سودانايل:
2026-07-24@22:38:54 GMT

عيوب الوساطة الدولية في السودان

تاريخ النشر: 9th, April 2025 GMT

يعاني النهج الذي اعتمدته القوى الدولية في وساطتها لحلّ النزاع السوداني خللاً جوهرياً، فسواء كان ذلك عبر اتفاق جنيف، الذي يطرح حلّاً يقوم على دولتَين منفصلتَين، أو اتفاق جدّة (2023)، الذي يعيد إنتاج النظام القديم ويختزل الصراع في مجرد صراع بين فصيلَين عسكريَّين، فإن أيّاً من الإطارين لا يقدّم مساراً حقيقياً للخروج من الأزمة.

بل تعمل هذه المقاربات، بدلاً من تحقيقها تقدّماً ملموساً، لإطالة أمد الأزمة فقط، ما يزيد من معاناة المجتمعات المهمّشة التي ترزح تحت وطأة الإقصاء والتهميش منذ نحو قرن. وإذا لم يُصحَّح هذا المسار، فسيواجه السودان خطر التفكّك بوتيرة متسارعة.

لم تحظَ القوات المسلّحة السودانية، ولا قوات الدعم السريع، بتفويض شعبي من سكّان الشمال والغرب (على التوالي)، غير أن مواجهتهما المحتدمة دفعت مسألة الشرعية إلى الواجهة، وهي قضيةٌ لطالما كانت موضع نزاع في السودان. ويتيح هذا الواقع فرصةً ثمينةً لتجاوز الثنائية العسكرية المبسّطة، والبحث في الأزمة السودانية بأبعادها الأوسع والأكثر تعقيداً. لا ينبغي أن ينصبّ التركيز على مجرّد إبرام تسوية هشّة بين فصيلين عسكريين فشلا في تمثيل المجتمعات التي يدّعيان الانتماء إليها، بل ينبغي التصدّي للجذور العميقة للأزمة، المتمثّلة في التفاوتات السياسية والاقتصادية والثقافية التي ظلّت تؤجّج النزاعات في السودان عقوداً طويلة. فمن دون تمثيل سياسي واسع يشمل مختلف مكوّنات المجتمع، ستظلّ أيّ اتفاقية يتم التوصل إليها ضعيفةً وهشّةً، وقد تؤدّي إلى مزيد من الإقصاء والغضب الشعبي.

منذ صياغة اتفاق جدّة، شهد السودان تغيرات ميدانية كبرى. ولن يؤدّي تجاهل هذه التحوّلات إلا إلى تقويض جهود التسوية السياسية برمّتها وإطالة أمد الصراع، ما سيؤخّر عملية المصالحة التي تحتاجها البلاد لاستعادة وحدة نسيجها الاجتماعي، فلا يمكن لأيّ إطار سياسي أن ينجح ما لم يعكس ديناميكيات القوة المتغيّرة، والتحالفات الناشئة، والتطلّعات المتجدّدة للمجتمعات المهمّشة، بدلاً من التمسّك بأطر قديمة فقدت صلاحيتها. ومن أبرز هذه التطورات، إعلان تحالف السودان التأسيسي (TASIS)، في فبراير/ شباط الماضي (2025)، حين وقّعت قوات الدعم السريع، إلى جانب 23 كياناً سياسياً ومدنياً، ميثاقاً تأسيسياً في نيروبي (كينيا)، يهدف إلى إنشاء حكومة مدنية في المناطق الخاضعة لسيطرتها. ويعكس هذا التحالف تحوّلاً جوهرياً نحو الانخراط في العملية السياسية المدنية، إذ يضمّ مجموعةً متنوّعةً من الأحزاب السياسية ومنظّمات المجتمع المدني. كما يؤكّد الميثاق ضرورة إقامة دولة ديمقراطية علمانية لامركزية، قائمة على مبادئ الحرية والمساواة والعدالة، مع احترام التنوّع الثقافي السوداني. ويقرّ الميثاق أيضاً حقّ تقرير المصير، في حال فشل أيّ دستور مستقبلي في ضمان العلمانية أو المبادئ الأساسية للديمقراطية.

