الطور الأخير لنضح للإسلاميين السياسي
تاريخ النشر: 10th, February 2025 GMT
منذ انطلاق مسيرة الحركات الإسلامية في السبعينات، أصبحت بسرعة رقما مهما في الساحات العربية والإسلامية، وذلك في ظل حالة غياب شبه كامل للحريات العامة وتجريف كل مظاهر الحضور السياسي، ولهذا فقد تعرضت ككل الظواهر الاجتماعية في بلادنا للصدام المبكر بالسلطات المحلية، لكنها رغم ذلك اقتنصت بعض الظروف والمعطيات لتوسع مساحات حركتها ومن ثم وجودها، وفي ضوء الشد والجذب والمد والجزر تراكمت الخبرات وتنامى الوعي السياسي، وقد ساهم في ذلك أتساع دائرة الأنشطة، والاحتكاك المباشر بالتحولات الإقليمية والدولية، التي كانت ضرورية لتنامي هذا الوعي.
هذا هو القانون العام الذي حكم ظهور وتنامي الحركات الإسلامية منذ السبعينات، حتى وصلنا في السنوات الأخيرة منذ عام 2021 وحتى اليوم لـ"الطور الأخير" من أطوار النضج السياسي، التي برزت في حركات ومناطق ثلاث: أفغانستان حيث "حركة طالبان"، وفلسطين حيث "حركة حماس"، وسوريا حيث "هيئة تحرير الشام".
فقد ظهرت بوضوح ثمرات هذا النضح أو النبوغ السياسي في أداء "حركة طالبان"، ولا سيما منذ معركتها الأخيرة "عملية الفتح" التي انطلقت في نيسان/ أبريل 2019 والتي هزمت فيها الأمريكان وتحالفهم الدولي في آب/ أغسطس 2021 واضطرتهم للانسحاب، وما أعقبها من حراك سياسي لافت مع الاحتكاك بقضايا الحكم والعلاقات الدولية، ثم جاءت "طوفان الأقصى" لتبرهن عن طفرة أخرى بالغة الأهمية في هذا النبوغ السياسي، ولا سيما من خلال أداء حركة حماس، إلى أن وصلنا للأداء السياسي اللافت "لهيئة تحرير الشام" سواء في إدارتها لعملية "ردع العدوان" أو تعاملها مع قضايا الدولة، والتعامل المدهش مع النظام الإقليمي والدولي.
* * *
أما عن "حركة حماس الإسلامية"، موضوع هذا المقال، فمنذ انطلاقها في أواخر الثمانينات، أظهرت قدرة متزايدة على التطور السياسي والتكيف مع التحولات الإقليمية والدولية، مستفيدة من التجارب الميدانية والسياسية للحركات الإسلامية التي سبقتها، ومضيفة أبعادا مهمة لا تخطئها العين.
وفيما يلي أبرز مظاهر هذا النضج والنبوغ السياسي وكيف تطور مع مرور الزمن:
منذ تأسيس الحركة اعتمدت استراتيجية مزدوجة تمزج بين المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الصهيوني والعمل السياسي والاجتماعي لخدمة الشعب الفلسطيني، وقد تطور هذا النهج ليبلغ مداه في المشاركة المباشرة في العملية السياسية الفلسطينية عبر انتخابات المجلس التشريعي 2006، حيث حققت فوزا كبيرا، مما أكد قدرتها على إدارة الملفات السياسية إلى جانب المقاومة.
في إطار ذلك أظهرت حماس مرونة في التعامل مع التطورات السياسية، حيث نجحت في إعادة ترتيب أولوياتها وفقا للظروف المحلية والإقليمية، انتقلت من مرحلة الاعتماد على المحور الإيراني-السوري في التسعينيات إلى توسيع شبكتها الدبلوماسية لتشمل دولا مثل تركيا وقطر، مع الاحتفاظ بعلاقات استراتيجية مع إيران، مما ضمن توازنا دقيقا بين المصالح المختلفة.
