عبر المسار التقليدي الذي تمر فيه السيارات والشاحنات الضخمة، تخيل محاولتك إرسال طرد حساس للغاية، وليكن على سبيل المثال "كرة من الزجاج"، فهذا الطرد يمكن أن يتحطم إذا اصطدم بأي شيء في الطريق.

هكذا المعلومات الكمية، فهي حساسة للغاية وأي ضوضاء أو تداخل قد يفسدها، وهي المشكلة التي نجح فريق بحثي من جامعة نورث وسترن الأميركية في حلها، وتمكنوا لأول مره من تحقيق اختراق جديد بتحقيق "نقل كمي آني" لمعلومات كمية لأكثر من 30 كيلومترا، عبر المسار التقليدي نفسه، وهو الكابل البصري الذي تمر فيه بيانات الإنترنت التقليدية، وتم الإعلان عن هذا الإنجاز في دورية "أوبتيكا".

والمعلومات الكمية (أو البيانات الكمية)، كما يعرفها رئيس المركز المصري للفيزياء النظرية الدكتور عبد الناصر توفيق، في تصريحات للجزيرة نت، هي نوع جديد ومختلف تماما من المعلومات عن تلك التي نستخدمها في الحياة اليومية. فالمعلومات التقليدية، مثل التي تستخدم في أجهزة الكمبيوتر والهواتف، تعتمد على البتات، وهي الوحدات الأساسية للمعلومات، وتأخذ إما القيمة 0 أو 1.

وفي المقابل، فإن المعلومات الكمية تعتمد على مفهوم جديد يسمى البت الكمي (الكيوبت)، والفارق الكبير هو أن البت الكمي يمكن أن يكون في حالة 0 أو 1 أو في حالة بينهما في الوقت نفسه، وهذه الحالة الخاصة تسمى التراكب الكمي.

إعلان

وللتوضيح، تخيل أنك تلعب لعبة رمي قطعة نقدية، ففي المعلومات التقليدية عندما ترمي القطعة تكون النتيجة إما وجه (0) أو ظهر (1)، لكن في المعلومات الكمية فإن القطعة يمكن أن تكون في حالة "وجه وظهر في الوقت نفسه" حتى تقوم بقياسها أو مشاهدتها، وعندئذ تتحول إلى نتيجة محددة (وجه أو ظهر).

والمعلومات الكمية بهذا الشكل تتيح إمكانات جديدة تماما في مجال الحوسبة والتواصل، فمثلا في الحوسبة الكمية يمكن لأجهزة الكمبيوتر الكمومية معالجة مجموعة كبيرة من الاحتمالات دفعة واحدة بسبب خاصية التراكب الكمي، وذلك يسمح لها بحل مشاكل معقدة جدا بسرعة أكبر بكثير من أجهزة الكمبيوتر التقليدية.

المهندس الحاسوبي بريم كومار قال إن ما أنجزوه يُظهِر مسارا نحو شبكات الكم والشبكات الكلاسيكية من الجيل التالي التي تتشارك في بنية أساسية موحدة للألياف الضوئية (جامعة نورث وسترن) تحدي نقل المعلومات الكمية

لكن التحدي الكبير الذي يواجه نقل هذه المعلومات هي حساسيتها لأي ضوضاء أو تداخل، لأنها تعتمد على خصائص فريدة من نوعها في فيزياء الكم.

ويقول توفيق "عندما تتشابك الجسيمات الكمية، فإن أي تغيير في حالة أحدها يؤثر مباشرة على الآخر، كما تعتمد المعلومات الكمية على تراكب الجسيمات في عدة حالات في الوقت نفسه، وأي تدخل يمكن أن يؤدي إلى فقدان هذه الحالات. ومع زيادة المسافة التي تنقل فيها المعلومات الكمية، تصبح أكثر عرضة للتغيير أو الفقدان بسبب التفاعل مع الوسط المحيط".

