موقع 24:
2026-07-24@09:15:16 GMT

الشرع والموعد السعودي

تاريخ النشر: 3rd, February 2025 GMT

الشرع والموعد السعودي

حين يختار الرئيس السوري أحمد الشرع السعودية لتكون وجهته الأولى في رحلاته الخارجية فإنه يوجّه رسالة صريحة إلى الداخل والخارج.

ولا يتعلّق الأمر فقط بكون السعودية صاحبة ثقل اقتصادي وسياسي عربي وإسلامي ودولي، بل إنه يتعلق أيضاً بالسعودية الجديدة التي شهدت في حفنة سنوات ورشة إصلاح وانفتاح رائدة في معركة التقدم.

منذ لحظة نجاحه في إطاحة نظام الأسدين، تصرف الشرع تصرف المدرك لموازين القوى الجديدة في المنطقة، والمدرك أيضاً للمصالح الفعلية لسوريا الجديدة التي يأمل أن تتشكل. 

حفنة أسابيع كانت كافية لتتغير صورة سوريا. لم تعد دولة طاردة لمواطنيها، ولم تعد مفاتيح مصيرها مقيمة في مكتب المرشد أو أدراج القيصر. ذكرتني حالة الأمل بكلام سمعته سابقاً، وكان يوحي بأن سوريا مريض يتعذر إنقاذه.
في سبتمبر (أيلول) 2015 ذهبت إلى برلين لمعاينة أوضاع أمواج السوريين الذين فروا إليها. استوقفني ما قاله شاب قفز إلى أحد «قوارب الموت» للاستقالة من بلاده، قال: «حين وصلت إلى ألمانيا شعرت للمرة الأولى بكرامتي كإنسان». وسألت وافداً في قارب آخر عن وضعه فَرَدَّ: «ممتاز. ثلاث وجبات يومياً، ونوم بلا خوف، ولا (بعث) هنا ولا (داعش)». أوجعني يومها أن يبتهج سوري بالإقامة في مركز إيواء ألماني مغتبطاً بالوجبات الثلاث، والبعد عن «داعش» ونظام سجن صيدنايا.
تذكرت أيضاً يوم دخلت مكتب شاب اسمه بشار الأسد في بدايات عهده. قال إن الوضع الاقتصادي صعب، والإدارة هرمة، والحزب مصاب بالخمول. قال أيضاً إن قوة الدول لا تقاس بجيوشها، بل بمتانة اقتصادها. باكراً خاف نظام بشار من فتح النافذة، وانقطع الخيط الرفيع الذي كان يمكن أن يربط القصر بالناس أو ببعضهم. تعمقت عزلة «السيد الرئيس». لم يدرك معنى أن تقتلع دبابة أميركية تمثال صدام حسين. ولم يتوقف طويلاً عند اضطراره إلى سحب قواته من لبنان على هدير غضب اللبنانيين رداً على اغتيال رفيق الحريري. خاف من اتخاذ القرارات المؤلمة اللازمة، وسلّم مفاتيح بلاده إلى «محور الممانعة».
أقنع الجنرال قاسم سليماني سيد الكرملين بفوائد إنقاذ نظام الأسد. تجاهلت طهران مشاعر أكثرية السوريين، وارتكبت موسكو الخطأ نفسه. وأثار تشدد المعارضة السورية قلق دول كثيرة. وهكذا تم تأجيل سقوط النظام الذي استمر في التوهم أنه مقيم «إلى الأبد». في تلك الأيام كان شاب اسمه أحمد الشرع يعبر تجارب السجن والقتال ولغة التشدد. وفي الأعوام الأخيرة، انتظر الشرع في «دويلة إدلب». حاور الفصائل، وحاور الناس، ولم يخطر ببال أحد أنه سيطل ذات يوم من الجامع الأموي في دمشق ليطوي صفحة ما يزيد على نصف قرن من حكم الأسدين.
فاجأت إطلالة الشرع أهل المنطقة والعالم. ما قاله الرجل القوي الجديد ضاعف الرغبة في معرفة ما يدور في أوردة رأسه. خلال بضعة أسابيع تغيرت صورة الشرع عن صورة «أبو محمد الجولاني». قال إنه يريد سوريا تتسع لكل مكوناتها بلا إقصاء. قال إنه يريد سوريا الدولة لا سوريا الفصائل. وإنه لا يريد زج بلاده في الحروب ومعارك الاستنزاف. يريد فتح الباب لمشاركة السوريين في الداخل والخارج. ويحلم بإعادة ملايين السوريين الذين أرغمهم النظام السابق على الفرار إلى خيام في الدول المجاورة، أو إلى ذل تسوُّل الإقامات في بلدان بعيدة. ولحظة إطلالة الشرع المدوية من دمشق، خاف كثيرون من أعمال ثأرية. لكن على العكس لعب الشرع دوراً حاسماً في منع عاصفة الثأر.
أوحت تجربة الشرع في الأسابيع الماضية بأن الرجل أعد خلال الانتظار الطويل في «جمهورية إدلب» برنامجاً تفصيلياً لتبديد مخاوف الداخل والخارج. فاجأ زائريه. شعروا بأن الرجل يشق طريقه بسلاح الواقعية مدركاً خطورة تطبيق الوصفات الجامدة التي يمكن أن توقع سوريا الجديدة في العزلة أو الاحتراب الأهلي، وتمنع العالم من مد يد المساعدة لها. قال زوار إنه يملك القدرة على الاستماع والإقناع. والقدرة على المرونة والحزم. والقدرة على قبول الآخر، وتفادي الإصرار على فرض الزي الموحد في بلاد تتعدد فيها الانتماءات العرقية والدينية والمذهبية. وبينهم من رأى أن الرجل يعرف المنطقة ويعرف العالم. وقدموا دليلاً أنه لم يسارع إلى الوقوع في فخ رد فعل سريع على السلوك الإسرائيلي المفرط في عدوانيته رغم تبخر الحضور الإيراني على الأرض السورية. لاحظوا أيضاً أنه سدد ضربة قاتلة إلى «محور الممانعة»، لكنه امتنع عن الاحتفال، وقلّص الحضور العسكري الروسي من دون إطلاق عبارات ثأرية.
اختيار الشرع السعودية وجهته الأولى تعبير عن إدراكه اهتمام السعودية الدائم ببقاء سوريا عضواً فاعلاً في أسرتها العربية مع احترام إرادة شعبها ودعم سيادتها ووحدة أراضيها وحلمها في الاستقرار والازدهار. ولقاء الشرع مع حامل مشعل النهضة السعودية الأمير محمد بن سلمان موعد استثنائي سيترك بالتأكيد بصماته على موقع سوريا الجديدة في عائلتها العربية وعلاقاتها الدولية.
يعرف الزائر السوري السعودية؛ فهو وُلد في الرياض، وسار فيها خطوات طفولته. ويعرف السعودية الحالية، وهي قوة استقرار وشراكات استثمار وازدهار. يعرف أيضاً الدور الذي لعبته في إقناع دول غربية بخفض العقوبات على سوريا تمهيداً لطيّها. ويدرك حجم المساعدة التي يمكن أن توفرها السعودية لبلاده في عالم يعيش على توقيت رجل اسمه دونالد ترمب. يدرك أيضاً أن الاستحقاقات الإقليمية تتدافع، فحين كان في طريقه إلى السعودية كان بنيامين نتانياهو يتوجه إلى البيت الأبيض الذي اختار الإقامة مجدداً في عهد رجل المفاجآت والمنعطفات والمبادرات. موعد الشرع السعودي مهم للبلدين ولاستقرار سوريا والشرق الأوسط.

