دبي – الوطن:
ترأس سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم النائب الأول لحاكم دبي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير المالية رئيس المجلس القضائي في إمارة دبي، اجتماع المجلس وذلك في إطار متابعة سموه الدورية لشؤون السلطة القضائية وأعضائها، والوقوف على مستجدات أعمالها وخططها الاستراتيجية.
واعتمد سموه خلال الاجتماع مشروع “المسارات الوظيفية للقضاة” الذي يهدف إلى تطوير الكفاءات القضائية، مما يسهم في تحسين جودة الأحكام وزيادة كفاءة العمل القضائي، كما اعتمد سموه تشكيل فريق عمل لدراسة إنشاء منصة تقنية موحدة لجهات السلطة القضائية والجهات الداعمة لها في دبي، وأطلق سموه المنصة الرقمية لجهاز التفتيش القضائي التي تتضمن مجموعة من الخدمات التفاعلية لأعضاء السلطة القضائية، كما تم اعتماد إلحاق 36 متدرباً قضائياً من الكوادر الوطنية ببرنامج الدراسات القضائية والقانونية في معهد دبي القضائي تمهيداً لتعيينهم قضاة في محاكم دبي.

منظومة قضائية متكاملة
وقال سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم: إن مشروع “المسارات الوظيفية للقضاة” يترجم الرؤية الطموحة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الرامية إلى تطوير الجهاز القضائي، وإعداد قضاة متخصصين ومؤهلين، بما يسهم في بناء منظومة قضائية متكاملة وترسيخ ريادة دبي عالمياً.
وأكد سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم أهمية رفد السلك القضائي بالكفاءات القانونية الوطنية، وتزويدهم بالمعارف والخبرات اللازمة للقيام بدور محوري في الارتقاء بقطاع القضاء، وتوفير خدمات قانونية وقضائية مبتكرة تواكب أفضل الممارسات العالمية.
وثمّن سموه جهود أعضاء المجلس القضائي في دبي في ترسيخ ركائز المنظومة القضائية، وإسهاماتهم في تعزيز سيادة القانون وتوفير أعلى مستويات العدل لكل من يعيش على أرض إمارة دبي.
وأضاف سموه: “مستمرون في توفير كل المقومات التي تصل بالمنظومة القضائية إلى أعلى مستويات كفاءة الأداء، وتطوير بيئة قانونية متميزة تحقق العدالة الناجزة بدقة وسرعة ويسر، وتعزز ثقة المتقاضين بالقطاع القضائي في الإمارة، لترسيخ مكانة دبي كمركز عالمي رائد للأعمال والاستثمار، ودعم طموحاتها التنموية المستقبلية”.

خطط تطويرية
واطلع سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم خلال الاجتماع على الخطط التطويرية والمشاريع المستحدثة للجهات القضائية، واعتمد سموه مشروع “المسارات الوظيفية للقضاة”، والذي يأتي كخطوة استراتيجية نحو تطوير الجهاز القضائي، وإعداد قضاة متخصصين وقادة مؤهلين.
وتعرف سموه خلال الاجتماع على دور مشروع “المسارات الوظيفية للقضاة” في تطوير الكفاءات القضائية، حيث تسعى محاكم دبي من خلاله إلى ترسيخ مفهوم القضاء المتخصص ليكون قادراً على مواكبة التحولات القانونية والاجتماعية، وبما يتماشى مع أجندة دبي الاقتصادية D33 وأجندة دبي الاجتماعية 33، كما يسهم المشروع في تعزيز سيادة القانون ورفع كفاءة الجهاز القضائي، وترسيخ ريادة دبي العالمية، من خلال ضمان تقديم عدالة ناجزة وأحكام قضائية دقيقة.
ويعتمد المشروع على ثقافة التركيز على التخصص وتحقيق الدقة في الأداء القضائي، مما سيساهم في تعزيز الكفاءة والاحترافية القضائية والقانونية.

أهداف المشروع
واطلع سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم خلال الاجتماع على أهداف المشروع، الرامية إلى تحقيق مسار التعاقب الوظيفي التخصصي لوظائف القضاة منذ ما قبل مرحلة التعيين وحتى تاريخ انتهاء فترة عمل القاضي في السلطة القضائية، وبما يضمن معه استمرارية الكفاءة وتعزيز التخصص وتكوين مرجعيات فنية قضائية تعزز من جودة الأداء الفنية، كما يسعى المشروع إلى توفير كوادر قضائية قيادية قادرة على سد شواغر المناصب القيادية في المحاكم أو أية جهة قانونية في إمارة دبي.

3 مسارات رئيسية
كما اطلع سموه على مسارات المشروع، حيث يتضمن 3 مسارات وظيفية رئيسية تهدف إلى تطوير الكفاءات القضائية وتلبية احتياجات محاكم دبي في مجالي التخصص والقيادة، وهي المسار التخصصي، ومسار النخبة، والمسار القيادي.

