رحلة النجاة.. “آفاق” تفر من جحيم حرب السودان لتبدأ حلماً جديداً فى مصر.. صور وفيديو
تاريخ النشر: 21st, August 2023 GMT
حالة من الحزن والألم تعيشها الفتاة السودانية التي حرمت من حلم حياتها كطبيبة بسبب الحرب والدمار فى الخرطوم، ولكنها تحاول أن تستعيد روحها من جديد منذ أن دخلت الحدود المصرية، آفاق” فتاة سودانية تبلغ من العمر 21 عامًا أتت إلى مصر مع عائلتها هاربة من الصراع في السودان، روت لـ اليوم السابع رحلتها من الخرطوم إلى مدينة كركر في أسوان وتفاصيل الدمار والحرب في السودان.
“أول مرة ييجى العيد أسمع صوت نواح بدل الأغانى وصراخ بدل الضحك، أول مرة أشعر بطعم المرار وأشوف الموت في كل لحظة”.. بدأت الفتاة حديثها بهذه العبارات المؤثرة المصاحبة لدموعها.. فتروى آفاق رحلتها قائلة: “من شدة أصوت الضرب والرصاص والقنابل كنا بنستخبي تحت السرير، كثير من جيرانا اختفوا وخرجوا ومارجعوش، واحد جارنا خرج مع بنته للسوق مارجعش ضربوه بالرصاص والبنت في العناية بين الحياة والموت، وفي ست معاها طفلة كانت ماشية في الشارع ضربوها بالرصاص لكن البنت اللى معاها كانت لسه عايشة، ففي واحدة جت عايزة تاخد الطفلة قالوا لها لا، لو خدتيها هنقتلك فسابتها ومشيت، وحكايات كتير وناس ماتت مش لاقيه حد يدفنها”.
وتابعت الفتاة: إحساس خوف، أقرب حد ليكى يموت، بيقولوا خلاص نهايتنا قربت، الأحسن الزول يموت بدل ما يكون في خوف ورعب كده، الطلقات في كل حتة وضرب عشوائي واللى بيموت محدش بيسأل عنه ولا حد يقدر يعالجه”.
تقول الفتاة: “طلعنا ماخدناش حاجة معانا، أصلاً ما ينفعش نفكر هناخد إيه ونسيب إيه، كمان العربية كان فيها أكثر من 50 واحد كنا فوق بعض، والطريق كان طويل جدًا، الأطفال بتبكى من الجوع ونقص المياه، والكبار كان بيغمى عليهم من الحر ونقص الأدوية، في ناس ماتت قدام عنينا، الرحلة طويلة وصعبة مشفوناش فيها النوم لحظة واحدة”.
“لما وصلنا وقالوا لنا خلاص دى مصر، حسيت إحساس مش ممكن يتوصف، من قمة الخوف والرعب لقمة الأمان، حسيت إنى عاوزة أغمض عينيا وأنام، كان استقبال كبير، المعابر مفتوحة دخلنا كلنا، في تنظيم والكل بيساعد اللى يجيب ميه، ودكاترة تكشف علينا وتدينا الأدوية، وأكل وعصاير، حسيت إنى بجد وسط ناس في قلوبهم رحمة، النوبيين أخدونا روحنا قرية كركر أجرنا بيت، وجابلونا أكل وشرب لبس، ناس كرماء بجد”. هكذا وصفت آفاق إحساسها بالأمان في مصر.
وتستكمل الفتاة حديثها عن حلم حياتها موضحة: “كنت في السنة الأخيرة في الجامعة كلية طب الأسنان، وكانت رغبتى وحلم حياتى، لكن خلاص راحت والحرب دمرت حياتى”، حيث تعيش الفتاة حالة من اليأس والإحباط المتزايد بسبب الأحداث الأخيرة التي عاشتها في السودان، فلم تكن تعلم أن النجاة من الموت والحفاظ على الحياة سيكلفها التخلي عن حلم حياتها أن تكون طبيبة، فكانت تدرس في السنة النهائية من كلية طب الأسنان جامعة الخرطوم في السودان، فبدلت الحرب حياتها من طبيبة إلى بائعة في محل بقالة.
وقالت آفاق: “الجامعة اتضربت والأوراق والملفات بتعتنا اتحرقت وضاعت، ومافيش أمل خلاص، نفسيًا تعبت اقترح عليا جارنا النوبى أشتغل في محل البقالة بتاعه وفعلاً اشتغلت معاه، تعامل الناس هون عليا شوية لكن أنا حزينة من قلبي حاسه خلاص كأنه نهاية حياتى”.