المصدر

المصدر: موقع 24

كلمات دلالية: عام المجتمع اتفاق غزة سقوط الأسد عودة ترامب إيران وإسرائيل غزة وإسرائيل الإمارات الحرب الأوكرانية سقوط الأسد

إقرأ أيضاً:

في احاطته أمام مجلس الأمن.. كوردوني: الفرص المتاحة أمام سوريا حقيقية

دمشق- أكدت الأمم المتحدة أن "الفرص المتاحة أمام سوريا حقيقية، شريطة بناء مؤسسات شاملة وخاضعة للمساءلة وقادرة على تلبية احتياجات جميع السوريين".

وفي إحاطة قدمها -عبر الفيديو- أمام اجتماع لمجلس الأمن الدولي بشأن الوضع في سوريا، أشار كلاوديو كوردوني نائب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، وفق وكالة قنا القطرية،

إلى أنه من بين التطورات المؤسسية، تعيين الرئيس السوري أحمد الشرع مؤخرا أعضاء المحكمة الدستورية العليا، وبدء مجلس الشعب الجديد جلساته هذا الشهر. وقال: "يعد تشكيل هاتين المؤسستين محطتين بارزتين في العملية الانتقالية التي حددها الإعلان الدستوري الصادر في مارس 2025".

وشدد كوردوني على أن ترسيخ استقلالية المؤسستين التشريعية والقضائية عن السلطة التنفيذية يشكل مكونا هاما لعملية انتقال تتسم بالمصداقية والشمول والاستدامة.

وفي شأن آخر، أعرب المسؤول الأممي عن القلق العميق إزاء استمرار النشاط العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا، حيث استمرت عمليات التوغل والقصف وتحليق الطائرات المسيرة وفرض قيود على حركة المدنيين في محافظتي القنيطرة ودرعا.

وقال إن "ما يثير القلق بشكل خاص، ما وقع يومي 27 و28 يونيو الماضي، حيث أفادت التقارير بأن عناصر من الجيش الإسرائيلي قتلوا شخصين شرق خط وقف إطلاق النار قبل تنفيذ توغل بري في قرية عابدين، وأدت العملية إلى نزوح مدنيين، وتلتها عملية انتشار لقوات الأمن السورية بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي".

مقالات مشابهة

  • وزارة الطاقة الأذربيجانية: 700 مليون متر مكعب صادرات الغاز إلى سوريا
  • ترامب لا تعنيه إيران بل يريد شيئا آخر أكبر
  • كيف أثّر رفع أسعار المحروقات على معيشة السوريين؟
  • أمريكا تستورد زيت الوقود العراقي عبر سوريا للمرة الأولى
  • تركيا تستهدف حجم تجارة مع سوريا بقيمة 10 مليارات دولار
  • السعودية أمام شرط أمريكي جديد.. ماذا يريد ترامب؟
  • بعد واقعة فتاة بني سويف.. أزهري يكشف موقف الشرع من منع الميراث
  • جمال سلمان: ترامب لا يريد إسقاط النظام الإيراني
  • في احاطته أمام مجلس الأمن.. كوردوني: الفرص المتاحة أمام سوريا حقيقية
  • الأمين العام للأمم المتحدة يزور سوريا