين بكل أطيافهم ودياناتهم ما داموا لا يروقون لمزاج جنود الدعم السريع ومحرّضيهم من دعاة الفتنة. كل من يشاهد الفيديوهات التي يبثها جنود الدعم السريع ومحرّضيهم ويستمع للألفاظهم البذيئة يدرك طبيعة واجندة هذه الحرب ونفسيات منفذوها.
أما بالنسبة للذين يقولون بأن المدنيين الذين يحملون السلاح للدفاع عن أنفسهم وأعراضهم وأموالهم يصنفون كمقاتلين ويفقدون حقهم في الحماية التي يكفلها القانون الدولي للمدنيين، فدعوني اثير ثلاثة نقاط جوهرية:
أولا: أود أن اُحيل أصحاب هذه الحجة الى الأصل في القانون الدولي، ألا وهو أن استهداف المدنيين في حالة الحرب مخالف للقانون الدولي ويعد جريمة في حد ذاته. لذا فإن الأولى بمن ينظرون للأمر من منظور القانون الدولي أن يتوجهوا بالنصح للدعم السريع ومحرِّضيهم بعدم استهداف المدنيين بأي شكل من الأشكال إذ أن استهداف المدنيين هو أصل وأُس الأزمة التي يواجهها أهل السودان أينما حل الدعم السريع.
ثانيا: وفقا للقانون الدولي، يتمتع المدنيون بحق الدفاع عن النفس في الحالات التي تتعرض فيها مدنهم ومنازلهم للعدوان من قبل مجموعات مسلحة. يرتكز هذا الحق على القانون الدولي العرفي، ويفسر أيضا كجزء من الحق الأوسع في الحياة والبقاء بموجب قانون حقوق الإنسان. نعم، هناك تعقيدات قانونية في هذا الشأن، ولكن إذا نظرنا لنسق الجرائم التي يرتكبها جنود الدعم السريع كلما دخلوا مدينة أو قرية أو منزلا، يغلب على ظن كل مواطن بأنه هدف مباشر للدعم السريع مما يجعل الاستعداد للدفاع عن النفس والمال والعرض أمر بديهي ومسوق قانونا وعرفا.
ثالثا: أين هو القانون الدولي ومؤسساته من حماية المدنيين في السودان؟ لقد قال الأمين العام للأمم المتحدة في جلسة مجلس الأمن المنعقدة يوم 28 أكتوبر2024عن الحرب في السوان وبالحرف: "في الوقت الحالي لا تتوفر الظروف اللازمة للنشر الناجح لقوة تابعة للأمم المتحدة لحماية المدنيين في السودان"، عليه فإن دعوة المدنيين للكف عن حماية أنفسهم ضد استهداف الدعم السريع لهم وفى ظل عدم قدرة الجيش ولا الأمم المتحدة لحمايتهم لا يسنده منطق.
أعود وأقول مجددا أنه يجب أن لا نتوقف عن الدعوة للسلام العادل، يجب ألّا نيأس ولا نتوقف عن السعي لإيجاد صيغة، بعيدا عن البندقية، لحقن الدماء وإنهاء فتنة دمار السودان وطنا ومواطنا آملين في أن يتحقق فينا جميعا قول الله تعالى: " عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً ۚ وَاللَّهُ قَدِيرٌ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " (الممتحنة، 7)، ولكن الى حين أن يكف استهداف الدعم السريع للمدنيين قتلا وانتهاكا للأعراض ونهبا للأموال وتشريدا من الديار، فعلينا أن نستشعر قول الله تعالى: "فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ" (البقرة، 191) وقوله تعالى: "وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا" (النساء، 75).
واسأل الله اللطف بالسودان وأهله الصالحين.
30 أكتوبر 2024

msafieldin@gmail.com  

المصدر

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: استهداف الدعم السریع جنود الدعم السریع السلاح دفاعا عن القانون الدولی أن استهداف هذه الحرب للدفاع عن عن النفس

إقرأ أيضاً:

وزير النقل يتفقد مواقع العمل بالخط الأول من شبكة القطار الكهربائي السريع من مطروح حتى النوبارية

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

قام الفريق مهندس كامل الوزير، وزير النقل، بتفقد مواقع العمل بالخط الأول من شبكة القطار الكهربائي السريع السخنة/ العلمين/ مطروح والذي يبلغ طوله 660 كم، ويدخل ضمن الممر اللوجستي السخنة/ الدخيلة، وذلك في المسافة من مطروح حتى النوبارية، يرافقة اللواء حسام مصطفى مساعد الوزير للطرق والكباري واللواء طارق جويلي رئيس الهيئة القومية للأنفاق واللواء محمد حسن رئيس الهيئة العامة للطرق والكباري والمهندس إبراهيم بخيت نائب رئيس هيئة الأنفاق وقيادات الهيئتين  ورؤساء الشركات المنفذة للمشروع.

 

يأتي ذلك في إطار توجيهات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، بالمتابعة المستمرة  لمشروع شبكة القطار الكهربائي السريع.

 

حيث تفقد الوزير مواقع العمل في المسافة من محطة مطروح وحتي محطة النوبارية مرورا بمحطات (رأس الحكمة والضبعة وسيدي عبدالرحمن والعلمين والحمام وبرج العرب وإستاد الجيش «كينج مريوط» والنوبارية) وذلك لمتابعة التقدم في معدلات تنفيذ وتشطيب تلك المحطات التي ستساهم في تنشيط ودعم النشاط السياحي حيث تقع هذه المحطات فى مسار القطار السريع على الطريق الساحلى الدولى، كما تقع وسط هذه المدن، لكى تخدم القاطنين والعاملين بها والمترددين عليها، ويمثل مرور القطار السريع بها حافزا إيجابيا للإقبال عليها سواء للعمل فيها، أو للسياحة، أو السكن بها، أو إنشاء المشروعات الاستثمارية التى تحتاج إلى أيدى عاملة ووسيلة انتقال  آمنة وحديثة تقدم اعلى مستويات الخدمة لجمهور الركاب.

