لجريدة عمان:
2026-07-24@08:03:13 GMT

الأم في الرواية العربية

تاريخ النشر: 22nd, March 2025 GMT

(1)

بدرجة ما تعد الكتب والدراسات التي تعرضت لبحث صورة "الأم" في الأدب عمومًا، وفي الرواية والقصة بالأخص، تعد قليلة نسبيًا؛ فهي إما تعالج ضمن فصل من فصول دراسة عن المرأة بصورة عامة، وإما الوقوف عند نموذج فردي صورته تلك الرواية أو هذه القصة أو المسرحية!

ومنذ قرأت (ثلاثية) نجيب محفوظ الباهرة التي صوّر فيها نموذج الأم المصرية والعربية في أنقى صورها وأبسطها وأكثرها سذاجة وفطرية (بعيدًا عن أي تعميمات أو أحكام يولع بها أصحاب الانتماءات الأيديولوجية إسقاط أفكارهم وتصوراتهم الآنية على مراحل زمنية سابقة لها ظروفها وسياقها العام) فإنني أدركت ثراء وخصوبة هذه الصورة خصوصًا لو وضعنا في الاعتبار أن المسح الأول لنصوص الرواية العربية منذ نشأتها في أواخر القرن التاسع عشر، يقودنا إلى وفرة هائلة وغزيرة في حضور الأم بكل التشكيلات والتنويعات الملازمة لها في الحياة الإنسانية وبما التصق بها ولازمها من أعظم مشاعر إنسانية على الإطلاق "الرحمة" و"الحنو" و"التضحية".

. إلخ.

وعلى ذات القدر من الجمال والجلال والقداسة التي تحتلها الأم حضورا وغيابا (أقصد هنا رحيلها الجسدي بالوفاة)، يأتي التصوير المعبر والتجسيد الفني الذي يقدمه الكتاب والروائيون للأم في أعمالهم التي تناولتها. برحابة حب الأم وحنانها الإلهي، وارتباطها المقدس بأبنائها لا تغيب شخصية الأم عن فضاء الأدب أبدًا (ومن يستطيع أن يتصور ذلك؟!)، فثمة أعمال كبرى في تاريخ الأدب العالمي والتراث الإنساني؛ بدءا بشعر الملاحم والأساطير مرورا بشعر القرون الوسطى والحكايات والقصص الشعبية، وصولا إلى الأنواع الأدبية الحديثة (الرواية والقصة القصيرة والمسرحية في شكلها المتطور)، كل هذه الأنواع والفنون عرضت نماذج باهرة وخالدة للأم في كل مكان زمان، خاصة في صورتها الملائكية المثالية/ أو الواقعية التي تؤكد على مثالية الأم ولا تنفيها.. بما تمثله من قيم التضحية والبذل والتفاني في خدمة أسرتها والدفاع عن أبنائها مهما كان الثمن.

(2)

أعمال عرضت لصورٍ متنوعة ومتعدد للأم؛ فمهما ابتعدت الأمكنة واختلفت الأزمان تبقى الأم في الأدب، كما في الحياة، أمًّا لا تُمثّل سوى الخير في هذا العالم المليء بالشرور. وأيّ صورة أخرى هي حتمًا صورة شاذة عن الطبيعة.

وصورة الأم (والأب كذلك) في إبداع عدد كبير من كتّاب الرواية والقصة في أدبنا العربي الحديث والمعاصر، لا يمكن فهمهما جيدًا فيما أعتقد دون الرجوع إلى تفاصيل النشأة في الطفولة وطبيعة تلك العلاقة بالأب والأم، أو على الأقل رؤية هذا الأديب أو ذاك لكليهما أو واحد منهما.

ومراجعة سريعة لعددٍ من النصوص التي تجلت فيها هذه الصورة أو تلك، ودراسة العلاقة بين "تمثيل الأم" أو تمثيل الأب في الرواية، وبين تفاصيل النشأة الدقيقة للكاتب، سنكتشف فورًا متانة هذه العلاقة وقوتها وانعكاس أثرها بشدة في النصوص؛ لدينا من أبرز الأمثلة على هذا التصور نجيب محفوظ وعلاقته بأمه وما لعبته في صباه من توجيه حياته بالكلية إلى الشغف بالتاريخ والآثار والبحث عن المصير والسعي للتأمل، كل ذلك انعكس على نجيب محفوظ كما انعكس بالدرجة ذاتها في نصوصه، وبالأخص طبعا الثلاثية..

الأمر ذاته ينطبق على يوسف إدريس العظيم في روائع قصصه القصيرة، وتوفيق الحكيم لم يغادر هذه الدائرة، ومن يقرأ سيرته الذاتية (سجن العمر) سيجد جذورا عميقة جدا في تفاصيل نشأته وعلاقته بأبيه وأمه وكيف عبرت عن نفسها أبلغ تعبير وأوضحه في رواياته وقصصه ومسرحياته على السواء.