صحيفة اليوم السابع
المصدر
المصدر: موقع النيلين
كلمات دلالية: فی السودان
إقرأ أيضاً:
تعليقاً على حوار نصر طه مصطفى: حين تروي السلطة قصة انهيار “الدولة”
*محمد اللطيفي
في كتابه “ما التاريخ “، يرى المؤرخ البريطاني إدوارد هاليت كار، أن دراسة التاريخ لا تبدأ بالوقائع وحدها، بل بمن يرويها. فالروايات، مهما بدت متماسكة وموضوعية، تحمل دائما شيئا من أصحابها، بقدر ما تحمل من حقائق الماضي.
ولهذا، لا تبدو قيمة الحوارات التي تُجرى مع مسؤولين من داخل السلطة في كونها تفصح عن وقائع جديدة مرتبطة بانهيار مسار بناء الدولة اليمنية، بقدر ما تكشف كيف أصبحت النخبة السياسية نفسها تروي حكاية هذا الانهيار. فليست المشكلة في قدرتها على تفسير أسبابه، فهذه خطوة لا يجوز التقليل من أهميتها. بل المشكلة في التردد في تسمية المسؤولية السياسية عن صناعته.
هذه هي الفكرة التي فرضت نفسها وأنا أتابع الحوار المطول، الذي أجراه الزميل أسامة عادل مع مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي نصر طه مصطفى في برنامج #اليمن_بودكاست. فالرجل لا يتهرب من الاعتراف بأسباب انهيار الدولة؛ وهذه شجاعة تحسب له، بل يعرض سردية سياسية متماسكة نسبيا، تبدأ من ضعف التنمية، وهشاشة المؤسسات، وتمر عند الفرص السياسية التي أهدرت، وصولا إلى انقلاب مليشيا الحوثي على السلطة التوافقية (2014).
أهمية هذه السردية؛ التي وثقها اليمن بودكاست، لا تكمن فقط فيما تقوله، بل أيضا في الأثر الذي تتركه خارج إطار السياسة. فقيمة الشهادات السياسية ليست فيما تضيفه إلى سجل الوقائع، بل في ما تكشفه عن الطريقة التي تفهم بها النخب تاريخها.
كمثال؛ القول بأن ضعف التنمية أحد الأسباب الرئيسة للأزمة اليمنية، ذلك صحيح. إلا أن التنمية ليست قوة تعمل خارج مجال القرارات السياسة، بل هي نتيجة مباشرة لأولويات السلطات الحاكمة وفلسفة رؤيتها للحكم. وحين يقال إن المؤسسات الرسمية كانت هشة، ذلك صحيح أيضا، غير أن هذه الهشاشة لم تنشأ من تلقاء نفسها، بل كانت حصيلة خيارات سياسية طويلة الأمد، أديرت بها التوازنات وشبكات النفوذ على حساب بناء المؤسسات السيادية، وقدمت بها حسابات السلطة على مبادئ الدولة.
هل كان ذلك الضعف وتلك الهشاشة قدرا لا يمكن الفكاك منه أو مقاومة تداعياته؟ لمعرفة الإجابة يمكن تأمل محطات عدة مثلت فرصا لتجاوز اليمن أزمتها المستعصية مع الحكم والسلطة.
فبعد حرب صيف (1994)، امتلكت السلطة الحاكمة إمكانية إعادة بناء الدولة على أسس دستورية راسخة. وكانت السلطة التنفيذية في اليمن بعد الانتخابات البرلمانية (1997) أكثر استقرارا من أي وقت مضى. فيما حظيت العملية السياسية الناتجة عن #المبادرة_الخليجية (2011)، بإجماع إقليمي ودولي نادر. بينما قدم مؤتمر الحوار الوطني (2013–2014) تصورا متكاملا لشكل الدولة الجديدة، وأنجز مسودة دستور جديد لليمن.