ويبدأ المسار التخصصي مع بداية إلحاق القاضي بالسلطة القضائية ويهدف إلى تمكين القضاة من التخصص في المجالات القانونية النوعية وفقاً لطبيعة عمل المحاكم التي يلحق بها القاضي لغايات صقل وتطوير مهاراتهم الفنية، كما يسهم هذا المسار في وجود منهجية واضحة لتحليل وإعداد وتحديث وتقييم الوظائف القضائية وتطوير مهارات التميز القضائي، حيث يتم تحديد احتياجات التدريب والتأهيل التخصصي بناء على ما سلف عبر معايير دقيقة واكتساب المهارات الفنية المستجدة، كما يتضمن المشروع منهجية الانتقال بين الدرجات القضائية والمسارات النوعية.
ويركز مسار النخبة على الاستثمار في تطوير القضاة المتميزين ليكونوا مراجع قضائية وفنية داخل المحاكم ويتطلب الانضمام إلى هذا المسار توافر عدة شروط، منها أن يكون القاضي مواطناً وأن يثبت كفاءته الفنية من خلال تقييمات دورية.
ويسعى المسار القيادي إلى إعداد القيادات لتولي المناصب القضائية من خلال تطوير مهاراتهم الإدارية والقيادية، ويتطلب الاستقطاب للمسار القيادي توفر شروط معينة، حيث يجب أن يكون القاضي مواطناً، وأن يكون تقديره لا يقل عن “جيد جداً” من خلال تقييمات قياس مؤشرات أدائه الفنية والقيادية.

إشراف وتنفيذ عالي الجودة
ويشرف مجلس شؤون التنسيق القضائي على تنفيذ مشروع “المسارات الوظيفية للقضاة”، لضمان توافق المشروع مع الأهداف الاستراتيجية لإمارة دبي، ويُعنى المجلس بتطوير البرامج التدريبية والقيادية وفقاً لأحدث المعايير العالمية لضمان تحقيق أعلى مستويات الجودة في الأداء القضائي وفعالية التخصص، ويسعى المجلس أيضاً لتعزيز الكفاءات القضائية وبناء جيل جديد من القضاة يتمتع بمهارات تخصصية وقدرات قيادية تلبي تطلعات محاكم دبي.
ويمثل نجاح محاكم دبي في تنفيذ مشروع “المسارات الوظيفية للقضاة” إنجازاً كبيراً يسهم في بناء مستقبل قضائي متين يضمن تحقيق العدالة وفق أرقى المعايير العالمية، ويعكس هذا المشروع الطموحات المستقبلية لدبي في بناء مجتمع آمن وعادل، ويعزز مكانة الإمارة كمركز عالمي للعدالة المتطورة والفعّالة.

منصة رقمية
كما اعتمد سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم خلال ترؤسه اجتماع المجلس القضائي في إمارة دبي تشكيل فريق عمل لدراسة إنشاء منصة تقنية موحدة لجهات السلطة القضائية والجهات الداعمة لها في إمارة دبي، بهدف تسهيل الربط بين هذه الجهات، وتحقيق التكامل بين عملياتها.
وأطلق سموه المنصة الرقمية لجهاز التفتيش القضائي التي تتضمن مجموعة من الخدمات التفاعلية لأعضاء السلطة القضائية بما يمكنهم من الاطلاع على مؤشرات أدائهم بشكل دوري، كما تسمح المنصة الرقمية بتتبع سرعة البت في القضايا ودقة وجودة الأحكام الصادرة بما يخدم الخطط التطويرية للسلطة القضائية.

كفاءات قانونية وطنية
وجرى خلال الاجتماع مناقشة عدد من المواضيع المتعلقة بشؤون أعضاء السلطة القضائية، حيث اعتمد المجلس القضائي في دبي إلحاق 36 متدرباً قضائياً من الكوادر الوطنية ببرنامج الدراسات القضائية والقانونية في معهد دبي القضائي تمهيداً لتعيينهم قضاة في محاكم دبي، ويأتي ذلك من منطلق أهمية تدريب وتأهيل الكفاءات القانونية الإماراتية المتخصصة في النظر والفصل في كافة أنواع الدعاوى القضائية، تنفيذاً لرؤية إمارة دبي وأهدافها الاستراتيجية المتعلقة بتطوير القطاع القضائي.
كما أقر المجلس القضائي في دبي مجموعة من التوصيات الخاصة بترقيات أعضاء السلطة القضائية، وناقش واتخذ مجموعة من القرارات بشأن ما تم عرضه عليه من طلبات.

وصادق المجلس خلال الاجتماع على مجموعة من القرارات التنظيمية الخاصة بتنظيم أقدميات أعضاء السلطة القضائية وترقياتهم وغيرها من الموضوعات المتعلقة بشؤون السلطة القضائية وأعضائها.

جودة الأحكام
وقال سعادة الأستاذ الدكتور سيف غانم السويدي مدير محاكم دبي: “إن الدقة في اختيار السلك القضائي هي الأساس لتحقيق عدالة نزيهة وفعّالة، ونحن في محاكم دبي ملتزمون بضمان أعلى المعايير في تعيين القضاة، مما ينعكس إيجاباً على جودة الأحكام وكفاءة النظام القضائي بشكل عام”.
وأكد السويدي أن وجود قضاة مؤهلين يمتلكون المهارات والخبرات اللازمة يعزز من مصداقية الجهاز القضائي، ويعكس التزام محاكم دبي بتوفير بيئة قضائية تتسم بالاحترافية والنزاهة.
وأضاف السويدي: “يعتبر مشروع المسارات الوظيفية خطوة محورية في بناء جهاز قضائي قادر على تحقيق طموحات إمارة دبي في أن تكون نموذجاً عالمياً للعدالة المتطورة”.

