الكنيسة الكاثوليكية تحتفل بعيد البشارة: مسيرة إيمانية وأجواء من الفرح الروحي
تاريخ النشر: 25th, March 2025 GMT
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
احتفلت الكنيسة الكاثوليكية في الخامس والعشرين من مارس بعيد البشارة، وهو مناسبة ذات أهمية روحية كبيرة، إذ تُحيي ذكرى بشارة الملاك جبرائيل للسيدة مريم العذراء بأنها ستنجب المخلص.
وفي مدينة الناصرة، حيث وقع هذا الحدث التاريخي، تتجدد الفرح هذا العام، كما في كل عام، عبر احتفالات روحية وشعبية تجمع المؤمنين من مختلف المناطق.
استقبال موكب الكاردينال والمشاركين
انطلقت الاحتفالات يوم الاثنين 24 مارس 2025، حيث تجمع المؤمنون والكهنة وطلاب الإكليريكية في موكب إيماني انطلق من مركز مار أنطون باتجاه بازيليك البشارة. سار المشاركون وسط أجواء من الترانيم والتأمل الروحي، معبرين عن فرحتهم بالمناسبة. وقد استقبل أهالي الناصرة والزوار غبطة الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، والمطران رفيق نهرا، النائب البطريركي في الجليل، والمطران بولس ماركوتسو، بحفاوة كبيرة.
الصلاة أمام مغارة البشارة
عند وصولهم إلى بازيليك البشارة، استقبل رؤساء الكنائس في الناصرة غبطة الكاردينال والوفد المرافق. ثم رحب الأب فويتشيك بولوز، رئيس البازيليك، الكاردينال، وألبسه البطرشيل المقدس والمياه المباركة، ليمنح بركته للحضور.
وتوقف الموكب أمام مغارة البشارة حيث رفع المؤمنون صلواتهم متأملين في اللحظة التاريخية التي غيّرت مجرى البشرية، في بيت متواضع و”بنِعَمٍ” مملوءة بالإيمان. كانت الصلاة أمام المغارة لحظة مؤثرة، حيث توحد الحضور في خشوع، طالبين السلام والاستقرار للبلاد والعالم.
كلمة الكاردينال
رحب الأب إبراهيم صباغ، كاهن رعية الناصرة، بغبطة الكاردينال بكلمات تعبر عن فرح المؤمنين في هذا الاحتفال. وفي كلمته، أكد الكاردينال أن هذه المناسبة تعيد للأذهان الكلمة التي غيّرت مجرى التاريخ، مشيرًا إلى أن الله نفسه اقترب منا وجعلنا نلمس حضوره بيننا. وأكد أن هذا هو أساس إيماننا ورجائنا.
الدورة التقليدية وصلوات من أجل السلام
مع حلول المساء، أقيمت الدورة التقليدية في ساحة الكنيسة، حيث سار المشاركون حاملين الشموع ومرتلين الترانيم المريمية.
تلا المسيرة صلاة الوردية من أجل السلام في البلاد والعالم، مع طلب شفاعة العذراء مريم، أم الكنيسة. وتوجت المسيرة بالسجود للقربان الأقدس.
قداس العيد وعظة الكاردينال
في صباح الخامس والعشرين من مارس ، احتفل الكاردينال بالقداس الإلهي في بازيليك البشارة، بحضور الأساقفة والكهنة وجموع المؤمنين. خلال العظة، تحدث عن الكلمة العميقة التي قالتها مريم العذراء: “نعم”، والتي كانت بداية الخلاص للبشرية. وشدد على أن طاعتها وإيمانها العميق منحا الأمل لعالم يعاني من الحروب والصراعات، داعيًا الجميع للاقتداء بمريم في الثقة بمخطط الله.
ختام الاحتفالات ورسالة الإيمان والرجاء
اختتمت اليوم الاحتفالات بأجواء من الفرح والتأمل، ليغادر المشاركون البازيليك بقلوب مليئة بالإيمان والرجاء. وأكد الحاضرون أن عيد البشارة ليس مجرد ذكرى سنوية، بل هو تجديد للإيمان برسالة مريم العذراء وقبول مشيئة الله في حياتنا.
المصدر
المصدر: البوابة نيوز
كلمات دلالية: أقباط أقباط الإرثوذكس
إقرأ أيضاً:
تعايش وسلام اجتماعيين: رؤية سيوسولوجية.. (10)
تعايش وسلام اجتماعيين: رؤية سيوسولوجية.. (10)
دعبدالناصر علي الفكي
أستاذ جامعي ومدير مركز تنمية التعايش الاجتماعي
تقدّم الرؤية السوسيولوجية النقدية لفهم أزمة التعايش الاجتماعي ومعوقات السلام في السودان مقاربة تتجاوز القراءات السياسية الضيقة واتفاقيات المصالحات السطحية، لتتشعب في تحليل البنى الاجتماعية والثقافية المستترة والظاهرة التي تنتج وتعيد إنتاج الصراع، من خلال مقاربة مفهوم الخوف بتمظهراته المتعددة بوصفه العائق الأكبر أمام تحقيق السلام المجتمعي المستدام. فـ”سوسيولوجيا الخوف” ليست مجرد انفعال تلقائي ولحظي، بل هي أداة ممنهجة سياسياً واجتماعياً يتم توظيفها بوعي لصناعة الكراهية وتعزيز الانقسامات، إذ عبر استغلال مخاوف الجماعات المختلفة – سواء كانت مخاوف وجودية مرتبطة بالبقاء، أو اقتصادية تتعلق بالكسب، أو هوياتية تتصل بالعرق والثقافة – يتم إعادة تشكيل وعي الأفراد والجماعات بشكل يحول دون قدرتهم على رؤية الآخر المختلف كشريك حقيقي في بناء الوطن والسلام.
