“النفايات الإلكترونية”.. عوائد اقتصادية وفوائد اجتماعية
تاريخ النشر: 11th, February 2025 GMT
تتنامى عالميًا الصناعات التقنية، واستخدام الأجهزة الإلكترونية بمختلف أنواعها، وتتزايد معها ما يُسمى بـ”النفايات الإلكترونية” التي تعد أحد أكثر النفايات الصلبة الأسرع نموًا في العالم؛ مُشكلةً أضرارًا صحية وبيئية، يجب التخلص منها بشكل آمن ومسؤول، وفي الوقت ذاته تظهر فوائدها الاقتصادية والاجتماعية من خلال الاستثمار بإعادة تدويرها بالطرق الصحيحة.
تُعرّف “النفايات الإلكترونية” وفقًا للائحة التنفيذية لنظام إدارة النفايات الإلكترونية والكهربائية بأنها: النفايات التي تنتج عن المعدات التي تعمل بتيارات كهربائية أو حقول كهرومغناطيسية، وتشمل هذه النفايات كافة المكونات والتجميعات الفرعية والمواد الاستهلاكية، التي تكون جزءًا من المنتج حال التخلص منه، وتشمل هذه النفايات على سبيل المثال لا الحصر: الهواتف والشواحن، والطابعات، وأجهزة الكمبيوتر، والموزعات الإلكترونية.
وتشمل أنواعها مجموعة واسعة من المنتجات الإلكترونية، مثل: أجهزة الكمبيوتر المكتبية، وأجهزة الكمبيوتر المحمول، والأجهزة اللوحية، وأجهزة الحاسب الشخصي “PC”، وأجهزة الخوادم “Servers”، والتلفزيونات، والشاشات الكبيرة، والطابعات، والماسحات الضوئية، وأجهزة الفاكس، وكاميرات الفيديو، والكاميرات الرقمية، وأجهزة الألعاب المحمولة، ومشغلات الوسائط المحمولة، والهواتف المحمولة، والأجهزة والساعات الذكية، والأجهزة القابلة للارتداء، مثل: السماعات اللاسلكية.
وتحتوي “النفايات الإلكترونية” على مواد ضارة وسامة، مثل: الرصاص، والزئبق، والكادميوم، والتخلص من هذه النفايات بشكل غير صحيح، يتسبب في تلوث البيئة، والمياه الجوفية، وتأثيرات سلبية على الإنسان والصحة العامة.
وتتكدس الكثير من الأجهزة الإلكترونية والكهربائية داخل البيوت، والمنشآت، والمكاتب سواءً كانت تعمل جزئيًا ويمكن إصلاحها أو الاستفادة من أجزائها السليمة، أو كانت منتهية الصلاحية ويجب التخلص منها بطرق آمنة ومتوافقة مع المعايير البيئية.
ويُعد الحرق أو التسخين أحد أخطر طرق التخلص غير الصحيحة، بسبب الأبخرة السامة المتولدة، لأنها تنتقل لمسافات كبيرة من نقطة التلوث، ممّا يعرض صحة المجتمع للخطر، كما يُسهم ذلك في تقليل الغطاء النباتي وارتفاع الاحتباس الحراري، وزيادة الأمراض التنفسية على الإنسان، ولذلك يجب التعامل مع “النفايات الإلكترونية” بشكل صحيح.
وللتخلص منها بشكل صحيح، تُرسل للجهات المتخصصة، التي تعمل بدورها على إعادة تدوير ما يمكن الاستفادة منه، حيث تُفصل المكونات القابلة للتدوير، ويُعاد استخدامها في صناعة منتجات أخرى، والتخلص من المواد الضارة، أو التبرع بها إذا كانت الأجهزة الإلكترونية ما زالت في حالة جيدة وقابلة للاستخدام إما للمدارس، أو المنظمات غير الربحية، مع الحرص على نقل البيانات أو تدميرها حفاظًا على خصوصية المستخدم.