وأوضح أن المشروع لا يقتصر فقط على تطوير القضاة، بل يهدف أيضاً إلى إعدادهم ليكونوا مرجعاً قانونياً وقادة في مجالاتهم، حيث يتطلب النجاح في هذا المشروع توافر التخصص والاحتراف التخصصي، مما يسهم في تقديم خدمات قضائية متميزة، وفي إطار هذا المشروع، وبالتنسيق مع معهد دبي القضائي يتم تقديم برامج تدريبية شاملة ومكثفة تشمل أحدث البرامج التأهيلية ووفق المعايير العالمية، مما يضمن أن يكون القضاة على أتم الاستعداد لمواجهة التحديات المعاصرة وتقديم أحكام عادلة وناجزة، معربًا عن أمله في أن يسهم هذا المشروع في تعزيز مكانة دبي كوجهة مثالية للعدالة وتكون المحاكم مرجعية معيارية في تطوير العمل العمل القضائي على المستوى الدولي ، ويعزز من قدرتها على تقديم خدمات قضائية تتسم بالشفافية والدقة والفعالية على الصعيدين الإقليمي والدولي.

تعاون متعدد الجهات
بدوره أكد سعادة الأستاذ الدكتور عبد الله سيف السبوسي، الأمين العام للمجلس القضائي في إمارة دبي أن مشروع المسارات الوظيفية للقضاة يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز فعالية النظام القضائي في دبي، ونهدف من خلال هذا المشروع إلى وضع إطار شامل لتطوير الكفاءات القضائية، مما يسهم في تحسين جودة الأحكام وزيادة كفاءة العمل القضائي، علاوة على ذلك، فإن العمل المشترك بين مختلف الجهات المعنية في هذا المشروع يسهم في تكامل الجهود ويعزز من نتائجها، ونحن نؤكد التزامنا بتحقيق الفوائد المرجوة من هذا المشروع، والتي ستنعكس إيجاباً على بيئة الأعمال والمجتمع ككل.
يذكر أن المجلس القضائي في دبي يهدف إلى ترسيخ مبادئ العدالة والمُساواة وسيادة القانون، والمساهمة في تحقيق التنمية المُستدامة في الإمارة، من خلال توفير قضاء عادل ونزيه، مُتطوّر وفاعل، كما يهدف إلى تنفيذ رؤية الإمارة وأهدافها الاستراتيجية المُتعلّقة بتطوير قطاع العدل، وضمان استقلال القضاء، وتطويره، إضافة إلى ترسيخ قِيَم ومُثل وأخلاقيات العمل القضائي.


المصدر

المصدر: جريدة الوطن

إقرأ أيضاً:

الصراع الخفي بين فرنسا وألمانيا.. لماذا فشل مشروع الطائرة الخارقة الأوروبي؟

في عام 1985، أرسل الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران إلى المستشار الألماني الغربي هيلموت كول، برقية أعرب فيها عن أسفه لفشل مشروع الطائرة الأوروبية المقاتلة. ورغم تأكيد ميتران على أهمية المقاتلة للأمن الأوروبي وأهميتها لمستقبل الصناعة العسكرية الأوروبية، إلا أنه برر انسحاب فرنسا من المشروع باختلاف الاحتياجات العسكرية للدول المشاركة، داعيا إلى ضرورة التخطيط المسبق قبل البدء في بناء التعاون العسكري الأوروبي. استمر مشروع المقاتلة فيما بعد ولكن من دون فرنسا، وهي المقاتلة التي عرفها العالم فيما بعد باسم "يوروفايتر تايفون".

وبعد أربعة عقود، يبدو أن التاريخ يعيد نفسه، إذ أعلنت ألمانيا وفرنسا، في يونيو/حزيران الماضي (2026)، تخليهما عن مشروع نظام القتال الجوي من الجيل التالي "FCAS" وفي القلب منه مشروع طائرة مقاتلة من الجيل السادس، والتي كان من المنتظر أن تحل محل المقاتلتين يوروفايتر تايفون الأوروبية، ورافال الفرنسية بحلول عام 2040.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2لماذا لا تضرب إيران إسرائيل في المواجهة الحالية؟list 2 of 2الحب في زمن "الكوتشينغ".. متى أصبح كل فعل مرضا نفسيا؟end of list

المشروع الذي بدأ بطموح كبير عام 2017، باتفاق بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل، رصد بموجبه البلدان، اللذان انضم إليهما إسبانيا فيما بعد، 100 مليار يورو (نحو 114 مليار دولار)، لأجل بناء مظلة قتال جوي متكاملة، تشمل مقاتلة من الجيل السادس تمثل جوهرة التاج في المشروع، ومسيرات ذاتية التحكم مصاحبة وداعمة للمقاتلة تتولى مهام التشويش والاشتباك، ومحطات طاقة، ونظام سحابي قتالي، أي نظام نقل بيانات وقيادة وتحكم مشترك يدعم القتال الجوي.

"كشفت التصاميم الأولى عن مقاتلة ذات محركين وجناح مثلث عريض، مع ذيلين مائلين وخطوط خارجية ناعمة تقل فيها الزوايا والبروزات"

كشفت التصاميم الأولى قبل التوقف عن مقاتلة كبيرة نسبيا، أكبر وأثقل من رافال لأنها ستحتاج إلى حمل كمية كبيرة من الوقود وأجهزة الاستشعار والأسلحة داخل البدن، ذات محركين وجناح مثلث "دلتا" عريض يندمج بسلاسة مع البدن، مع ذيلين مائلين وخطوط خارجية ناعمة تقل فيها الزوايا والبروزات. وهذا الشكل الانسيابي ضروري لخفض البصمة الرادارية وتعزيز قدرات التخفي، مع منح الطائرة قدرة مقبولة على المناورة.