كما أظهرت الحركة نبوغا في تبني خطابين سياسيين مختلفين، خطاب داخلي موجّه للشعب الفلسطيني يتسم بالتركيز على المقاومة والصمود والحقوق الوطنية، وخطاب خارجي موجّه للمجتمع الدولي يتسم بالمرونة والاعتدال النسبي، يهدف إلى كسب التعاطف الدولي وتجنب وصم الحركة بالإرهاب، هذا التمايز ساعدها في تحقيق مكاسب سياسية ودبلوماسية مع الحفاظ على قاعدتها الشعبية.
مع فوزها في انتخابات 2006، واجهت حماس تحديا يتمثل في الانتقال من حركة مقاومة إلى قوة حاكمة في قطاع غزة، ورغم التحديات الكبيرة التي واجهتها بسبب الحصار والعقوبات الدولية، تمكنت من بناء مؤسسات حكومية تدير قطاعات حيوية كالأمن والتعليم والصحة، مما أظهر قدرتها على التكيف مع مسؤوليات الحكم.
كما عملت حركة حماس على بناء تحالفات إقليمية استراتيجية مع قوى إقليمية مختلفة، واستفادت من الانقسامات في المواقف الدولية تجاه القضية الفلسطينية، فقد تمكنت من إدارة هذه التحالفات بشكل ناجح، حيث استفادت من الدعم الإيراني العسكري، وفي الوقت نفسه حافظت على علاقات قوية مع دول مثل قطر وتركيا اللتين توفران دعما سياسيا وإنسانيا.
انتقلت حماس من كونها حركة تعتمد على الهجمات المتفرقة إلى قوة منظمة تعتمد على استراتيجية الردع، حيث أثبتت قدرتها على إحداث تأثير استراتيجي في موازين القوى، فقد تنامت هذه القدرة خلال عمليات كبرى مثل: حرب 2014 و"سيف القدس" (2021) و"طوفان الأقصى" (2023) مما أعطى المقاومة الفلسطينية نفوذا أكبر في تحديد قواعد الاشتباك مع الاحتلال.
طورت حركة حماس جناحها العسكري، "كتائب عز الدين القسام"، إلى قوة شبه نظامية ذات هيكلية منظمة وتكتيكات متطورة، وأظهرت هذه القوة قدرة على التكيف مع أساليب الاحتلال المتغيرة، سواء عبر تطوير قدراتها الصاروخية أو بناء الأنفاق الدفاعية والهجومية.
وفي ضوء ذلك أيضا فقد طورت خطابا إعلاميا قويا استغل وسائل الإعلام التقليدية والجديدة في إيصال رسائلها، سواء إلى الداخل الفلسطيني أو إلى العالم، وقد ركزت على إبراز معاناة الشعب الفلسطيني جراء الحصار والاعتداءات الإسرائيلية، مما أكسبها دعما شعبيا واسعا وأضعف الرواية الصهيونية في الساحة الدولية.
رغم أن حماس تأسست كحركة ذات أيديولوجية إسلامية، إلا أنها أظهرت مرونة سياسية في التعامل مع الواقع الفلسطيني والدولي، على خلاف كثير من الحركات الإسلامية، وقد تطور هذا التوازن وهذه المرونة مع مرور السنوات، حيث قبلت بمبدأ التفاوض غير المباشر مع إسرائيل عبر وسطاء، كما أبدت استعدادها للقبول بحل سياسي قائم على إقامة دولة فلسطينية ضمن حدود 1967، مع استمرارها في التأكيد على حق المقاومة، فضلا عن تأكيدها عن كونها حركة تحرر وطني مستقلة، وأنها ليست جزءا من أي تنظيم إقليمي أو دولي، في إشارة للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين.
أظهرت حماس نضجا سياسيا في كيفية إدارة خلافاتها الداخلية، حيث سعت إلى تقليل الانقسامات بين جناحيها العسكري والسياسي، كما استطاعت تجاوز تحديات كبرى مثل الحصار على غزة والانقسامات مع السلطة الفلسطينية عبر تكريس وحدة صفوفها الداخلية.
