الاتفاقيات السياسية بين عُمان والــــغرب إبَّان حكم الأسرة البوسعيدية
تاريخ النشر: 24th, November 2024 GMT
بدأت العلاقات بين عُمان والغرب منذ القرن السادس عشر، عندما جاء البرتغاليون بقيادة البوكيرك عام 1507 مما أدى إلى سيطرة البرتغاليين على الطرق التجارية والمدن الساحلية العُمانية بما فيها مسقط لأكثر من مائة وأربعين عامًا حتى عام 1649 بعد معركة التحرير النهائية في زمن الإمام سلطان بن سيف اليعربي الذي طاردهم إلى سواحل المحيط الهندي.
وكانت أولى الاتفاقيات مع البرتغاليين في الانسحاب من جميع مناطق عُمان ما عدا مسقط ومطرح، وذلك في عهد الإمام ناصر بن مرشد اليعربي، كما عقدت بريطانيا معاهدة تجارية مع اليعاربة عام 1646م، وقّع المعاهدة الإمام ناصر بن مرشد اليعربي مع فيليب وايلد نيابة عن شركة الهند الشرقية البريطانية التي وافقت الملكة إليزابيث الأولى على تأسيسها عام 1600م، ومنحت الاتفاقية امتيازات تجارية لهم في مدينة صحار كما تذكر روت هولي، إلا أن هذه الاتفاقية تعد غير مهمة في العلاقات العُمانية البريطانية، إذ لم تلزم الإمام بأي شيء، وكان هدف الإمام - كما يبدو- الحصول على البارود لمحاربة البرتغاليين.
وفي عام عام 1659 جرت مفاوضات مع الإمام سلطان بن سيف اليعربي - خليفة الإمام ناصر بن مرشد- الذي دخل في محادثات لعقد معاهدة مع الكولونيل رينسفورد نيابة عن شركة الهند الشرقية الإنجليزية، لكنها لم تتم؛ نتيجة للضغط الشعبي على الإمام، وبالأخص الضغط الذي مارسه العلماء عليه؛ من أجل عدم التفاوض مع النصارى، وهذا من جعل أيضا خروج الإمام سيف بن سلطان اليعربي (قيد الأرض) على أخيه الإمام بلعرب بن سلطان، حينما حاول الأخير عقد اتفاقية مع البرتغاليين، وتحقيق السلم معهم، والتفرغ للعلم.
وفي عهد الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي (1744- 1783م)، مؤسس الدولة البوسعيدية، اتسمت سياسته بالحياد في التعامل مع القوى الغربية، رغم أن شركة الهند الشرقية الإنجليزية جددت الطلب بإقامة مقر لها في مسقط، لكن الإمام أحمد رفض الطلب، ومع حلول عام 1773 شهدت العلاقات العُمانية البريطانية تقاربًا من الناحية التجارية أكثر؛ إذ أصبح مسقط ميناءً تلتقي فيه السفن البريطانية المعتمدة في الخليج.
وفي عهد السيد سلطان بن أحمد (1892 – 1804م)، وبالتحديد 12 أكتوبر 1798م نجح البريطانيون في توقيع أول معاهدة بين البلدين، والتي قطعت، في بنودها السبعة، الطريق على إمكانية إقامة أي وكالات تجارية لفرنسا وهولندا على الأراضي العُمانية، وأي مناطق أخرى تابعة لحاكم عُمان، حيث نصت الاتفاقية على إعطاء وكالة للإنجليز في بندر عباس (جمبرون)، عدم التعامل مع الفرنسيين والهولنديين، وعدم إعطائهم أية وكالة في مسقط أو بندر عباس، وبعد عامين 1800 تم تأكيد معاهدة 1798 بالتوقيع بين السيد سلطان بن أحمد البوسعيدي ومبعوث شركة الهند الشرقية الإنجليزية إلى مسقط الكابتن جون مالكولم، أُضيف إليها بنود أخرى. ونتيجة لهاتين الاتفاقيتين عيَّنت بريطانيا مقيمًا سياسيًا في مسقط هو الدكتور بوجل (Bogle)، الذي توفي بعد أشهر على تعيينه، فعُيّن بعده الكابتن دافيد، كما تذكر الوثائق.