ومن جيل الخمسينيات سنجد أسماء أخرى ظهر تأثرها الشديد بنموذج الأم في حياتها الواقعية المرجعية، ما انعكس بشدة على تصويرها للأم في نصوص هؤلاء الكتاب؛ فتحي غانم، ويوسف إدريس وثروت أباظة، وهناك مجموعة من الكتاب من معاصري ومجايلي نجيب محفوظ برعوا في تصوير تلك العلاقة من ناحية وصورة الأم عموما من ناحية أخرى؛ أذكر منهم محمد عبد الحليم عبدالله وروايته «من أجل ولدي»، ويوسف السباعي في «السقا مات» الذي قدم صورة للأم في غيابها الجسدي وحضورها "الروحي" إذا جاز التعبير.. إلخ.

ولا نبعد عن الحقيقة إذا مددنا الخيط على استقامته من جيل الأربعينيات والخمسينيات وصولا إلى جيل الستينيات بزخمه وركامه الهائل من النصوص التي ركزت على صورة الأم في الأرياف والصعيد بذات الدرجة التي أبرزتها في مدن المركز، وفي الأطراف والهوامش كذلك.

(3)

وإذا ما توقفنا عند نموذجين من إبداع عميد الرواية العربية نجيب محفوظ؛ سنجد تمثيلا فائق الروعة والحضور لصورة الأم كما رآها محفوظ وكما أراد لها أن تكون ضمن شبكه سرده الهائلة خاصة في مرحلته الواقعية الشاهقة؛ النموذج الأول في روايته «بداية ونهاية» وهي الرواية التي سبقت ثلاثيته العظيمة مباشرة؛ إن في تاريخ الكتابة أو في النشر (خلال الفترة من 1948 وحتى 1950)

في «بداية ونهاية» سنجد الأم التي كانت النموذج البديل عن الأب "الغائب". هي التي حملت المسؤولية بكاملها والتركة ثقيلة جدًا إنسانيًا وماديًا.

غياب الأب رمزيًا أدى إلى سقوط الأسرة فعليا وانهيارها تحت وطأة الضربات. يبرز دور "الأم" هنا وهي المرأة التي تحملّت أعباء الأبناء بصلابة تتماهى مع الحبّ. قد لا تتطوّر شخصية الأم داخل الرواية، وإن كانت هي ضمن الشخصيات الرئيسة؛ لأنّ ثمة أدوارًا محددة سلفًا منوطة بها، لكنها كانت في ظني إرهاصا قويا بظهور شخصية الأم متكاملة الأركان في (الثلاثية) وبالأخص في الجزء الأول منها (بين القصرين).

أما شخصية أمينة في «ثلاثية» نجيب محفوظ الخالدة، فهي الشخصية التي من خلالها احتفى محفوظ بصورة الأم النقية الفطرية البعيدة عن التأثر بأي تطورات عصرية أو مدنية أو أي تحديث عصري من أي نوع..

هي الأم في براءة الفطرة ونقاء الغريزة ورسوخ الصلابة دفاعا عن أسرتها وأولادها. تبدأ الرواية بها وبالحديث عنها وتنتهي بموتها، وقد نجح نجيب محفوظ في أن يقدم شخصية أمينة، وقد أخذت من الواقع ما استطاع به الفنان أن ينقلها من مستوى الفرد إلى درجة النموذج والنمط الإنساني الشامل.

من مجايلي نجيب محفوظ، الذين قدموا تمثيلا واقعيا رائعا للأم المصرية (والعربية) باعتبارها تجليا للطبقة الوسطى منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى سبعينياته، الكاتب الراحل عبد الحميد جودة السحار مؤلف رواية «أم العروسة» ورواية «الحفيد»..

والروايتان يمكن اعتبارهما رواية واحدة في جزئين؛ استعرضت نموذجًا شديد الصدق والواقعية لأسرة مصرية تنتمي للطبقة الوسطى التي هي قوام المجتمع الحديث، تبرز من بينها "الأم" المصرية البسيطة التي تبذل ما في وسعها لتزويج ابنتها الكبرى وتجهيزها للزفاف، وإعداد عش الزوجية.

وقد نجح السحار في رسم صورة صادقة ومخلصة لهذه الأم المشغولة طول الوقت باحتياجات الأبناء ومتطلبات الأسرة، لكنها في النهاية هي "ضابط الميزان" الذي بدونه تختل الحياة وتضطرب مياهها.