كما كان من جوانب نبوغها السياسي أن أدركت مبكرا أن شرعيتها لا تعتمد فقط على العمل العسكري، بل على تقديم الخدمات الاجتماعية للشعب الفلسطيني، فأنشأت مؤسسات خيرية، ومدارس، وجمعيات طبية، مما قوّى قاعدتها الشعبية وجعلها حركة قريبة من نبض الشارع الفلسطيني.
لقد انتقلت حماس بعد ذلك إلى تبني استراتيجية تجمع بين المقاومة المسلحة، والدبلوماسية، والإعلام، والعمل الاجتماعي، مما جعلها أكثر قدرة على مواجهة الضغوط الخارجية وتحقيق المكاسب السياسية.
أدركت أن تحقيق الأهداف الوطنية يتطلب التنسيق مع الفصائل الأخرى، بما في ذلك حركة فتح والجهاد الإسلامي، ورغم الانقسام بين غزة والضفة الغربية، واصلت حماس الدعوة إلى المصالحة الوطنية، مستفيدة من كل فرصة لإعادة بناء الوحدة الداخلية.
أظهرت حماس نبوغا سياسيا من خلال استيعاب دروس الماضي، سواء من تجاربها الخاصة أو من تجارب الحركات الإسلامية الأخرى، فقد استفادت من أخطاء الحركات الأخرى التي خسرت كثيرا من مكاسبها أو قواعدها الشعبية جراء الصدامات المتكررة مع الأنظمة الحاكمة، دون امتلاك رؤية شاملة لإدارة صراعاتها بكفاءة.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه حماس الفلسطيني فلسطين حماس اسلاميين مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الحرکات الإسلامیة حرکة حماس
إقرأ أيضاً:
المعتقل السياسي العياشي الهمامي لقيس سعيد: استقل لقد آن لمرحلتك أن تنتهي
وجه المحامي والمناضل السياسي العياشي الهمامي رسالة من داخل سجنه، دعا فيها إلى ضرورة إنهاء مرحلة " العبث" واستقالة الرئيس قيس سعيد لأنها باتت "ضرورة" في ظل الوضع الذي تعرفه البلاد .
وشدد المحامي السجين العياشي الهمامي أن المخرج من "الانقلاب" يكون باستعادة الديمقراطية ودولة القانون والمؤسسات وسراح المساجين والمعارضين.
وقال الهمامي مخاطبا الرئيس سعيد :" إن استقالتَك ليست مطلبًا سياسيًا، بل ضرورةً وطنية عاجلة، لقد فشلتَ، وفقدتَ الشرعية، واستنفدت صبر التونسيين ولم يعد استمرارك في الحكم سوى إمعانٍ في استنزاف الدولة والمجتمع، وتعميقٍ للأزمة، وتأخيرٍ للخروج منها".
وأكد" استقِل، وافتح الطريق أمام إنهاء هذه المرحلة، وإعادة الكلمة إلى الشعب، خمسُ سنوات عجاف مرّت منذ أن انقلبتَ على الدستور الذي أقسمت على احترامه، وافتككتَ كلّ السلطة بلا حسيب أو رقيب أو رادع".
واعتبر أن" المخرج ليس الفراغ ولا الفوضى، ولا استبدال شخصٍ بآخر، ولا الانتقال من استبداد إلى استبداد آخر، المخرج هو استعادة الديمقراطية، دولةٌ يحكمها القانون لا الفرد، ومؤسساتٌ مستقلة، وقضاءٌ مستقلّ، وانتخاباتٌ تنافسية، وحرياتٌ مصونة، وسياساتٌ تعيد للدولة وظيفتها في خدمة مواطنيها، وتنمية تؤمن الرفاه للجميع".