 

واطلع الوزير علي أعمال تشطيبات محطات المشروع ومخطط سير حركة الركاب من المدخل الرئيسي لكل محطة حتى الوصول إلى صالات التذاكر والتنقل بين الأرصفة وتوافر المصاعد لتسهيل تنقل الركاب، وكذلك خطة الاستغلال الإداري والاستثماري الأمثل لكافة المساحات بالمحطات المختلفة.

 

 كما تابع الوزير التقدم في معدلات تنفيذ عدد من الأعمال الصناعية في هذه المسافة " كباري وانفاق وبرابخ واخوار"، وما تم الانتهاء منها والمخطط الزمني الخاص بالأعمال الجاري تنفيذها ووجه الوزير بتنفيذ الأعمال وفقا لاشتراطات الجودة العالية والعمل على مدار الساعة للانتهاء من المشروع وفقًا للموعد المخطط.

 

 كما وجه الوزير بإنشاء كباري مشاه بجوار كباري السيارات المتقاطعة مع مسار القطار الكهربائي السريع لتسهيل حركة تنقل المواطنين في المناطق الواقعة على مسار القطار والمحافظة على حرم المسار ونهو طرق الاقتراب لربط المحطات بالطرق الرئيسية. 

 

وتابع الوزير الانتهاء من أعمال الجسور لكامل المسار وأيضا فرد البازلت والفلنكات وأعمال السكة موجهًا باستكمال تمهيد طرق الخدمة الموازية للمسار نظرا لاستخدام طرق الخدمة الداخلية في أعمال فرش البازلت وتركيب الفلنكات والقضبان واستخدام طرق الخدمة الخارجية لخدمة التجمعات السكنية والمناطق الزراعية.

 

وأكد الوزير خلال جولته أن أعمال تنفيذ شبكة القطار الكهربائي السريع تجسد ملحمة عظيمة يتم تنفيذها على أرض مصر لأنها ستربط كافة أنحاء الجمهورية ببعضها وأنه بتنفيذ الخط الأول من هذه الشبكة يكون قد تحقق الربط بين البحرين الأحمر والمتوسط بريًا لتكون بمثابة قناة سويس جديدة على قضبان وقدم الوزير الشكر لكافة العاملين بالمشروع على الجهود المبذولة لتنفيذ هذا المشروع العملاق.

 

وأشار إلى أن القطار الكهربائي السريع يمثل نقلة نوعية هائلة في وسائل النقل الجماعي الأخضر المستدام الصديق للبيئة فيوفر وسيلة آمنة، وسريعة، وصديقة للبيئة، تُسهم في تقليل الاعتماد على النقل التقليدي، وتخفض استهلاك الوقود والانبعاثات الكربونية، وتدعم توجه الدولة نحو التحول الأخضر والالتزام بأهداف التنمية المستدامة، بما يتسق مع الإستراتيجية الوطنية للمناخ ورؤية مصر 2030 لافتا إلى أن أهمية هذا المشروع لا تقتصر على قطاع النقل فقط، بل تمتد لتشمل أبعادًا اقتصادية وتنموية شاملة، حيث يسهم في (دعم التنمية الصناعية من خلال تحسين كفاءة سلاسل الإمداد والنقل - جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية - خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة - دعم التنمية العمرانية وربط المناطق الجديدة بالمدن القائمة - تعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي للنقل واللوجستيات وتجاه الترانزيت.

 

جدير بالذكر أن شبكة القطار الكهربائي السريع الجاري تنفيذها تتكون من عدد 3 خطوط بإجمالي أطوال 2000كم، ويبلغ طول الخط الأول (السخنة – العلمين – مطروح) 660 كم، ويتضمن 21 محطة، ومركزًا للتحكم والسيطرة.. كما يضم 15 قطارًا سريعًا، و34 قطارًا إقليميًا، و14 جرارًا للبضائع.

مقالات مشابهة

  • فيلم النار التي بداخلك يشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية السينمائي الدولي
  • وزير النقل يتفقد مواقع العمل بالخط الأول من شبكة القطار الكهربائي السريع من مطروح حتى النوبارية
  • الأردن يؤكد أمان مجاله الجوي أمام حركة الطيران المدني
  • منظمات أممية: آلاف النازحين يعيشون ظروفا مأساوية في المخيمات بالسودان
  • وزير الدفاع السوداني: الجيش يحقق تقدماً في 3 ولايات والدعم السريع يعيش حالة تشظٍ
  • مشروعا قانون في الكونغرس لتجفيف تمويل الحرب وتعزيز حماية المدنيين
  • خبراء: تحركات إقليمية قد تعيد رسم مسار الحرب في السودان
  • لقاء سري في بريطانيا يجمع الإمارات بـالدعم السريع.. الخرطوم تحتج
  • بيان خليجي أردني يدين القصف الإيراني ويجدد دعم حصر السلاح في العراق
  • المنتدى الدولي للأمن السيبراني ومكتب الأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح يطلقان برنامج تعزيز القدرات في الدبلوماسية السيبرانية