(4)

من جيل الستينيات، وفي روايته المكثفة غاية التكثيف «الوتد»، سيبدع الكاتب الراحل خيري شلبي في رسم صورة غاية في الجمال والجلال للأم المصرية العظيمة في الريف، عمود الخيمة، ووتد العيلة، التي تظلل على أبنائها، وتنجح في إقامة مجتمع صغير يقوم على الوحدة والتكافل والاندماج، الحاجة فاطمة تعلبة التي لا تستنكف حمل السلاح إذا اقتضى الأمر دفاعًا عن ابن من أبنائها.

في مستهل الرواية يصور خيري شلبي ببراعة معنى الأم: «كثيرًا ما تمنى أبناء الدار موت "الحاجة تعلبة" مع ذلك ما تكاد تلم بها وعكة صغيرة حتى تنقلب الدار كلها كأنما القيامة على وشك أن تقوم. يجيء حلاق الصحة وينصرف عددًا من المرات، ويحضر القريب والبعيد من الأقارب والأصهار والمعارف، حتى لتصير الحارة كلها -وهي كلها بيوتنا- زريبة كبيرة تضيق بركائبهم التي يبدو عليها الحزن هي الأخرى، إذ تقف مدلية الآذان عازفة عن الطعام والنهيق. وتتحول الدار إلى مولد صغير».

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: نجیب محفوظ صورة الأم الأم فی للأم فی

إقرأ أيضاً:

ما هي تسريحات الشعر التي رسمت ملامح النجمات في صيف 2026؟

(CNN)-- لفتت المغنية والممثلة الأمريكية زيندايا الأنظار بتغيير جريء في تسريحة شعرها خلال الترويج لفيلم "سبايدر مان: براند نيو داي"، في العاصمة المكسيكية، مكسيكو سيتي، حيث اعتمدت غُرّة قصيرة جدًا "مايكرو بانغز" مع كعكة مرتفعة بأسلوب "البوفان"، في خطوة أعادت هذه الصيحة إلى الواجهة.

تُعد الغُرّة القصيرة جدًا - ولو أنّها قد تكون مركّبة واصطناعية -  من أبرز اتجاهات الشعر الجريئة هذا الموسم، إذ تستحضر لمسات من إطلالات الممثلة البريطانية أودري هيبورن، مع تحديث عصري يعتمد على الخصلات غير المتساوية التي تمنح التسريحة طابعًا أكثر عصرية. 

زيندايا بالغرة القصيرة والشعر المرفوع في العاصمة المكسيكية. Credit: Photo by Eloisa Sanchez/Getty Images

في وقت تتجه فيه الأنظار عادةً إلى الأزياء، فرضت تسريحات الشعر نفسها كعنصر أساسي في إطلالات السجادة الحمراء هذا الموسم، مع تنوع واضح بين القصات الجريئة، والتسريحات الدقيقة، والخيارات المستوحاة من الطابع الكلاسيكي.

تسريحات مستوحاة من الآلهة بحسب دور زيندايا في الفيلم. Credit: Photo by Gareth Cattermole/Getty Images

وواصلت زيندايا، التي اعتمدت قصة "البيكسي بوب" خلال الأشهر الأخيرة، تقديم تحولات مختلفة في تسريحات شعرها خلال جولتها الترويجية لفيلم "ذا أوديسه"، حيث انسجمت خياراتها مع أجواء الفيلم وطبيعة الشخصية التي تؤديها.

تسريحة تاج الضفائر التقليدية. Credit: Photo by Aurore Marechal/Getty Images

ظهرت زيندايا بشعر طويل مموّج يصل إلى الخصر، زيّنته بتاج من الضفائر أضفى على الإطلالة طابعًا أسطوريًا يتناسب مع دورها كإلهة، وذلك خلال العرض العالمي للفيلم في العاصمة البريطانية لندن.

 في العاصمة الفرنسية، باريس، اختارت تسريحة تاج الضفيرة نفسها، لتؤكد حضور هذا الاتجاه ضمن إطلالاتها.

مقالات مشابهة

  • ظهور لافت لـ منة عرفة من الجيم
  • مصر.. سجال ديني وتوضيح من نجيب ساويرس عن رأيه بمن سيدخل الجنة
  • تقدم الى محكمة وصاب السافل نجيب الظهرة بطلب حكم انحصار وراثة
  • ما هي تسريحات الشعر التي رسمت ملامح النجمات في صيف 2026؟
  • ملك أحمد زاهر عن صورة المستشفى: قديمة.. وأنا الحمد لله بخير| فيديو خاص
  • ترامب: تكلفة الأضرار بالسفن ستُدفع من الأموال الإيرانية التي نسيطر عليها
  • الرواية الممزقة.. الدور الكبير للسوفيات في قيام إسرائيل
  • سيناريوهات يستعرض أبرز التحديات التي تواجه الحية في رئاسة حماس
  • جامعة الدول العربية وملف الذكاء الاصطناعي
  • توقيف أحد أخطر المحتالين في لبنان.. هكذا أوقع عدداً من الرهبان والراهبات ضحية أعماله (صورة)