أما عهد السلطان سعيد بن سلطان البوسعيدي (1806 -1856م) فقد شهدت العلاقات تقاربًا كبيرًا من الناحية السياسية والاقتصادية، حيث وقّع السلطان اتفاقية مع بريطانيا عام 1822، وفي عام 1839 وقع اتفاقية أخرى ركزت على موضوع حرية التجارة والإقامة ونقل البضائع، وتنظيم الضرائب. وفي أكتوبر من عام 1845 وقع اتفاقية جديدة مع بريطانيا تتعلق بالقضايا التجارية سواء في أراضي عُمان في جزئها الآسيوي أو الإفريقي.
وبعد وفاة السيد سعيد حدث خلاف بين ابنيه ماجد وثويني، واتفق الطرفان بواسطة اللورد كاننج الحاكم العام للهند عام1861م على تقسيم السلطة، حيث أقر السلطان ماجد حاكمًا على زنجبار، والسلطان ثويني حاكمًا على عُمان، وبذلك انفصلت زنجبار عن الوطن الأم. بعد أن شهدت العلاقات الفرنسية البريطانية قدراً من التوتر، وقد اتفقت الحكومتان البريطانية والفرنسية على إصدار بيان مشترك أعلنتا فيه احترامها لاستقلال كلٍ من مسقط وزنجبار مع تصديقهما على الحكم الذي أقره اللورد كاننج نائب الملك في الهند بخصوص تجزئة الإمبراطورية العُمانية.
كما وقّعت اتفاقية بين عُمان وبريطانيا عام 1864م زمن السلطان ثويني بن سعيد بن سلطان البوسعيدي (1856 - 1866م)، وبعد عام وقّعت اتفاقية أخرى بين البلدين.
في عهد السلطان تركي بن سعيد بن سلطان البوسعيدي (1871-1888م)، تم بتاريخ 14 أبريل 1873م توقيع اتفاقية بين عُمان وبريطانيا تضمنت إلغاء تجارة الرقيق في الأراضي والممتلكات التابعة للسلطان، وأصدر السلطان مرسوما منع بموجبه التجارة بالرقيق سرًا أو علنًا، ومعاقبة من يقبض عليه متلبسًا بهذه التهمة. واتخذت بريطانيا هذه الاتفاقية فيما بعد وسيلة لمراقبة وتفتيش السفن سواء أكانت عُمانية أم أجنبية بحجة الحد من تلك التجارة، وألحق بعد عامين بتعهد خاص منه يمنح بريطانيا بعض الامتيازات والاستثناءات الجمركية، وأجاز خضوع الرعايا البريطانيين في عُمان لمحكمة القنصلية البريطانية.
أما في عهد فيصل بن تركي (1888-1913) فقد وقّعت اتفاقية بين عُمان وبريطانيا في 19 مارس1891م، عرفت باسم «الاتفاقية العُمانية البريطانية للصداقة والملاحة والتجارة». وقد وقّع هذه الاتفاقية عن الجانب البريطاني، إدوارد روس المقيم البريطاني في الخليج وحلّت محل الاتفاقية الموقعة بين عمان وبريطانيا في عهد السيد سعيد بن سلطان عام 1839م. وقد جددت هذه المعاهدة لمدة خمس سنوات في عام 1914، ثم أخذت تتجدد سنويا منذ عام 1919 واستمر تجديدها بصفة دورية حتى عام 1937م.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: سعید بن سلطان الع مانیة بین ع مان سلطان بن ع مانیة فی عهد
إقرأ أيضاً:
سؤال الذاكرين يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان
•ما سبب تعجب سيدنا زكريا عليه السلام في قوله تعالى: " قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ" مع يقينه بوعد الله تعالى وقدرته، وقد سأل ربه قبل ذلك الولد، وهو عالم بحاله من الكبر وحال زوجته؟
هذه المسألة ينبغي أن تفهم على وجهها، قال: "رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ"، بعد أن سأل، "هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ"، فسؤال: "أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ" لم يكن من باب الاعتراض، وإنما كان من باب الاستثبات والتثبت من الخبر والاستيقان منه، كما نص على هذا طائفة كبيرة من المفسرين المتقدمين والمتأخرين مع اختلاف عباراتهم.