جهود حكومية في “إدارة النفايات الإلكترونية” تأتي جهود المملكة في إعادة تدوير “النفايات الإلكترونية”، بما يُسهم في تحقيق مستهدفاتها الوطنية والعالمية والتزامها في خفض الانبعاثات الكربونية، والوصول إلى الحياد الصفري، وتحقيق الاقتصاد الدائري، ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030م؛ لتحقيق الاستدامة البيئية، وتعزيز الاقتصاد المستدام، واستغلال الموارد الطبيعية بشكل فعَّال، وتقليل الهدر المالي، إضافة إلى تعزيز المسؤولية الاجتماعية، ومبادئ التكافل لتمكين الأسر المحتاجة من الحصول على الخدمات التقنية.
ولتنظيم ومراقبة أنشطة إدارة النفايات، وللتشجيع على الاستثمار فيها، ولتوسيع نطاق جودتها، أُنشئ المركز الوطني لإدارة النفايات “موان” بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 457 وتاريخ 11/ 8/ 1440هـ وهو مركز حكومي مُنظم لأعمال إدارة النفايات والمُخلّفات.
ويستهدف “موان” استبعاد “النفايات الإلكترونية” والبطاريات عن المرادم بنسبة 90 – 95% بحلول عام 2035م، وإعادة استخدام وتدوير ما يتجاوز 90% من “النفايات الإلكترونية” والبطاريات التالفة.
ولتعزيز الاستدامة والاقتصاد الدائري، أطلقت هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية أول تقرير من نوعه حول الاستدامة في قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات متضمنة إستراتيجياته، وأعلنت خلال مؤتمر “COP28” انطلاق أعمال مبادرة “تطوير تنظيمات إدارة النفايات الإلكترونية”، بالتعاون مع الاتحاد الدولي للاتصالات “ITU”، لتُطبق التنظيمات في دول زامبيا، ورواندا، وباراغواي؛ بهدف تعزيز مساعي المملكة في قيادة الجهود الدولية في الاستدامة الرقمية، وتسريع التحول نحو الممارسات الخضراء، عبر تطبيق تنظيمات تعزز الاقتصاد الدائري، وتقديم حلول ابتكارية للحد من “النفايات الإلكترونية” للوصول لمستقبل رقمي مستدام.
ومن المتوقع أن يسهم بناء تنظيمات ومعايير للحد من النفايات الإلكترونية عالميًا في وضع حجر الأساس للحد من النفايات الإلكترونية التي يصل حجمها إلى 54 مليون طن سنوياً، فيما يعاد تدوير 17% منها فقط.
وفي سياق تمكين القطاع غير الربحي ودعم جهود وأعمال إعادة تدوير “النفايات الإلكترونية”، صدرت موافقة المقام السامي بتاريخ 24 صفر 1438هــ، التي تسمح للجهات الحكومية بالتبرع بأجهزة الحاسب الآلي الرجيعة لديها لجمعية ارتقاء.
وأوضح المدير التنفيذي لجمعية “ارتقاء” عمر بن خالد الشيباني، أن الجمعية تبنت مفهوم حفظ النعمة الرقمية، وتختص بجمع الحاسبات الآلية المستخدمة وإعادة تأهيلها ثم توزيعها على الجهات الاجتماعية والتعليمية، لدعم برامج تطوير المجتمع وحماية البيئة.
وتسعى الجمعية إلى تقديم خدمات احترافية تدعم برامج الرُقي العلمي، ونشر ثقافة إعادة التدوير، والاستخدام الأمثل لتقنية المعلومات.
وأفاد الشيباني أن الجمعية تستخدم برنامج “بلانكو”، وتتبع طرُقًا معتمدة عالميًا في مسح بيانات الأجهزة وضمان عدم استعادتها مرة أخرى.