يستحضر نصر طه؛ وهو صحفي شهير وسياسي بارز، هذه المحطات بوصفها فرصا ضائعة، وهو توصيف يصعب الاعتراض عليه. لكن ما تم نسيانه أن الفرص لا تهدر من تلقاء نفسها. فخلف هذا الضياع قرارات سياسية متهورة، وخلل في الأولويات، ونخب أساءت استخدام السلطة، وأحزاب معارضة فشلت في تقديم البديل. ولذلك، فإن تحويل تلك المحطات إلى مجرد “فرص ضائعة” يبقي الرواية ناقصة، ما لم يقترن بسؤال أكثر إلحاحا: من الذي أضاعها؟ ولماذا؟
يبقى حديث المستشار الرئاسي عن مؤتمر الحوار الوطني، ذو أهمية. فالنظر إليه باعتباره آخر مشروع سياسي متكامل لإنقاذ الدولة، يجد ما يدعمه في كثير من الوقائع. غير أن انقلاب #مليشيا_الحوثي، لم يسقط وثيقة سياسية فحسب، بل استهدف فكرة الدولة الجمهورية نفسها. وعليه لا يجوز هنا وضع #الحوثيين في سلة واحدة تضم الأزمات اليمنية، فهم ليسوا أزمة إضافية، هم مشروع متكامل عقائدي وعسكري وسياسي، يحمل فلسفة خاصة مناهضة لنظام اليمن الجمهوري تعيد تعريف السلطة وشرعيتها. ولهذا، فإن التعامل معهم باعتبارهم مجرد نتيجة يوضح جزءا من الصورة لكنه لا يفسر طبيعة المشروع السلالي الذي نقل الصراع من التنافس على إدارة الدولة إلى النزاع حول هويتها الدستورية ومركزها القانوني.
الأهم، أن الفرصة الحقيقية والثمينة التي أضاعتها النخب الحاكمة، هي مرحلة ما بعد الانقلاب. فمنذ انطلاق عاصفة الحزم العربية بقيادة #السعودية (نهاية مارس 2015)، حظيت الشرعية باعتراف سياسي واسع ودعم إقليمي ودولي كبير، لكن النخب الممثلة لتلك الشرعية لم تستطع تحويل ذلك الاعتراف إلى مشروع وطني متماسك لاستعادة الدولة. وبدلا من توحيد الصفوف لمواجهة المشروع الحوثي، ظلت الخلافات داخل معسكر الشرعية هي السمة المتسيدة والتي ساهمت في تعدد مراكز القرار، وذلك كله أعاق تحويل الشرعية القانونية إلى شرعية أداء، أو تحويل الدعم الخارجي إلى مؤسسات دولة فاعلة.
ولعل اللافت أن هذه ليست المرة الأولى التي تفرض فيها حوارات مع مسؤولين من داخل السلطة هذا النوع من الأسئلة.
ففي حوار سابق مع وزير الثقافة مطيع دماج، بدا واضحا أن جزءا معتبرا من النخبة السياسية أصبح يدرك طبيعة المشروع الحوثي، بوصفه مشروعا منظما يستهدف الدولة الجمهورية، مقرا، في الوقت نفسه، بعجز الشرعية عن تحويل هذا الإدراك إلى مشروع وطني قادر على هزيمته. ليضيف حوار نصر طه مصطفى بعدا آخر للصورة؛ إذ تبدو النخبة أكثر قدرة على تفسير أسباب انهيار الدولة، لكنها ما تزال أقل استعدادا للانتقال من تفسير الفشل إلى مساءلة الخيارات السياسية التي قادت إليه.
الشهادات السياسية اليمنية التي تشرح أسباب انهيار الدولة أصبحت أكثر حضورا من أي وقت مضى، وبتقديري هذه خطوة مهمة، لكن الأكثر أهمية منها هو امتلاك النخبة السياسية الشجاعة للاعتراف بالأخطاء التي ارتكبت وساهمت بالبلاد للوصول إلى ذلك الانهيار، وهو الاعتراف الذي لا يزال يقال بحذر، أو يؤجل، أو يخفف باللغة. فالروايات تبقي ذاكرة الشعوب حية، لكن الاعتراف بالمسؤولية بداية حقيقية لإصلاح مستقبل الدول، وهو ما يحتاج شجاعة تجعل الأشياء تسمى بأسمائها.
ما يمكن تأكيده أن هشاشة المؤسسات ليست قدرا يمنيا، كما لم يكن ضعف التنمية لعنة جغرافيا. حيث امتلكت اليمن، في أكثر من محطة، موارد وشرعية داخلية ودعم خارجي كانت تسمح ببناء مؤسسات حقيقية. لكن النخب الحاكمة فضلت إدارة موازين القوى على بناء الدولة، وشبكات الولاء على ترسيخ حكم المؤسسات. لذا بقيت الدولة قائمة شكليا بينما كانت قدرتها على الصمود تتأكل تدريجيا. ولعل السؤال الذي سيبقى مفتوحا ليس: كيف انهارت الدولة؟ فالإجابات عنه أضحت معروفة إلى حد كبير. السؤال الأصعب هو: كيف ستختار النخبة السياسية أن يكتب التاريخ قصة الانهيار اليمني… وحكاية دورها فيه؟.
*كاتب صحفي يمني