وبسبب هذه الحساسية، كان من الصعب إرسال المعلومات الكمية عبر الكابلات ذاتها التي تمر فيها بيانات الإنترنت التقليدية دون أن تتأثر بالضوضاء التي تحدثها البيانات، فكان الحل الذي نجح فيه باحثون في السابق هو تجهيز كابلات خاصة بالمعلومات الكمية، لكنها كانت مكلفة للغاية، ولم يصلوا باستخدامها لتحقيق نقل لمسافات طويلة، فضلا عن أن تعميمها يحتاج إلى تعديلات واسعة في البنية التحتية".

إعلان

ويقول توفيق إن "الميزة الأساسية في الاختراق الجديد هي أن الباحثين نجحوا في نقل البيانات لمسافة طويلة (30 كيلومترا) عبر المسار التقليدي نفسه، وهو كابلات الإنترنت التقليدية. وهذا إنجاز له العديد من المزايا، أهمها أنه لم يحتج إلى تعديلات في البنية التحتية، وحقق الاستفادة من إمكانات النقل الكمي دون تحمل مزيد من التكاليف".

نقل الحالة الكمية عبر المسافات الطويلة يثبت أن شبكات الاتصال الكمية ليست مجرد خيال علمي (بيكسابي) تقليل مخاطر التشتت

ولحماية حالة الفوتونات التي تحمل المعلومات الكمومية الثمينة ضد تدفق الإنترنت بسرعة 400 غيغابت في الثانية، استخدم فريق الباحثين مجموعة متنوعة من التقنيات التي تعمل على تقليل مخاطر تشتت الفوتونات.

والتشتت ظاهرة تحدث عندما تتعرض الموجات الضوئية (مثل الفوتونات) إلى تغييرات غير مرغوب فيها أثناء مرورها عبر الألياف البصرية. ودرس الفريق كيف يتشتت الضوء في الألياف، ومن خلال تعديل ظروف النقل بعناية، تمكنوا من الحد من هذا التشتت، فقد نجحوا في وضع الفوتونات في "نقطة دقيقة" عبر الألياف البصرية، وهذا يعني أنهم اختاروا مكانا محددا بعناية، حيث يمكن تقليل التداخل والتشتت إلى أقل حد ممكن.

وبمحدودية سرعة الضوء فقط، يتيح "النقل الآني الكمي" طريقة جديدة فائقة السرعة وآمنة لمشاركة المعلومات. ويتحقق ذلك من خلال التشابك الكمي، إذ يصبح جسيمان مرتبطين بحيث تؤثر حالة أحدهما على حالة الآخر بشكل فوري، بغض النظر عن المسافة بينهما. ومن خلال الاستفادة من هذا التشابك، جنبًا إلى جنب مع الاتصالات الكلاسيكية، يمكن إعادة بناء الحالة الكمومية لجسيم في مكان بعيد، ونقل المعلومات بشكل فعال.

ويقول المهندس الحاسوبي في جامعة نورث وسترن بريم كومار الذي قاد الدراسة، في بيان صحفي رسمي للجامعة، "ما أنجزناه يُظهِر مسارا نحو شبكات الكم والشبكات الكلاسيكية من الجيل التالي التي تتشارك في بنية أساسية موحدة للألياف الضوئية، ويمثل خطوة هائلة نحو تحقيق رؤية طويلة الأمد لبناء بنية تحتية للاتصالات تعتمد على الخصائص الفريدة للعالم الكمي".

إعلان

ويضيف أن "نقل الحالة الكمية عبر المسافات الطويلة يثبت أن شبكات الاتصال الكمية ليست مجرد خيال علمي، بل هي حقيقة قابلة للتحقيق".

حلول ثورية لتحديات العصر

ويمثل النقل الناجح للحالة الكمية للضوء عبر كابلات الألياف البصرية لمسافة طويلة قفزة علمية كبيرة، لأنه يثبت إمكانية توسيع نطاق الشبكات الكمية، فمع هذا الاختراق أصبح من الممكن تصور شبكات اتصالات كمية تمتد لمسافات طويلة وتوفر أمانا غير مسبوق.