وضمن مشاريع الجمعية، جاءت مبادرة “تعليمهم لا يوقف”، لتوفير أجهزة الحاسب الآلي لمن هم بحاجة من الطلاب والطالبات، لاستكمال مسيرة التعلم خلال جائحة كورونا، التي أسهمت في تحقيق أكثر من 40 مليون ساعة تعليمية وتدريبية، وتوزيع أكثر من 30 ألف جهازٍ، وتدوير أكثر من 27 ألف جهازٍ، وبلغ عدد الجهات المستفيدة 1296 جهة مستفيدة.
وتمكنت جمعية ارتقاء خلال السنوات العشر الماضية -بحسب الشيباني – من استلام أكثر من 223 ألف جهازٍ، وأُعيد تأهيل وتوزيع أكثر من 97 ألف جهازٍ، استفادت منه 3.404 جهات، بنسبة إعادة الاستخدام “46 %”، وإعادة تدوير بنسبة “43%”.
ونتج عن عمليات إعادة التدوير الإسهام في الحد من 13.039.815 كجم من الانبعاثات الكربونية، مما يعادل إعادة تدوير 2.608 أطنان من النفايات الإلكترونية.
وشارك في عمليات إعادة التدوير أكثر من 3000 متطوع بواقع 57.080 ساعة تطوعية، بعائد اقتصادي يقدر بأكثر 2.6 مليون ريال.
اقرأ أيضاًتقاريرنتنياهو.. مجرم حرب وتاريخ اسود يقطر دما!
واستطاعت المبادرة الوطنية الأولى من نوعها “دوّر جهازك” التي أطلقتها هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية بالتعاون مع وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، والمركز الوطني لإدارة النفايات “موان”، جمع أكثر من 100 ألف جهاز، بمشاركة 20 ألف فرد، تتجاوز قيمتها السوقية أكثر من 30 مليون ريال، وإعادة تدوير وإصلاح ما يتجاوز حجمه 240 طنًا، ودعم أكثر من 120 مدرسة وجمعية خيرية بالأجهزة المُعاد تدويرها، الأمر الذي ساعد على تقليل الانبعاثات الكربونية والمساهمة في خفض الاحتباس الحراري بمقدار 0.03C.
وفي الجانب الاستثماري، تأسست الشركة السعودية الاستثمارية لإعادة التدوير “سرك” بمرسوم ملكي، وهي إحدى الشركات المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة بالمملكة لقيادة الاستثمار في قطاع إعادة التدوير كجزءٍ من إستراتيجية الصندوق، وأهدافه؛ لتنمية وتطوير قطاعات استثمارية جديدة داخل المملكة ضمن رؤية 2030.
وتستهدف شركة “سرك” وفقًا لإستراتيجيتها تفعيل الاستثمارات في 12 نوعًا من أنواع النفايات، وأن تكون محركًا رئيسًا للاقتصاد الدائري في المملكة عبر الإسهام بتحقيق مستهدفات المملكة لرفع عمليات التدوير الإجمالية إلى نسبة 81%، ومن بين الشركات التي أنشأتها “سرك”: “إليكتا” المتخصصة في معالجة وتدوير “النفايات الإلكترونية” والكهربائية والمعدنية.
ودعمت شركة “إليكتا” القطاع الخاص بالاستثمار المباشر بشركة “إعادة”؛ لتكون الذراع التنفيذية لشركة “سرك” في مجال إعادة تدوير “النفايات الإلكترونية” والمعادن بالمملكة.
وتتمتع شركة “إعادة” التي تنتشر منشآتها في الرياض، والمنطقة الشرقية، والمنطقة الغربية، بقدرة استيعابية لإعادة تدوير تصل إلى 35 ألف طن سنويًا من “النفايات الإلكترونية”، والاستفادة من المعادن الثمينة والمواد الأولية التي تحتوي عليها هذه الأجهزة، وتعد أحد أهم المصادر لحفظ الموارد.
ومن بين خدماتها المتعددة والمعتمدة من هيئات حكومية ودولية: جمع وإعادة تدوير النفايات الإلكترونية والمعادن، وإدارة النفايات الصناعية غير الخطرة، والتخلص الموثوق من البيانات والأجهزة بشكل آمن، وتأهيل الأجهزة الإلكترونية التالفة، وتقديم الاستشارات لمشاريع التفكيك والتخلص من الأجهزة والمعادن.