إعلان

كان من المقرر أيضا أن تحتوي الطائرة على مساعد إلكتروني يعتمد على الذكاء الاصطناعي لمساعدة الطيار في اتخاذ القرار عن طريق منحه المعلومات المطلوبة بسرعة وبساطة تمنحه القدرة على التصرف في وقت قليل، وهذه السرعة في التصرف تعد مسألة حياة أو موت في حالات القتال الجوي المحتدم. وكانت إيرباص، إحدى الشركتين الرئيسيتين في المشروع بجانب شركة داسو الفرنسية، قد درست دمج تقنيات مثل الأوامر الصوتية، والتحكم بالإيماءات، والعروض البصرية المتكيفة، بحيث لا يضطر الطيار إلى متابعة عشرات الشاشات، بل يتلقى صورة موحدة ومبسطة لما يجري حوله.

كما أن الطائرة كطائرة جيل سادس تحمل الكثير من المستشعرات والرادارات وأجهزة الاستطلاع، وتقود سربا من الطائرات الداعمة تقاتل معًا فيما يعرف بـ"الاشتباك الجوي التكاملي" (collective air combat)، ويستعين قائد الطائرة بالمسيرات في التشويش والدفاع عن المقاتلة الأم، وإرباك الدفاعات الجوية.

ترى إيرباص ممثلة ألمانيا وإسبانيا أنها يجب أن تتولى دورا مساويا لداسو الفرنسية (غيتي)لماذا فشل مشروع المقاتلة؟

كما تلاحظ، فهذه السمات سالفة الذكر تعد منطلقا أساسيا لكل مشروعات الطائرات المقاتلة من الجيل الجديد. ولكن على الرغم من الرغبة الحكومية في الاستمرار في المشروع، فشلت الشركتان القائمتان على مشروع المقاتلة في الاتفاق فيما بينهما على تفاصيل فنية وتقنية في الطائرة، فبينما رغبت "داسو"، الشريك الفرنسي، أن تتولى دورا قياديا بسبب رغبتها في الحفاظ على أسرارها الصناعية، ترى إيرباص ممثلة ألمانيا وإسبانيا أنها يجب أن تتولى دورا مساويا.

كما أن التقديرات المالية للتكلفة النهائية للمشروع ارتفعت رويدا رويدا، حيث بدأت من 100 مليار يورو (نحو 114 مليار دولار)، ثم ارتفعت إلى 170 مليار يورو (نحو 193 مليار دولار)، وقد تأجل المدى الزمني لدخول الطائرة الخدمة من عام 2040 إلى عام 2055، هذا في حد ذاته تسبب في اضطراب إضافي، خاصة وأن جزءا كبيرا من أسباب التعاون كان متعلقا بالميزانية واحتواء التكلفة المرتفعة.

"في النهاية ظهر أن كلا من باريس وبرلين أرادت لنفسها طائرة بمواصفات مختلفة"

في النهاية، ظهر أن البلدين، ألمانيا وفرنسا، يريدان طائرتين مختلفتين. من ناحيتهم، يمتلك الفرنسيون ترسانة نووية، وحاملة طائرات عاملة وأخرى مستقبلية، وبالتالي يرغبون في أن تكون الطائرة المقاتلة قادرة على العمل من فوق حاملات الطائرات، وحمل أسلحة الردع النووي الفرنسية، وتنفيذ عمليات بعيدة المدى باستقلال عن الولايات المتحدة وحلف الناتو.

أما ألمانيا، التي لا تمتلك حاملات طائرات واشترت مقاتلات "إف-35" لتنفيذ مهام المشاركة النووية داخل الحلف، فكانت تميل إلى طائرة أكثر اندماجا مع الأنظمة الأمريكية والأوروبية الموجودة بالفعل، ومع تغير البيئة الأمنية بعد حرب أوكرانيا، أصبح التنازل عن هذه المتطلبات الوطنية أكثر صعوبة.

تريد كل من فرنسا وألمانيا طائرة مختلفة عن الأخرى (رويترز)

من وجهة نظر "داسو" الفرنسية، لا يمكن تصميم طائرة بهذه الحساسية عبر إدارة جماعية يتساوى فيها جميع الشركاء في كل قرار، إذ ترى الشركة أن المقاتلة تحتاج إلى مهندس معماري واحد يمتلك الكلمة النهائية في شكل الهيكل وتقنيات التخفي والمحرك ودمج الأسلحة. وكانت الشركة تخشى أن يؤدي تقاسم التفاصيل مع "إيرباص" إلى تسرب المعرفة الصناعية التي راكمتها فرنسا عبر برامج "ميراج" و"رافال". وفي المقابل، رأت برلين ومدريد أن تمويل المشروع بصورة شبه متساوية يقتضي حصول صناعاتهما على نصيب حقيقي من التصميم والتقنيات، لا الاكتفاء بدور المورد أو المقاول الفرعي تحت قيادة فرنسية مطلقة.