لتفادي انهيار اتفاق جدّة (وهو انهيار قد تكون له تداعيات كارثية في هذه اللحظة الحساسة)، تجب معالجة عدة قضايا جوهرية. فعلى سبيل المثال، لم يمنح الاتفاق أيَّ اعتراف سياسي أو دولي لقوات الدعم السريع، ما حدّ من فاعليته في تحقيق تسوية دائمة. كما أن الجيش السوداني لا يزال يرفض الاعتراف بسلطة "الدعم السريع"، وتكوينها الاجتماعي، والدور السياسي الذي تلعبه قاعدتها الإثنية، ما يعمّق الانقسامات داخل المشهد السوداني (كما يذهب زرياب عوض الكريم في مقال له).

وعلاوة على ذلك، لم يتناول الاتفاق بشكل كافٍ التفاوتات التاريخية في السودان، لا سيّما التمييز الاقتصادي والاجتماعي الذي تعاني منه الأطراف المهمّشة، مقارنةً بالنخب المُسيطِرة في السودان النيلي (الجَلابة). وبالتالي، أيّ حلٍّ مستدام لا بد أن يعترف بالسودان دولةً فيدراليةً متعدّدةَ الإثنيات، وأن يواجه الدولة العميقة التي كرّست نظاماً سياسياً واقتصادياً قائماً على الإقصاء. لا سيّما أن الجيش لم يعترف بعد بحملاته العسكرية المتواصلة ضدّ الأطراف المهمّشة، ولم يلتزم بوقف إطلاق النار أو وقف الغارات الجوّية اليومية على دارفور والأحياء المهمّشة في الخرطوم.

وفي الوقت نفسه، لم يتطرّق الاتفاق بشكل كافٍ إلى الخطاب العدائي الذي تتبناه النُخَب الشمالية وأنصار النظام السابق، الذين يواصلون شيطنة المجتمعات المهمّشة، بما في ذلك القاعدة الاجتماعية لـ"قوات الدعم السريع". وبدلاً من تعزيز الوحدة الوطنية، يخاطر الإطار الحالي بتكريس مزيد من العزلة لهذه القوات، ما يفاقم الانقسامات بدلاً من معالجتها. إلى جانب ذلك، لا بدّ من تحقيق شامل في جرائم الحرب التي ارتكبتها جميع الأطراف، ومحاسبة المسؤولين عنها. لقد عانت الأطراف السودانية المهمّشة عقوداً من القمع والاضطهاد، بينما استفادت الخرطوم من سياسات التوزيع غير العادل للثروة، ما أدّى إلى فصل العاصمة عن الواقع المأساوي لبقية البلاد. لكن حين انهار النظام، وهدّدت مصالح سكّان الخرطوم أنفسهم، تحرّكوا في ثورة شعبية، غير أن هذه اللحظة الأخلاقية البارقة سرعان ما تبدّدت مع عودة العسكر إلى السلطة بعد الثورة.

يبدو أن المجتمع الدولي يسير نحو تكرار أخطائه في مؤتمر لندن المزمع عقده في 15 إبريل/ نيسان الجاري، فكما كان الحال في اتفاق جدّة، يتجه هذا المؤتمر إلى أن يكون مجرّد منبر لنقاشات مغلقة بين الأطراف الإقليمية، مع إقصاء القوى المدنية السودانية التي تشكّل الحجر الأساس في تحقيق السلام المستدام. يعمّق اقتصار الحوار على وجهتي نظر المعسكرَين المتخاصمَين الأزمة، إذ لن تحقّق أيّ تسوية قائمة على رؤية عسكرية محضة الاستقرار، ما لم يتم تبنّي إطار سياسي شامل يعالج الأسباب الجذرية للصراع.