فالزّجّاج على سبيل المثال، وطائفة كبيرة من المتقدمين، يذكرون بأن تعجب زكريا عليه السلام، المحكي في هذه الآية الكريمة، لم يكن من باب الاعتراض أو من باب حقيقة التعجب، وإنما كان للاستيقان من الخبر، والاستفهام عن الكيفية التي يكون بها ذلك ويتحقق.
هل وهو قد بلغ من الكبر عتيا وامرأته عاقر أي على تلك الحال، أم بالرد إلى الشباب؛ لأنه يعلم أن الأمر الظاهر المحسوس المادي المعهود أن الرجل الذي قد بلغ من الكبر عتيا، والمرأة إذا كانت عاقرا، أن الحمل ممتنع، فهل سيكون بتلك الحال، أم سيكون بردهما إلى حالة يصلح فيها أن يكون هناك حمل؟
فهو يسأل عن هذه الكيفية: كيف يكون ذلك؟ هل يكون وهما على ما هما عليه من حال، أم بردهما إلى حال يصلحان فيها للحمل والولد هو وهي؟ هذا هو الوجه الذي أكثر المفسرين عليه.
والرازي ذكر وجوها، منها ما لا يصلح أبدا ولا ينبغي أن يقال، ومنها ما هو مقبول أيضا، كنحو أن يستلذ بسماع الخبر وتأكيده بطرق شتى؛ لأنه بشر بذلك، فأراد أن يسمع هذه البشارة، وأن يلتذ بها، فسأل بهذه الطريقة حتى يسمع الخبر مرة أخرى فيلتذ به.
وابن عاشور على سبيل المثال، قال: هذا تعجب مشوب بالشكر، ومعنى عبارته أنه مشوب بالشكر، لا يراد منه الاستفهام والتعجب، وإنما يراد منه الشكر، حتى يسمع الخبر، فيحمد الله تبارك وتعالى ويشكره على هذه النعمة ويكرر ذلك، هذه كلها وجوه حسنة مقبولة، والله تعالى أعلم.
• عندما تعجب زكريا قال: "أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ"، قال: "كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ"، وفي إجابة مريم عليها السلام: "كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَة لِلنَّاسِ"، هاتان الإجابتان تشيران إلى ماذا؟ والأمر معجز في الصورتين؟
الحقيقة أن وجوه الشبه بين ولادة يحيى عليه السلام وميلاد عيسى عليه السلام كثيرة جدا في آل عمران وفي مريم، وأن سيرة يحيى بن زكريا عليهما السلام وعيسى بن مريم عليهما السلام أيضا متشابهة إلى حد كبير، ودلالات ذلك كثيرة، لكن لا يتسع لها المقام، وهي واضحة في السورتين.
فمن يمعن النظر في آل عمران وفي سورة مريم سيجد وجوها من الشبه: الميلاد معجز في الصورتين، والتسمية من عند الله تبارك وتعالى، فيحيى سماه ربه، وعيسى سماه ربه تبارك وتعالى، والميلاد على غير المألوف المعهود، وكلاهما سلم عليه؛ فربنا تبارك وتعالى سلم عليهما، وكلاهما وصف بالحياة، وهذا ملحظ مهم؛ لأن هناك روايات إسرائيلية تنص أو تذكر وقد سرت إلى كتب التفسير أن يحيى عليه السلام قد قتل ونشر بالمنشار، ولكن هذا لا يتناسب مع السياقات القرآنية التي ورد فيها أنه يموت، وأن الله تبارك وتعالى قد سماه يحيى، وأنه جعله استجابة لدعوة زكريا التي أراد فيها زكريا أن يهبه الله تبارك وتعالى ولدا يحمل ميراث النبوة. فالحاصل أن وجوه الشبه بين القصتين كثيرة، وهي ظاهرة فقط من يمعن النظر سيجد وجوها كثيرة.