إعلان

يقول جان بيير مولني من المعهد الفرنسي للشؤون الدولية والإستراتيجية (IRIS) إن سبب فشل المشروع يعود إلى بدايته من الأساس، إذ اتخذ البلدان قرارا سياسيا بالتعاون وتقسيم المهام بنسبة 50% إلى 50%، دون دراسة جدوى هذا الترتيب. وثبت أن هذا الترتيب غير واقعي، بحسب الباحث، لأن داسو تمتلك خبرة كبيرة في تطوير المقاتلات وكان يجب أن يكون لها الأولوية في تطويرها وكان يجب إعادة النظر في هذا التقسيم، بطريقة عملية تسمح لكل شريك بالعمل في الأجزاء التي يمكنه الإنجاز فيها بشكل أفضل.

على العكس من ذلك يرى إميل أرتشامبو من المجلس الألماني للعلاقات الخارجية (DGAP) إن المشروع لم يكن محكومًا عليه بالفشل منذ البداية، وأن السبب في فشله هو غياب الرؤية السياسية التي توجه القطاع الصناعي ولا تخضع له، حيث تركت الحكومات الشركات كي تحدد اتجاه المشروع وفق مصالحها الصناعية. وفي رأيه، كان ينبغي على القيادة السياسية الفرنسية والألمانية أن تضع منذ البداية تصورًا واضحًا عن الطائرة المطلوبة، ومن يملك القرار النهائي، وكيف توزع المسؤوليات والتقنيات.

"تركت الحكومات الشركات كي تحدد اتجاه المشروع وفق مصالحها الصناعية"

وفي مقالته التي نُشرت قبل الإعلان الألماني الرسمي عن فشل المشروع، اقترح أرتشامبو محاكاة المشروع البريطاني الموازي، والذي يقوم على استقلال داخلي للبرامج المكونة للمشروع بحيث لا يؤثر تعثر واحد منها على الأجزاء الأخرى، وذلك بدلا من اعتماد نموذج عمل مركزي على الطريقة الفرنسية والألمانية. يعني ذلك تقسيم البرنامج إلى مشروعات فرعية تتمتع باستقلال نسبي، مثل المقاتلة المأهولة، والمحرك، والمسيرات المرافقة، والسحابة القتالية، والمستشعرات. بذلك، وإذا تعطل مشروع بسبب خلاف بين الشركاء، يمكن أن يستمر العمل على المشاريع الأخرى بصورة منفصلة.

لقد سبق أن فشلت عدة مشاريع سابقة بين برلين وباريس بسبب مثل هذه الخلافات البيروقراطية. مثل مشروع طائرة الدوريات البحرية عام 2021، ومشروع مسيرة استطلاع مسلحة، بالإضافة إلى أن برنامج الدبابة المشتركة يعاني من مشكلات شبيهة، ففي حين ترغب ألمانيا في دبابة ثقيلة تمثل وحدة أساسية في القتال الأرضي، فإن فرنسا مهتمة أكثر بدبابة خفيفة قابلة للنقل الجوي، بحيث تسمح بمهام التدخل السريع خارج فرنسا.

بجانب كل هذه العقبات "التقنية"، يمكننا أن نتوقع أيضا وجود أسباب أعمق مما يظهر على السطح، تتعلق بتباينات واختلافات بين البلدين بشكل عام، في النواحي الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية. فعلى الرغم من إصرار المسؤولين على أن فشل المشروع لا يتعلق "بأزمة في العلاقات الفرنسية الألمانية"، إلا أن الإعلان الألماني المنفرد بالتخلي عن المشروع قد يوحي بالعكس، وهو الإعلان الذي تم بعدما توصل المستشار الألماني والرئيس الفرنسي لقناعة بعدم إمكانية استكمال الطريق.

مقاتلات رافال الفرنسية (رويترز)معضلة التعاون العسكري الألماني الفرنسي

في الواقع، كان المعهد الفرنسي للشؤون الدولية والإستراتيجية نشر دراسة في عام 2020 رصدت المشكلات التي يعاني منها البرنامج والعلاقات الصناعية بين فرنسا وألمانيا في العموم. استندت الدراسة إلى مقابلات مع مسؤولين حكوميين وصناعيين من البلدين، وتنبأت بشكل كبير بما آل إليه الوضع بخصوص مشروع المقاتلة في نهاية المطاف.

بحسب الدراسة فإن أول أسباب الخلاف هو أن فرنسا وألمانيا لا تنطلقان من التصور نفسه للتهديدات والمهام العسكرية، فالتخطيط الألماني كان يركز بدرجة أكبر على الدفاع الجماعي داخل حلف الناتو ومواجهة التهديد الروسي في أوروبا، بينما طورت فرنسا قواتها لخوض عمليات مستقلة خارج أراضيها، إلى جانب مهام الردع النووي والعمل من حاملات الطائرات. وتعتقد باريس أن خبرتها القتالية تمنحها فهمًا أكثر دقة لما تحتاج إليه قواتها، لكن اختلاف الاستخدام المتوقع للسلاح يؤدي بالتبعية إلى اختلاف مواصفات المقاتلة، بما يشمل المدى والحمولة وغيرها.