وهنا تكمن الخطورة البالغة لهذه الآلية الخفية، فهي لا تقف عند حد التأثير النفسي العابر، بل تؤدي إلى تكريس التصنيفات المسبقة والصور النمطية المدركة ، يصبح الآخرون بأعراقهم وانتماءاتهم السياسية والثقافية والاجتماعية أهدافاً للوصم والتخوين والعداء الذي يتدرج في عنفه حتى يصل إلى درجة القتل والإبادة، وهي ممارسات تنسف في النهاية أساس المواطنة المتساوية وتهدد البناء الاجتماعي من الداخل. إن صناعة بناء الكراهية تتم بتغذية الخوف المدمر لا تستهدف فقط استبعاد الآخر، بل تعيد تشكيل وعي الجماعات بأكملها، فتجعلها تعيش في حالة استنفار وفزع وتجييش دائم تجاه كل ما هو مختلف، وتدفع نحو تبني مواقف متطرفة لا تميز بين العدو والصديق، وتهدّد عمليات التبادل الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، ولا تعترف بحق الآخر في الوجود المشترك، مما يغذي دوامة العنف الصراعي كبديلاً عن السلام وقبول الآخر .
ترفض الرؤية النظرة الاختزالية للحرب في السودان في لحظة محددة، بأنها ليست وليدة الخامس عشر من أبريل عام 2023 ، بل نتيجة حتمية لتراكمات تاريخية وسياسية وثقافية واجتماعية للنظم المتعاقبة منذ الاستقلال عام 1956، فهي ليست حدثاً طارئاً، بل هي إضافة سيئة أخرى في البنية المعقدة التراكمية للسياق الثقافي والسياسي السوداني المأزوم. هذه النظرة التاريخية تدعو إلى عدم الاكتفاء بمعالجة الأعراض العاجلة لإيقاف إطلاق النار، بل تتطلب مقاربة جذرية تعالج الأسباب الهيكلية المتراكمة التي أنتجت هذا الواقع المأزوم، تلك الأسباب التي ظلت لعقود تغذي مخاوف الجماعات وتعمق الانقسامات بينها، وتجعل الدولة عاجزة عن تقديم نموذج حقيقي للعدالة والمواطنة المتساوية، فتتحول إلى ساحة لتنافس النخب على السلطة والثروة على حساب المشتركات الاجتماعية الهشة أصلاً.
ولعل مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، تمثل نموذجاً يكشف هذه التحولات المأساوية للوضع الراهن؛ فهي المدينة التي اشتهرت بوصفها نموذجاً رمزياً للتسامح والتعايش وقبول الآخر، بفضل تداخلها الإثني والعرقي الفريد وتصافها الاجتماعي والثقافي، تحولت في زمن الحرب إلى مرآة مصغرة تعكس مأساة الوطن بأكمله، حيث بدأت تتجه بثقافة الحرب القذرة نحو الانهيار، وهي من المدن القلائل التي ظن الكثيرون أن معادلاتها الاجتماعية الراسخة محصنة ضد التمزق بحكم عوامل الإنتاج والتداخل الاجتماعي. المؤشرات تدلل على أن ما حدث في الأبيض لم يكن نتيجة لعوامل عارضة، بل انعكاساً لتراكمات الخوف الممنهج التي طالما غذتها السياسات الإقصائية لجماعات الحرب، فتحولت المدينة من نموذج للتنوع المتناغم إلى مسرح للاقتتال والنزوح والتهتك البنيوي، وأصيبت بعلة الحرب نحو هشاشة التعايش في غياب العدالة والاعتراف الحقيقي بالآخر، وهو ما يؤكد أن أي سلام لا يعالج جذور الخوف ويهدئ مخاوف الهوية والوجود هو مجرد هدنة مؤقتة تنتظر انفجارها في أي لحظة.
إن صناعة السلام الحقيقي في السودان لن تمر عبر الاتفاقات السياسية فقط، بل تتطلب تفكيكاً واعياً بالفكر الاستراتيجي لآليات الخوف والكراهية التي طالما غذتها النخب المتعاقبة، وصولاً إلى إعادة بناء المجتمع على أسس من العدالة والاعتراف بالآخر، وهو ما يمثل تحدياً معرفياً وسياسياً وثقافياً يتطلب جهداً مضاعفاً، لأن السلام الحقيقي لا يبنى على هدنة بين الأطراف المتنازعة فقط، بل على إعادة بناء الثقة بين الجماعات، وتفكيك عناصر المخاوف المتراكمة التي تحول دون رؤية الآخر شريكاً وليس عدواً. على الجميع أن يعمل ويسترشد بالإرادة الوطنية لإنهاء هذه الحرب العبثية المدمرة، والقيام بسلطة مدنية تعبر عن الجميع، تعيد الاعتبار للمواطنة المتساوية وتؤسس لتعايش حقيقي يليق بتنوع السودان الغني وتاريخه العريق.