لتحقيق حلّ حقيقي للأزمة السودانية، يتعيّن اتخاذ خطوات استراتيجية تضمن إشراك جميع الأطراف المعنية في عملية السلام. أولاً، يجب أن يشمل الحوار القوى المدنية والمجتمعات المهمّشة، بالإضافة إلى القوى السياسية التي تدعم إقامة دولة تعدّدية. إذ لا يمكن حصر الحلول في الترتيبات العسكرية فقط، بل من الضروري معالجة جذور الصراع من خلال مناقشة قضايا الحكم والعدالة الاقتصادية والاعتراف بالتنوع الثقافي في البلاد. كما أن أيّ اتفاقية يجب أن تعكس الواقع السياسي المتغيّر في الأرض، بدلاً من التمسّك باتفاقات أصبحت غير صالحة لتلبية تطلّعات المجتمع السوداني. من الأهمية بمكان أيضاً رفض العودة إلى النظام القديم الذي فشل في تقديم حلول حقيقية لأزمات السودان المتراكمة، والتمسّك بمسارٍ يستند إلى المبادئ الديمقراطية، ويعزّز العدالة وسيادة القانون. في هذا السياق، يجب على المجتمع الدولي أن يقدّم الدعم اللازم لبناء أسس ديمقراطية تُرسّخ الحقوق والعدالة في الدولة السودانية.

العربي الجديد  

المصدر

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: الدعم السریع فی السودان ة السودان

إقرأ أيضاً:

السودان.. انتقال القتال إلى الأُبَيِّض يفاقم المخاطر العسكرية والإنسانية

الخرطوم- احتدام الاشتباكات المسلحة في الآونة الأخيرة بمحيط مدينة الأُبَيِّض، عاصمة ولاية شمال كردفان غربي السودان، أثار مخاوف متزايدة بشأن تغير الموازين العسكرية وتفاقم الأزمة الإنسانية في البلاد.

يؤكد خبراء أن السيطرة على الأُبَيِّض تحمل أهمية حاسمة لوحدة أراضي السودان، محذرين من أن أي تصعيد عسكري في المدينة قد يعرّض مئات الآلاف من المدنيين لكارثة إنسانية جديدة.

** هجمات ممنهجة من "الدعم السريع"

وفي حديثه للأناضول، قال الباحث في وقف "سيتا" التركي للدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تونتش دميرطاش إن البعد العسكري لا يمكن تجاهله في الصراع الدائر بالسودان، متهما "قوات الدعم السريع" بشن هجمات ممنهجة على المدنيين والسعي إلى إضعاف القدرات المؤسسية للدولة.

ورأى أن من المهم أن يوقف الجيش السوداني تقدم قوات الدعم السريع، ويحمي المناطق الاستراتيجية، ويعيد ترسيخ سلطة الدولة.

وأضاف: "دون ضغط عسكري سيكون من الصعب للغاية الحد من هجمات قوات الدعم السريع على المدنيين، ومنع محاولات إقامة إدارة موازية، وحماية سيادة البلاد".

وشدد دميرطاش على أن النجاح العسكري وحده لن يكون كافيا، موضحا أن قدرات "الدعم السريع" تعتمد إلى حد بعيد على أسلحة وتمويل وإمكانات لوجستية وشبكات من المرتزقة تأتي من الخارج.

وأشار إلى أن استمرار هذا الدعم سيجعل تثبيت المكاسب الميدانية أكثر صعوبة، وقد يعزز سيناريوهات التقسيم الفعلي للسودان مع إطالة أمد الحرب.

وبناء عليه، يرى دميرطاش ضرورة دعم التحرك العسكري بمبادرات دبلوماسية ومساندة دولية وعقوبات تستهدف شبكات الإمداد الخارجية.

وأوضح أن التوصل إلى حل سياسي حقيقي لن يكون ممكنا إلا بعد الحد من قنوات الدعم الخارجي لقوات الدعم السريع.

** أهمية وثقل الأُبَيِّض

ولفت الخبير التركي إلى أن الأُبَيِّض ليست مدينة مهمة فحسب، بل تمثل عقدة حيوية للتحركات العسكرية والتدفقات اللوجستية وخطوط الإمداد، لا سيما أنها تقع عند تقاطع طرق تربط الخرطوم بإقليم دارفور وجنوب البلاد.

وقال إن "الدعم السريع" تتبع في المدن استراتيجية لا تستهدف المواقع العسكرية فحسب بل تطال الحياة المدنية أيضا، مضيفا أن الهجمات على البنية التحتية للكهرباء ومستودعات الوقود وشبكات النقل تهدف إلى جعل المدن غير صالحة للعيش.

وتوقع دميرطاش أن تتركز الاشتباكات خلال الفترة المقبلة حول منشآت الطاقة وممرات الإمداد وشبكات النقل، بدلا من مراكز المدن وحدها.