إعلان

ينطلق الفرنسيون في تحديد احتياجاتهم بشكل خاص من مفهوم الاستقلال الأوروبي عن المظلة الأمريكية، وقد حرصت باريس منذ زمن طويل على استقلال سياستها الدفاعية عن الناتو حتى إنها سبق لها أن انسحبت عمليا منه في ستينيات القرن الماضي في عهد شارل ديغول. وتنتقل فرنسا رويدا رويدا من إستراتيجيتها الخاصة للاستقلال الوطني نحو مفهوم أوسع للاستقلال الأوروبي، أي أن فرنسا توسع إستراتيجيتها الوطنية لتعميمها أوروبيا.

"ينطلق الفرنسيون في تحديد احتياجاتهم من مفهوم الاستقلال الأوروبي عن المظلة الأمريكية"

على الجانب الآخر فإن الألمان أكثر وفاءً للعمل داخل مظلة الناتو، حتى إن مبادرة العمل المشترك التي اقترحتها ألمانيا عام 2014 تقوم على أن تتعاون كل مجموعة متجاورة من الدول داخل مظلة الحلف، مثل أن تتعاون ألمانيا مع بولندا وهولندا والدنمارك كدول متجاورة في إستراتيجية دفاعية مشتركة. وهي الرؤية التي ينظر إليها الفرنسيون على أنها لا تضمن الاستقلال الأوروبي المنشود.

السبب الثاني في الخلاف يرجع إلى التباين الجذري بين نظامي اتخاذ القرار وشراء الأسلحة في كل من برلين وباريس. ففي فرنسا، يجري تحديد المتطلبات بصورة مركزية من خلال تعاون وثيق بين هيئة الأركان والمديرية العامة للتسليح، بما يسمح بتوحيد الرؤية العسكرية والتقنية تحت إدارة واحدة. أما في ألمانيا فتتوزع المسؤوليات بين مؤسسات أكثر عددا، ويشارك البرلمان بصورة أوسع في إقرار برامج التسليح، إذ أن المشروعات التي تتجاوز قيمتها 25 مليون يورو (نحو 28 مليون دولار) تحتاج إلى موافقة البرلمان. ويرى الفرنسيون أن هذا النظام أكثر صرامة وبطئًا، ويجعل تعديل المواصفات واتخاذ القرارات خلال التطوير أكثر صعوبة.

في المقابل، يرى الجانب الألماني أن الشركات الفرنسية تدخل المفاوضات مدعومة بتحالف متين بين الدولة والصناعة. فالحكومة الفرنسية تمتلك حصصا أو نفوذا داخل عدد من شركات الدفاع، وتستطيع دعمها سياسيا وماليا بطرق عدة، بينما تعمل الشركات الألمانية في بيئة أكثر اعتمادًا على المنافسة والسوق، وتخضع لقيود قانونية وبيروقراطية أوسع. لذلك يشعر الألمان بأنهم يدخلون التعاون من موقع تفاوضي أضعف، وأن "داسو" مثلا لا تمثل شركة منفردة فحسب، بل تقف خلفها شبكة متماسكة من المسؤولين العسكريين والسياسيين والصناعيين القادرين على اتخاذ قرارات سريعة والدفاع عن المصالح الفرنسية.

"الشركات الفرنسية تدخل المفاوضات مدعومة بتحالف متين بين الدولة والصناعة"

ويزيد من الخلاف تمسك الطرفين بمفهوم السيادة الصناعية والتكنولوجية. ففرنسا تريد أن يحقق التعاون الأوروبي استقلالا إستراتيجيا، لكنها ترغب في الوقت نفسه في الاحتفاظ بالسيطرة على التقنيات الحساسة التي راكمتها في برامج مثل "ميراج" و"رافال". ويتساءل الألمان عن حدود ما تقبل فرنسا مشاركته، وعن مقدار الاعتماد المتبادل الذي يمكن أن تسمح به. ولا يتعلق الأمر فقط بملكية براءات الاختراع، بل أيضا بأماكن مراكز البحث والمختبرات وخطوط الإنتاج، لأن الدولة التي تستضيفها تحصل على الحصة الأكبر من الوظائف، وتحتفظ بالقدرة على تطوير التكنولوجيا في الأجيال اللاحقة.

ولهذا تحولت مسألة تقسيم العمل والقيادة إلى قضية سيادية وليست مجرد خلاف حول الأرباح. ترى داسو أنها تمتلك الخبرة الأساسية في تصميم المقاتلات، ولذلك ينبغي أن تكون صاحبة السلطة النهائية في القرارات الهندسية ودمج الأنظمة. لكن ألمانيا وإسبانيا، ممثلتين بدرجة كبيرة في إيرباص، لا تريدان تمويل مشروع ضخم ثم تبقيان في مرتبة الموردين، بل تطالبان بنصيب مساوٍ من التقنيات وأعمال التطوير والقدرة على اتخاذ القرار. وكل تنازل عن جزء من العمل يعني خسارة خبرات ووظائف وقدرة صناعية قد لا يمكن استعادتها لاحقا.

وتبرز أيضا مشكلة تصدير الأسلحة. تنظر فرنسا إلى التصدير باعتباره ضروريًا لتقليل تكلفة تطوير الأسلحة، والحفاظ على خطوط الإنتاج، وبناء النفوذ والشراكات الأمنية. أما ألمانيا، فبسبب تاريخها، تتبنى سياسة أكثر تحفظًا، وتتأثر قراراتها بدرجة أكبر بالبرلمان والنقاشات القانونية والسياسية الداخلية. ويخشى المصنعون الفرنسيون أن يخضعوا للمساءلة القانونية في حالة تصدير أسلحة تحتوي على مكونات ألمانية لدولة يحظر القانون الألماني تصدير السلاح إليها. أو تخشى فرنسا أن تعرقل القوانين الألمانية تصدير الأسلحة التي تعول عليها باريس كثيرا.