وتعد خدمة التخلص الآمن وإتلاف البيانات إحدى الخدمات المتميزة التي تقدمها “إعادة”، سواءً في منشآتها أو بمواقع العملاء، وتستخدم الشركة لهذه العملية شاحنات مجهزة بمعدات تقطيع صناعية لضمان إتلاف البيانات من الأجهزة الحساسة بشكل آمن ووفقًا لمعيار “NAID AAA” المعتمد عالميًا، وتقدم الشركة شهادة توثق عملية الإتلاف الكامل، مما يعزز من مستوى الأمان والثقة، كما أن “إعادة” تلتزم بتطبيق معايير صارمة للتخلص وإتلاف تلك البيانات، تشمل: التدقيق الدوري لضمان الامتثال، وتدريب الموظفين على الإجراءات الأمنية، والمراقبة الشاملة من خلال كاميرات CCTV وتزويد العملاء بتقارير مفصلة تشمل الصور والفيديوهات، وتوثيق تلك العمليات.
وتعمل “إعادة” حاليًا مع أكثر من 70 شريكًا في مجال إعادة التدوير، مما يُسهم في تعزيز المحتوى المحلي، ودعم الاقتصاد الدائري.
وتعتمد عملية إعادة التدوير في “إعادة” على تقنيات متقدمة لفصل ومعالجة المواد، وآليات معالجة النفايات الإلكترونية “WEEE”.
وتشمل هذه الآليات: التفكيك اليدوي، بحيث تُفكك الأجهزة يدويًا لاستخراج المكونات القيّمة، مثل: لوحات الدوائر والمحركات، وإزالة المواد السامة كالبطاريات والزئبق، وهناك عملية التقطيع التي تقلل من حجم المواد بعد إزالة الملوثات، وكذلك الفصل الميكانيكي لاستخراج المعادن الحديدية، وغير الحديدية، والبلاستيك والمواد الأخرى الناتجة عن عمليات الفصل.
وتتيح جمعية “ارتقاء” منصة لاستقبال “الأجهزة الإلكترونية” المتبرع بها، من خلال رفع طلب تبرع عن طريق الموقع الإلكتروني Ertiqa.org، أو عبر تحميل تطبيق ارتقاء، وسيتم التواصل معهم لتنسيق وقت مناسب لاستلام الطلب مجانًا.
المصدر
المصدر: صحيفة الجزيرة
كلمات دلالية: كورونا بريطانيا أمريكا حوادث السعودية النفایات الإلکترونیة الأجهزة الإلکترونیة الاقتصاد الدائری إدارة النفایات إعادة التدویر إعادة تدویر ألف جهاز أکثر من عالمی ا
إقرأ أيضاً:
تعليقاً على حوار نصر طه مصطفى: حين تروي السلطة قصة انهيار “الدولة”
*محمد اللطيفي
في كتابه “ما التاريخ “، يرى المؤرخ البريطاني إدوارد هاليت كار، أن دراسة التاريخ لا تبدأ بالوقائع وحدها، بل بمن يرويها. فالروايات، مهما بدت متماسكة وموضوعية، تحمل دائما شيئا من أصحابها، بقدر ما تحمل من حقائق الماضي.
ولهذا، لا تبدو قيمة الحوارات التي تُجرى مع مسؤولين من داخل السلطة في كونها تفصح عن وقائع جديدة مرتبطة بانهيار مسار بناء الدولة اليمنية، بقدر ما تكشف كيف أصبحت النخبة السياسية نفسها تروي حكاية هذا الانهيار. فليست المشكلة في قدرتها على تفسير أسبابه، فهذه خطوة لا يجوز التقليل من أهميتها. بل المشكلة في التردد في تسمية المسؤولية السياسية عن صناعته.