من ضمن الوجوه أن يكون قوله: "َأنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ"، هل من امرأتي هذه، أو تأمرني أن أتزوج امرأة أخرى؟ هذه أيضا من ضمن الوجوه، الأصل فيها أنها سؤال عن الحال والكيفية، ولذلك يعبر بعض المفسرين، فيقول: هي سؤال بمعنى: كيف؟ أو من أين؟ "َأنَّى لَكِ هَذَا"، قالت: "هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ"، أي: من أين لك هذا؟ فهو سؤال عن الحال والكيفية.
وبعض المفسرين قال: إن "َأنَّى" تأتي بمعنى متى، واستشهد لها بقول الله تبارك وتعالى: "أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ"، ذكر هذا أبو حيان، ونسبه إلى طائفة من المتقدمين من المفسرين، وذكره بعض علماء العربية، أما عند من يقول بأن "أَنَّى" بمعنى متى، فلا إشكال عنده في الآية الكريمة، وليس بحاجة إلى هذا؛ لأنه يسأل عن متى يكون ذلك.
أما من يقول بأن "أَنَّى" سؤال عن الحال والكيفية، فيأتي هذا السؤال: هل هو من امرأته هذه، أو يؤمر بالزواج من امرأة أخرى؟ وقد سأل أن يكون له ولد، وهذه الآية الكريمة أيضا، في آل عمران وفي سورة مريم، كلها تؤكد أنه سأل أن يكون له ولد من صلبه، والله تعالى أعلم.
•نحن طلاب في دولة بآسيا تُمنع فيها ممارسة الشعائر الدينية في الأماكن العامة، ولا يُسمح بالصلاة إلا في المساجد، وهي قليلة، وأحيانا نخرج من الصباح ولا نعود إلا بعد منتصف الليل، فيصعب علينا أداء صلاتي الظهر والعصر في وقتهما، فما الحكم؟ وهل يجوز أن نصلي سرا بالإيماء أو جلوسا، أم نقضيها لاحقا؟
أسأل الله تبارك وتعالى بداية أن يكشف كربتهم، وأن يسهل لهم، وأن يفرج عنهم، آمين يا رب، وهذه من الأسئلة التي تدعو إلى العجب، ففي زماننا المعاصر هذا تكفل في أكثر البلدان بحرية التدين وممارسة الشعائر الدينية، ولو في أماكن خاصة، أو أماكن مهيأة لذلك، أو في الأماكن التي ليست هي من الأماكن الخاصة، ولا أذى فيها لأحد، فإن يوجد شيء من البلدان يضيق على المسلمين الراغبين في أداء صلواتهم، فإن هذا في هذه الأعصار المتأخرة أمر يدعو إلى العجب، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفرج عن إخواننا المبتعثين هؤلاء، وأن يفرج عن المسلمين الموجودين في تلك البلاد أصلا.
أما كيف يتصرفون، فليحرصوا على تنظيم أوقاتهم بحيث يتمكنون من أداء الصلوات في أوقاتها بطمأنينة، وبالهيئة المأمور بها قدر استطاعتهم، فيصلون الظهر والعصر جمعا إن كانوا مسافرين فيقصرون، وإن كانوا مقيمين فإنهم يتمون، ولكن يُرخص لهم في الجمع، فلينظروا في شيء من الأماكن التي لا حرج عليهم في أداء الصلاة فيها، ولا يضيق عليهم، ولا يترتب على أدائهم فيها شيء من الأذى أو الضرر عليهم، فليسعوا قدر المستطاع إلى ترتيب أوقاتهم وفق هذا المبدأ، وهو الحرص على أداء الصلاة بطمأنينة.