إعلان

غير أن الدراسة تعتبر سوء الفهم وانعدام الثقة أخطر من الخلافات المعلنة نفسها. فالفرنسيون لا يفهمون دائمًا المؤسسات الألمانية المعقدة، كما أنهم يخشون أيضًا أن تنشأ نزعة قومية في ألمانيا تعيد أشباح ما حدث في الحرب العالمية الثانية مع حصول ألمانيا على أسلحة متقدمة، بينما يشك الألمان في حقيقة النوايا الفرنسية، وهل تسعى باريس حقا إلى استقلال أوروبي مشترك أم إلى توسيع نفوذها الخاص تحت لافتة أوروبية.

كل في طريقه

بعد انهيار المشروع يبحث كل من البلدين عن البدائل المتاحة أمامه. بداية، يجب على البلدين أن يلتمسا طريقًا لإكمال باقي مكونات مشروع القتال المستقبلي (FCAS) ولكن من دون المقاتلة، خصوصا جوهر المشروع، أو على الأقل نظام مشاركة البيانات والسحابة القتالية والذي أكد المستشار الألماني أنها ستستمر، ومن المنتظر أن يتفاوض البلدان مستقبلا حول الطريقة التي ستدار بها الأمور بعد التخلي عما كان يمثل درة عقد المشروع.

ولكن تبقى الخلافات السياسية عقبة في الطريق، ففرنسا كانت تمثل قائدا للمشروع بشكل ما، ولكنها ستفقد هذه القيادة، لأن إيرباص هي التي تتولى الأجزاء المهمة الأخرى. ناهيك بالسؤال الأهم الذي سرعان ما سيبرز للواجهة: ما أهمية مكونات المشروع الأخرى في حالة التخلي عن الجزء الرئيسي فيه؟ وما شكل التنسيق بين تلك المكونات والطائرة المقاتلة التي ستسعى كل دولة لتطويرها أو الحصول عليها؟

تمتلك شركة داسو القدرة على تطوير مقاتلة وحدها، ولكن باريس لن تكون قادرة على تمويل المشروع. وقد أعلنت الحكومة الفرنسية على لسان وزيرة الدفاع بأنها ستمضي قدمًا في صناعة المقاتلة، قائلة إن ثماني سنوات من التطوير و2.5 مليار يورو (نحو 2.8 مليار دولار) يمكن البناء عليها مستقبلا.

"أبدت إيرباص استعدادا لقيادة تحالف من 8 شركات ألمانية لتصنيع طائرة جيل سادس ألمانية خالصة"

بالمثل، تصر ألمانيا على المضي قدما في الحصول على مقاتلة جيل سادس، لذلك فإنها إما ستبدأ مشروعًا جديدًا أو تنضم لأحد المشروعات المتاحة. من جهتها أبدت إيرباص استعدادا لقيادة تحالف من 8 شركات ألمانية لتصنيع طائرة جيل سادس ألمانية خالصة، مؤكدة أن برلين تمتلك الخبرة والتكنولوجيا والتصميم اللازمين لبناء هذه المقاتلة. ومع ذلك فالحكومة الألمانية لم تحسم أمورها إن كانت ستمضي قدمًا في دعم إنتاج طائرة ألمانية خالصة، تاركة الباب مفتوحا أمام احتمالات أخرى.

أحد تلك الاحتمالات هو الخطة التي تقودها بريطانيا بمشاركة إيطاليا واليابان. ستعطي ألمانيا حال انضمامها دفعة مالية كبرى للمشروع، في وقت تعاني فيه بريطانيا في تمويل برامجها الدفاعية، ولكن سيكون عليها أن تقنع الشركاء الجدد بأن بإمكانهم الاستفادة من نظام مشاركة البيانات والسحابة القتالية، أو المسيرات المصاحبة.

يمثل الحصول على المزيد من طائرات "إف-35" خيارًا متاحًا بالنسبة للألمان أيضا، ولكن هذا الأمر سيجعل من ألمانيا تبتعد عن المظلة الأوروبية الخالصة التي كان يأمل القادة الأوروبيون في تطويرها، كما أن الطائرة "إف-35" طائرة من الجيل الخامس وليس من الجيل السادس.

"يمكن لألمانيا أن تتفاوض مع السويد للمشاركة في مشروعها المحتمل للحصول على طائرة جيل سادس من إنتاج شركة ساب"

وأخيرًا يمكن لألمانيا أن تتفاوض مع السويد للمشاركة في مشروعها المحتمل للحصول على طائرة جيل سادس من إنتاج شركة ساب، والتي من المنتظر أن تكون خليفة المقاتلة الخفيفة متعددة المهام ساب غريبين، ولكن هناك إشكالية الجدول الزمني، فالخطة السويدية تستهدف الحصول على المقاتلة بحلول عام 2060، فيما كانت تأمل ألمانيا أن تحصل على طائرة جيل سادس بحلول عام 2040 كما كان مقررًا في حالة استمرار التعاون الألماني الفرنسي.