والإنجاز الذي حققه كومار ورفاقه يعد بالعديد من التطبيقات في مجالات متعددة يشير إليها الدكتور توفيق، وأبرزها "الحوسبة الكمية" التي تتميز بقدرتها على معالجة البيانات بسرعة فائقة، مما يتيح حل مشكلات معقدة لا يمكن للحواسيب التقليدية التعامل معها بفعالية. وعلى سبيل المثال، يمكن للحواسيب الكمية أن تسهم في تسريع عمليات تطوير الأدوية من خلال محاكاة تفاعلات الجزيئات بدقة أعلى، فضلا عن التنبؤ بالطقس بشكل أكثر دقة عبر تحليل ملايين المتغيرات في وقت قصير.

إلى جانب ذلك، يفتح النقل الكمي للمعلومات المجال لتطبيقات مثل الأمن السيبراني والاتصالات الآمنة، عبر التشفير الكمي، إذ يمكن إرسال البيانات بطرق تجعل أي محاولة للاعتراض تُكتشف فورا، مما يوفر حماية غير مسبوقة للمعلومات الحساسة. وكذلك تعتمد الاتصالات الكمية على مبدأ التشابك الكمي لنقل البيانات بشكل آمن وفوري، مما يمهد الطريق لتطوير شبكات إنترنت كمية عالمية يصعب اختراقها باستخدام وسائل التشفير التقليدية.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حريات تعتمد على یمکن أن

إقرأ أيضاً:

حدث فلكي نادر.. هل يمكن مشاهدة اصطدام صاروخ «فالكون 9» بالقمر من الأرض؟

منذ أشهر، والمرحلة العليا من صاروخ «فالكون 9» التابع لشركة «سبيس إكس» عالقة في مدار بيضاوي الشكل حول الأرض، دون أن تتمكن من العودة إلى الغلاف الجوي كما كان مقررا، والآن أصبح من المؤكد أن هذا الصاروخ سيرتطم بالقمر في الخامس من أغسطس المقبل، في حدث نادر يترقبه علماء الفلك بشغف، حيث يعتزمون الاستفادة منه لدراسة سطح القمر وآثار الاصطدامات، حسبما ذكرت روسيا اليوم.

ووفقا لورقة علمية جديدة، سيرتطم الصاروخ بمنطقة مضاءة بالشمس قرب فوهة «أينشتاين» على سطح القمر، عند الساعة 06:44 بتوقيت جرينيتش من يوم 5 أغسطس، ومن المتوقع أن يتمكن العلماء باستخدام التلسكوبات الأرضية والمراصد الفضائية من رصد وميض الاصطدام، وسحابة الغبار المتصاعدة، والفوهة التي سيحدثها الصاروخ.

بدأت القصة في 15 يناير 2025، عندما أطلقت شركة «سبيس إكس» الصاروخ من مركز كينيدي للفضاء التابع لناسا، حاملا مركبتي هبوط إلى القمر. وبعد أن نجح الصاروخ في وضع المركبتين في مسارهما نحو القمر، كان من المفترض أن تعود المرحلة العليا من الصاروخ وتدخل الغلاف الجوي للأرض لتحترق، لكنها فشلت في ذلك وظلت عالقة في مدارها.

وفي أبريل الماضي، حذر المحلل المداري المستقل بيل غراي العالم من هذا الاصطدام الوشيك، بعد أن استخدم برنامجه الخاص لتتبع مدار الصاروخ وحساب مساره المستقبلي. وتوقع أن يرتطم الصاروخ بالقمر بسرعة هائلة تبلغ 5400 ميل في الساعة (8700 كم في الساعة)، أي أسرع بسبع مرات من سرعة الصوت، وهو الآن أحد مؤلفي الورقة العلمية التي تصف الحدث.

الصاروخ الذي يبلغ طوله 12 مترا وعرضه 4 أمتار ووزنه 4 أطنان، هو في الأساس قشرة معدنية مجوفة. وعندما يرتطم بسطح القمر، سيتحطم بالكامل، محدثا فوهة جديدة يتراوح عرضها بين 20 و30 مترا. كما سيثير كميات هائلة من الغبار، حيث سيمتد عمود الغبار الناتج لعدة كيلومترات فوق سطح القمر.