فوقت الظهرين يمتد من أول وقت الظهر إلى آخر وقت العصر، ثم بعد ذلك يُرخص لهم في أن يؤدوا صلاتي المغرب والعشاء، وأن يصلوا العشاءين عندما يعودون إلى مساكنهم، ولو كان ذلك عند منتصف الليل، لكن إن لم يتيسر لهم ذلك، وخافوا من الضرر أو الأذى، فإنهم يصلون إيماء في هذه الحالة حيث تيسر لهم، فيأتون بأقوال الصلاة تامة، ويأتون بأفعالها بالإيماء، ويتحرون استقبال القبلة، خصوصا عند تكبيرة الإحرام، ثم بعد ذلك يأتون بأقوال الصلاة، ويأتون بحركاتها إيماء.
وكما قلت، فهذا إنما هو من باب الضرورة إذا خافوا على أنفسهم من الضرر والأذى، أما إذا كان الأمر أيسر من ذلك، ويمكن لهم أن يأخذوا زاوية في شيء من المرافق العامة، أو الخاصة بإذن أهلها، أي في الأماكن الخاصة، فيؤدوا صلاتهم، فهذا هو الأولى في حقهم.
لكن إن تعذر ذلك كله فليس لهم أن يؤخروا الصلاة عن وقتها؛ فإن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا، وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دالة على لزوم أداء الصلاة في وقتها، وهكذا كان يفعل الأئمة والصالحون إذا ضيق عليهم ولم يتمكنوا من أداء الصلاة في وقتها بطمأنينة فإنهم يأتون بها إيماء بالكيفية التي يكونون عليها، والله تعالى أعلم.
•رفع الإمام من سجود الركعة الثانية إلى القيام، ولم ينتبه له المأمومون حتى انتصب قائما، فهل لهم أن يسبحوا له مع علمهم أنه لن يعود للسجود لأجل أن ينتبه أنه فوت التشهد الأول؟
نعم، بل هذا هو الأولى؛ لهذا المعنى الذي ذكره في آخر السؤال، وهو التنبيه على أنه قد ترك التشهد الأول، وأن جبره يكون بالسجود قبل التسليم، على الراجح، والمعنى الآخر أنهم لا يرون الإمام، فالأصل أنهم يسمعون تكبيرة انتقاله من السجود إلى الجلوس، فلما شرعوا في الرفع من السجود رفعوا رؤوسهم من موضع السجود، فرأوا أنه قد قام، فلا حرج عليهم في هذه الحال، وهذا هو الأولى أن يسبحوا له، ثم مرد الأمر إلى الإمام وفقهه؛ فإن كان قد انتصب قائما وفرغ من تكبيرة الانتقال فإن الصحيح أنه لا يعود مع وجود قول ضعيف بأنه يرجع للتشهد الأول، فهذا القول أيضا سبب آخر يدعوهم إلى تنبيه الإمام بالتسبيح له، لكن في كل الأحوال يوصى المأمومون، ولا سيما من كان في سترة الإمام، أي من كان خلف الإمام، أن يكون متيقظا.
ولذلك رُخص لمن كان خلف الإمام أن يرفع رأسه فور سماعه تكبيرة الإمام، حتى يلحظ هل سهى الإمام أو أنه أتى بما هو مطلوب منه، فهذا أيضا من فقه من يلي الإمام، فمن كان خلف الإمام يُرخص له أن يتعجل قليلا دون أن يسابق الإمام، لكن يختصر في التسبيح، فلا يطيل في تسبيح السجود، على سبيل المثال في المسألة محل السؤال، فيقتصر على ثلاث تسبيحات، أو إن كان الإمام يطيل كثيرا، فيمكن أن يأتي بخمس تسبيحات، ثم ينتظر رفع الإمام، فيرفع بعده مباشرة لينظر: هل الإمام أتى بما هو صحيح، أو أنه سهى أو أخطأ، فيسبح له، ولكن مع ذلك، فهذه الصورة من باب التوصية، ومن باب الإيصاء ببيان شيء من فقه متابعة الإمام.