بالنسبة لإسبانيا، الشريك الأصغر في الترويكا، فهي تبدو أقرب للألمان منها للفرنسيين، وأحد الخيارات المطروحة أمام مدريد هو الاستمرار إلى جانب ألمانيا لا سيما أن شركة إيرباص لها فرع إسباني أيضًا. وشركاء الصناعة الإسبان أبدوا حماسًا لمشاركة المجموعة الألمانية في تطوير طائرة جديدة، ولكن يظل الأمر غامضًا حتى هذه اللحظة.

ماذا يعني فشل المشروع بالنسبة للأمن الأوروبي؟

ورغم هذه البدائل المتاحة، فإن إلغاء مشروع المقاتلة يعد عرضا لمشكلة أكبر وأكثر وضوحا: ألمانيا وفرنسا دولتان مهمتان للغاية بالنسبة لأمن أوروبا، خصوصا بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وتعاونهما في سبيل الاستقلال الدفاعي الأوروبي حاسم، وليس من المرجح أن تنجح أوروبا في الاستغناء عن المظلة الأمريكية في غياب التعاون بين هذين البلدين.

وتزيد أهمية الأمر بالنظر إلى أن المشكلة لم تكن أبدًا في مشروع عسكري تم التخلي عنه، ولكن في مجمل البيئة السياسية والاقتصادية التي تقف وراء هذا الفشل وما يعكسه ذلك من عدم ثقة.

يرى جان بيير مولني أن توقف المشروع يعد فشلا ذريعا للتعاون العسكري بين أكبر دولتين في الاتحاد الأوروبي، ويرى أن فقدان فرنسا للمرونة يراه الألمان كغطرسة، بينما يشعر الألمان أنهم يستطيعون شراء كل شيء بالمال. بالنسبة لتيموسين إيبو من معهد "بيوند ذا هوريزون" الكائن ببلجيكا، والمختص بمسائل الدفاع الأوروبي، أن فشل المشروع يعكس عجز أوروبا عن تحويل الشعارات إلى أفعال.

"فشل المشروع يعكس عجز أوروبا عن تحويل الشعارات إلى أفعال"

من وجهة نظره، فإنه بينما تتحدث الحكومات عن التكامل، فإن الشركاء الصناعيين لا يزالون ينطلقون من رؤى محلية محدودة. والنتيجة أن الأوروبيين يظلون أسرى للمظلة الأمنية الأمريكية، فيما يظل الاستقلال العسكري الأوروبي مرهونا بقدرة الحكومات الأوروبية على دفع الشركات الصناعية للعمل وفق منظومة أوروبية موحدة وعلى التعاون معًا في إطار تعاون أوروبي بدلاً من التركيز على المصالح الوطنية.

في الختام، يبعث فشل المشروع برسائل سياسية خطيرة عن التعاون الأوروبي في وقت لا تمتلك أوروبا رفاهية هذه الخلافات. كما أنه يقوض الآمال في تعاون ألماني-فرنسي آخر خلال السنوات المقبلة، وهو الأمر الذي أكده وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس حين قال: "لقد كان مشروعًا طموحًا أكثر من اللازم، أما الآن فنحن نواجه الحقيقة".

لم يكن مشروع المقاتلة المستقبلية إذن مجرد مشروع عسكري تشترك فيه أكبر دولتين في الاتحاد الأوروبي، ولكنه كان رمزا لمجمل التعاون العسكري الأوروبي، ولجهود الاستقلال الأوروبي عن مظلة الحماية الأمريكية. وبالتالي يمثل فشله إحباطا كبيرا لجهود القارة في بناء ثقل إستراتيجي جديد، في عالم متغير تتبدل فيه خرائط النفوذ. يطرح هذا التعثر أسئلة أكثر خطورة: هل أوروبا قادرة على أن تكون عملاقا سياسيا وعسكريا كما هي عملاق اقتصادي؟ أم أن قدرها أن تظل واقعة بين حليف أمريكي متنمر وخصم روسي لا يرحم؟

مقالات مشابهة

  • اختتام اجتماع اللجنة التحضيرية للجمعية العالمية الـ 11 لـ “أديان من أجل السلام” المقرر عقدها بأبوظبي 2027
  • “محفظة ليبيا أفريقيا” يقر تأسيس شركة مساهمة لصناعة وتسويق الأسمنت
  • غزل المحلة يطلق مشروع Pro Makers لاكتشاف وتأهيل اللاعبين للاحتراف
  • الصراع الخفي بين فرنسا وألمانيا.. لماذا فشل مشروع الطائرة الخارقة الأوروبي؟
  • وزير النقل التركي في حوار للجزيرة نت: نضع قريبا حجر الأساس لمشروع طريق التنمية مع العراق
  • وزير الخارجية الأمريكي يلتقي عددًا من نظرائه على هامش اجتماع “الآسيان”
  • “شركة المياه والصرف الصحي” توفر سيارات مياه للمواطنين لتعويض نقص المياه
  • شركة التطوير العقاري المحلية “اليكة” تنجز وتسلم أول مشاريعها بنظام التملك الحر في الموعد المحدد
  • وزير الأوقاف والإرشاد يترأس اجتماع مجلس الوزارة ويؤكد أهمية مساندة معركة استعادة الدولة
  • “سيمفونية البناء”.. كيف تحولت المبادرات المجتمعية إلى شريان حياة للنهضة في اليمن