وقال إن:" الإنقاذ يبدأ بالقطع مع سابقة الانقلاب من خلال استعادة الشرعية الدستورية وإرساء أسس دولة القانون، وإلغاء المراسيم القمعية، وإطلاق سراح المساجين السياسيين، وتعليق المحاكمات السياسية، والقطع الصريح مع الخطاب والسياسات التي غذّت العنصرية والكراهية والتمييز، وإعادة الاعتبار لقيم المساواة والكرامة الإنسانية، وتنظيم مرحلة انتقالية تستجيب للأولويات الاقتصادية والاجتماعية، وتمهّد لانتخابات ديمقراطية حرّة تعيد الكلمة إلى الشعب".
وشدد الهمامي، "لقد آن لهذه المرحلة أن تنتهي، حتى تعود الكلمة إلى الشعب، والسلطة إلى القانون، والدولة إلى مواطنيها ومواطناتها".
كما تساءل الهمامي" فماذا أنجزتَ للناس، عدا الخوف والظلم والجوع؟ وماذا حقّقتَ للبلاد، غير التفكّك والاهتراء والتأخر والفشل؟ وعدتَ الناس بالرخاء، فلم يجنوا سوى الغلاء والفقر وانسداد الأفق".
وخاطب الهمامي في رسالته سعيد قائلا:" حوّلتَ القضاء إلى أداة للقمع والتنكيل، وتصفية المعارضات، وخنقِ الصحافة والإعلام، وسجنِ المواطنين بسبب رأي أو تدوينة، وإعادة مناخ الخوف والرقابة الذاتية، خوّنتَ المجتمع المدني، وكبّلتَ العمل النقابي، وأوصدتَ أبواب الحوار، واستهدفتَ بالقمع كلّ حراكٍ شعبي أو تضامني".
وتابع" وضعتَ دستورك الفردي ورفضتَ حتى إرساء مؤسساته، فتركتَ البلاد في حالةٍ دائمة من الغموض وشبح الفراغ، أفرغتَ الانتخابات من معناها حين تلاعبت بشروطها وسجنت جلّ منافسيك، فأعدت تونس إلى عهد الانتخابات الهزلية وأغلقت باب التداول السلمي على السلطة".
وأضاف" أما السيادة التي رفعتَ شعارها، فقد فرّطتَ فيها، رهنتَ البلاد لدور حراسة الحدود الأوروبية مقابل بعض المال والاعتراف السياسي، فحوّلتها إلى سجنٍ لأبنائها وكابوسٍ لمن اضطرّ إلى العبور عبرها بحثًا عن أفقٍ أرحب، وغطّيتَ ذلك بشعارات سيادوية ونظريات عنصرية بائسة".
وزاد" جعلت من المهاجرين شماعةً لفشلك، ومنحتَ غطاءً سياسيًا لاعتداءات عنصرية طالت حتى التونسيين السود، زرعتَ الكراهية، وجعلتَ الاختلاف تهمة، والنقد جريمة، والمعارضة خيانة.
وأكد الهمامي أن حصيلة سعيد " كارثية حيث جمع بين السلطة المطلقة واللامسؤولية المطلقة، وظل يرمي بفشله على عاتق أعداء وهميين"
وأكد" الشرعية لا تأتي من احتكار السلطة، ولا تُصنع باستفتاءات صورية، ولا بانتخابات على المقاس، بل من حرية الاختيار، واستقلال المؤسسات، وسيادة القانون، والحاكم لا يبقى لأنه يرفض الرحيل، بل لأنه يقبل الاحتكام إلى شعبه.د وما كان انقلابًا على الدستور لا ينبغي أن يصبح قدرًا للوطن".
ويقبع الهمامي بالسجن منذ نهاية عام 2025 ، بعد صدور حكم ضده يقضي بسجنه 5 أعوام في ما يعرف بملف "التآمر".
وسبق أن توجه الهمامي عند اعتقاله برسالة للمعارضة والمجتمع المدني بضرورة التوحد للتصدي " للاستبداد" و" الانقلاب" واسترجاع الحرية .