وقبل الاصطدام بلحظات، سيمر الصاروخ على بعد بضعة كيلومترات فقط من المركبة الفضائية الكورية «المتتبع القمري كوريا باثفايندر» «Korean Pathfinder Lunar Orbiter»، المعروفة اختصارا بـ KPLO، والتي قد تتمكن من جمع بعض البيانات عن الصاروخ أثناء سقوطه، لكن ذلك غير مؤكد، أما المركبة المدارية الاستطلاعية للقمر التابعة لناسا، Lunar Reconnaissance Orbiter، فلن تكون في المكان المناسب وقت الاصطدام، ولن تتمكن من متابعة الحدث.

ولن يتمكن جميع سكان الأرض من رؤية هذا الحدث، فالرؤية تتطلب ظلاما تاما واستخدام تلسكوب، ونظرا لأن الاصطدام سيحدث عند الساعة 06:44 بتوقيت جرينيتش، فإن المراقبين في أمريكا الجنوبية وأجزاء من أمريكا الشمالية «عدا الساحل الغربي» سيكونون في أفضل موقع لمشاهدته، حيث سيكون القمر فوق الأفق في تلك المناطق أثناء الظلام.

وينصح الخبراء الراغبين في الرصد بإجراء تجارب تدريبية فى اليوم السابق للاصطدام، للتأكد من أن معداتهم تعمل بشكل صحيح ومعرفة كيفية الحصول على أفضل رؤية.

ورغم أن الصاروخ هو مجرد حطام فضائي، فإن فرصة رصد اصطدامه بالقمر في الوقت الفعلي هي فرصة ذهبية لعلماء الفلك، فهذا الحدث سيساعدهم على فهم كيفية تشكل الغبار والأعمدة الناتجة عن الاصطدامات القمرية، كما سيمكنهم من دراسة مخاطر الحطام الفضائي على الأجرام السماوية.

بالإضافة إلى ذلك، سيساعدهم هذا الاصطدام في تحسين طرقهم لحساب مواقع ارتطام الأجسام بالقمر بدقة، وهو أمر قد يفيد في تجارب الزلازل القمرية المستقبلية.

اقرأ أيضاًالقمر العملاق يقترب من الجوزاء.. حدث فلكي بارز يمنح 6 أبراج فرصا استثنائية

أطول كسوف كلي للشمس خلال القرن.. مصر تستعد لحدث فلكي نادر في 2027

الشمس لا تخطئ موعدها على وجه رمسيس الثاني.. مصر تستعد لظاهرة فريدة بمعبد أبو سمبل

مقالات مشابهة

  • إنجاز تاريخي.. مصر تحصد المركز الأول في ترتيب الناشئات بالبطولة الأفريقية للجودو
  • إنجاز تاريخي.. ناشئات مصر يحصدن المركز الأول في البطولة الإفريقية للجودو بالمغرب
  • إنجاز تاريخي للتجديف.. عمر حسام يتأهل لنصف نهائي بطولة العالم في ألمانيا
  • 58% من السيدات بالعالم تعرضن للإيذاء الإلكتروني .. استشاري نفسي يوضح
  • مصطفى بكري: تجربة عبد الناصر جمعت بين الإنجازات والتحديات ولا يمكن اختزالها في الأخطاء
  • حدث فلكي نادر.. هل يمكن مشاهدة اصطدام صاروخ «فالكون 9» بالقمر من الأرض؟
  • رويترز تكشف معلومات جديدة وخطيرة عن حمولة الطائرة الإيرانية التي وصلت اليمن.. طهران ارسلت كمية من الذهب وعتاد عسكري ونحو 20 خبيراً من الحرس الثوري
  • الأمم المتحدة: الشرق الأوسط على شفير وضع لا يمكن تصوره
  • تدابير جديدة للتصريح بالعملة عند السفر
  • هل يعيش جيل زد أول ثورة نفسية ضد التربية التقليدية؟