هذه هي الفكرة التي فرضت نفسها وأنا أتابع الحوار المطول، الذي أجراه الزميل أسامة عادل مع مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي نصر طه مصطفى في برنامج #اليمن_بودكاست. فالرجل لا يتهرب من الاعتراف بأسباب انهيار الدولة؛ وهذه شجاعة تحسب له، بل يعرض سردية سياسية متماسكة نسبيا، تبدأ من ضعف التنمية، وهشاشة المؤسسات، وتمر عند الفرص السياسية التي أهدرت، وصولا إلى انقلاب مليشيا الحوثي على السلطة التوافقية (2014).
أهمية هذه السردية؛ التي وثقها اليمن بودكاست، لا تكمن فقط فيما تقوله، بل أيضا في الأثر الذي تتركه خارج إطار السياسة. فقيمة الشهادات السياسية ليست فيما تضيفه إلى سجل الوقائع، بل في ما تكشفه عن الطريقة التي تفهم بها النخب تاريخها.
كمثال؛ القول بأن ضعف التنمية أحد الأسباب الرئيسة للأزمة اليمنية، ذلك صحيح. إلا أن التنمية ليست قوة تعمل خارج مجال القرارات السياسة، بل هي نتيجة مباشرة لأولويات السلطات الحاكمة وفلسفة رؤيتها للحكم. وحين يقال إن المؤسسات الرسمية كانت هشة، ذلك صحيح أيضا، غير أن هذه الهشاشة لم تنشأ من تلقاء نفسها، بل كانت حصيلة خيارات سياسية طويلة الأمد، أديرت بها التوازنات وشبكات النفوذ على حساب بناء المؤسسات السيادية، وقدمت بها حسابات السلطة على مبادئ الدولة.
هل كان ذلك الضعف وتلك الهشاشة قدرا لا يمكن الفكاك منه أو مقاومة تداعياته؟ لمعرفة الإجابة يمكن تأمل محطات عدة مثلت فرصا لتجاوز اليمن أزمتها المستعصية مع الحكم والسلطة.
فبعد حرب صيف (1994)، امتلكت السلطة الحاكمة إمكانية إعادة بناء الدولة على أسس دستورية راسخة. وكانت السلطة التنفيذية في اليمن بعد الانتخابات البرلمانية (1997) أكثر استقرارا من أي وقت مضى. فيما حظيت العملية السياسية الناتجة عن #المبادرة_الخليجية (2011)، بإجماع إقليمي ودولي نادر. بينما قدم مؤتمر الحوار الوطني (2013–2014) تصورا متكاملا لشكل الدولة الجديدة، وأنجز مسودة دستور جديد لليمن.
يستحضر نصر طه؛ وهو صحفي شهير وسياسي بارز، هذه المحطات بوصفها فرصا ضائعة، وهو توصيف يصعب الاعتراض عليه. لكن ما تم نسيانه أن الفرص لا تهدر من تلقاء نفسها. فخلف هذا الضياع قرارات سياسية متهورة، وخلل في الأولويات، ونخب أساءت استخدام السلطة، وأحزاب معارضة فشلت في تقديم البديل. ولذلك، فإن تحويل تلك المحطات إلى مجرد “فرص ضائعة” يبقي الرواية ناقصة، ما لم يقترن بسؤال أكثر إلحاحا: من الذي أضاعها؟ ولماذا؟
يبقى حديث المستشار الرئاسي عن مؤتمر الحوار الوطني، ذو أهمية. فالنظر إليه باعتباره آخر مشروع سياسي متكامل لإنقاذ الدولة، يجد ما يدعمه في كثير من الوقائع. غير أن انقلاب #مليشيا_الحوثي، لم يسقط وثيقة سياسية فحسب، بل استهدف فكرة الدولة الجمهورية نفسها. وعليه لا يجوز هنا وضع #الحوثيين في سلة واحدة تضم الأزمات اليمنية، فهم ليسوا أزمة إضافية، هم مشروع متكامل عقائدي وعسكري وسياسي، يحمل فلسفة خاصة مناهضة لنظام اليمن الجمهوري تعيد تعريف السلطة وشرعيتها. ولهذا، فإن التعامل معهم باعتبارهم مجرد نتيجة يوضح جزءا من الصورة لكنه لا يفسر طبيعة المشروع السلالي الذي نقل الصراع من التنافس على إدارة الدولة إلى النزاع حول هويتها الدستورية ومركزها القانوني.