وتابع: "حماية الأُبَيِّض بالنسبة للجيش السوداني لا تحمل أهمية عسكرية فقط، بل تعد ضرورية أيضا لاستمرار الحياة المدنية والحفاظ على ترابط شرق البلاد وغربها".

وبشأن حظر الأسلحة، أوضح دميرطاش أن على المجتمع الدولي التمييز بين الدولة والجماعات المسلحة غير الحكومية، مبينا أن العقوبات ينبغي أن تستهدف قوات الدعم السريع والجهات الداعمة لها التي تعمل ضد الدولة السودانية.

وشدد على ضرورة أن تشمل العقوبات الشركات وشبكات التمويل والجهات المستفيدة من تجارة الذهب والآليات اللوجستية التي تسهم في إبقاء القدرات العسكرية لقوات الدعم السريع.

وأكد أن تعزيز مؤسسات الدولة وإقامة أرضية سياسية شاملة خلال مرحلة إعادة الإعمار أمران حيويان لتحقيق سلام دائم.

** المدنيون يدفعون الثمن

من جانبه، قال رئيس منظمة "مشاد" لحقوق الإنسان أحمد عبد الله إن الوضع الإنساني في مناطق الصراع بالسودان "بلغ مستوى حرجا".

وأوضح أن ملايين المدنيين يواجهون التهجير وانهيار الخدمات الأساسية وصعوبات في الحصول على الغذاء والرعاية الصحية والمياه النظيفة.

وتابع: "المدنيون السودانيون عالقون بين أطراف الصراع في مناطق عديدة، ويدفعون الثمن الأكبر من أرواحهم وكرامتهم وأمنهم ومستقبلهم".

** انتهاكات دارفور

وقال عبد الله إن منظمته وثقت انتهاكات جسيمة وممنهجة ارتكبتها جماعات مسلحة ضد المدنيين في دارفور.

وأوضح أن عمليات القتل المتعمد والعنف الجنسي والتهجير القسري وإحراق القرى والمخيمات واستهداف البنية التحتية المدنية تمثل انتهاكات واضحة للقانون الدولي.

وأضاف أن تقارير دولية مستقلة كشفت أيضا عن انتهاكات جسيمة في دارفور قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وشدد عبد الله على ضرورة محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لتحقيق سلام دائم، ومنع إفلات مرتكبيها من العقاب.

** خطر إنساني

وحذر من أن المدنيين في الأُبَيِّض يواجهون بدورهم مخاطر مرتفعة للغاية، مبينا أن توسع العمليات العسكرية وتعثر إيصال المساعدات الإنسانية قد يعمقان الأزمة في المدينة.

وأضاف أن أي تصعيد عسكري داخل الأُبَيِّض أو في محيطها قد يؤثر في مئات الآلاف من المدنيين، داعيا أطراف الصراع كافة إلى الالتزام بتعهداتها بموجب القانون الدولي الإنساني، وعدم استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية.

كما دعا الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والشركاء الدوليين إلى اتخاذ خطوات عاجلة لمنع اتساع الأزمة، محذرا من أن استمرار التقاعس قد يؤدي إلى كارثة إنسانية جديدة في شمال كردفان.

مقالات مشابهة

  • إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «8-10»: كيف نبني حزباً سودانياً حديثاً؟
  • الجنائية الدولية تعزل مهندس مذكرة اعتقال نتنياهو.. هل دفع كريم خان الثمن؟
  • الدولية للهجرة: عدد السودانيين العائدين إلى مناطقهم بلغ 4.6 ملايين
  • خطيب الجامع الأزهر: يحذر من الخطابات السلبية التي تهدد استقرار الأسرة
  • حصيلة صادمة.. اللجنة الدولية للصليب الأحمر تكشف عدد المفقودين في السودان
  • إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «7-10»: نحو جيل جديد من الأحزاب
  • خبراء: تحركات إقليمية قد تعيد رسم مسار الحرب في السودان
  • الأمم المتحدة تعرب عن قلقها البالغ إزاء التهديدات التي أطلقتها ميليشيا الحوثي ضد المملكة
  • مقتل 6 سودانيين بينهم طفلان بغارة على سوق شمالي كردفان
  • السودان.. انتقال القتال إلى الأُبَيِّض يفاقم المخاطر العسكرية والإنسانية