الأهم، أن الفرصة الحقيقية والثمينة التي أضاعتها النخب الحاكمة، هي مرحلة ما بعد الانقلاب. فمنذ انطلاق عاصفة الحزم العربية بقيادة #السعودية (نهاية مارس 2015)، حظيت الشرعية باعتراف سياسي واسع ودعم إقليمي ودولي كبير، لكن النخب الممثلة لتلك الشرعية لم تستطع تحويل ذلك الاعتراف إلى مشروع وطني متماسك لاستعادة الدولة. وبدلا من توحيد الصفوف لمواجهة المشروع الحوثي، ظلت الخلافات داخل معسكر الشرعية هي السمة المتسيدة والتي ساهمت في تعدد مراكز القرار، وذلك كله أعاق تحويل الشرعية القانونية إلى شرعية أداء، أو تحويل الدعم الخارجي إلى مؤسسات دولة فاعلة.
ولعل اللافت أن هذه ليست المرة الأولى التي تفرض فيها حوارات مع مسؤولين من داخل السلطة هذا النوع من الأسئلة.
ففي حوار سابق مع وزير الثقافة مطيع دماج، بدا واضحا أن جزءا معتبرا من النخبة السياسية أصبح يدرك طبيعة المشروع الحوثي، بوصفه مشروعا منظما يستهدف الدولة الجمهورية، مقرا، في الوقت نفسه، بعجز الشرعية عن تحويل هذا الإدراك إلى مشروع وطني قادر على هزيمته. ليضيف حوار نصر طه مصطفى بعدا آخر للصورة؛ إذ تبدو النخبة أكثر قدرة على تفسير أسباب انهيار الدولة، لكنها ما تزال أقل استعدادا للانتقال من تفسير الفشل إلى مساءلة الخيارات السياسية التي قادت إليه.
الشهادات السياسية اليمنية التي تشرح أسباب انهيار الدولة أصبحت أكثر حضورا من أي وقت مضى، وبتقديري هذه خطوة مهمة، لكن الأكثر أهمية منها هو امتلاك النخبة السياسية الشجاعة للاعتراف بالأخطاء التي ارتكبت وساهمت بالبلاد للوصول إلى ذلك الانهيار، وهو الاعتراف الذي لا يزال يقال بحذر، أو يؤجل، أو يخفف باللغة. فالروايات تبقي ذاكرة الشعوب حية، لكن الاعتراف بالمسؤولية بداية حقيقية لإصلاح مستقبل الدول، وهو ما يحتاج شجاعة تجعل الأشياء تسمى بأسمائها.
ما يمكن تأكيده أن هشاشة المؤسسات ليست قدرا يمنيا، كما لم يكن ضعف التنمية لعنة جغرافيا. حيث امتلكت اليمن، في أكثر من محطة، موارد وشرعية داخلية ودعم خارجي كانت تسمح ببناء مؤسسات حقيقية. لكن النخب الحاكمة فضلت إدارة موازين القوى على بناء الدولة، وشبكات الولاء على ترسيخ حكم المؤسسات. لذا بقيت الدولة قائمة شكليا بينما كانت قدرتها على الصمود تتأكل تدريجيا. ولعل السؤال الذي سيبقى مفتوحا ليس: كيف انهارت الدولة؟ فالإجابات عنه أضحت معروفة إلى حد كبير. السؤال الأصعب هو: كيف ستختار النخبة السياسية أن يكتب التاريخ قصة الانهيار اليمني… وحكاية دورها فيه؟.
*كاتب صحفي يمني