أربعون عاما على الانتفاضة: كيف اضعنا قيام نقابات حقيقية؟
تاريخ النشر: 10th, April 2025 GMT
مضت أربعة عقود من الزمن، على انتصار شعبنا في انتفاضته، على الدكتاتورية العسكرية الثانية. تشكل انتفاضة ابريل 1995 معلم هام في تاريخ بلادنا، وتستحق الاهتمام بالدراسة والتحليل، واستيعاب الدروس. للقيمة الهائلة لتجربة انتصار الشعب، سلميا على نظام عسكري، والطريقة التي انجز بها ذلك. هذه المقالات تحاول وتجتهد ان تقدم قراءة للتجربة وربطها ببعض التحديات التي تواجهنا الان، حتى لا يصبح تعاملنا معها نشاطا أكاديميا معزولا على الصراعات والمشاكل الراهنة.
تعرضت في المقال الأول، لنقد المحاولات الحثيثة، التي تبرر لاستمرار الحكم العسكري. الحكم الذي نتج عن انقلاب 25 أكتوبر ضد السلطة المدنية الانتقالية. وأوضحت ان كل الحجج، التي تقدم لتسويغ لذلك النمط من الدكتاتورية، هي حجج لا تستقيم امام المنطق العقلي، ولا التجربة التاريخية لشعبنا. وعرضت لبعض، فقط بعض، الالام والخسائر التي سببها العسكر لبلادنا. وختمت بأن الجيش مؤسسة مهمة وضرورية، مثيل غيرها من مؤسسات الدولة الحديثة، ولكن ليس فوقها. وركز المقال الثاني على ضرورة وحدة القوي السياسية والمدنية لتحقيق آمال شعبنا في نظام ديمقراطي، مبني على المواطنة والمساواة في الحقوق.
لعبت النقابات دورا أساسيا في هزيمة نظام جعفر نميري. فإضرابات المعلمين وعمال السكة الحديد والأطباء والقضاة زعزعت قبضة النام، حتى جندلته بالإضراب السياسي العام.، في انتفاضة ابريل وكان ذلك امتدادا للإرث الثوري المجيد منذ أيام النضال ضد الاستعمار، مرورا بثورة أكتوبر الخالدة. ونبعت ثقة الجماهير في تجمع المهنيين، من ذلك التاريخ المجيد.
النجاح النسبي لثورة في إزاحة رأس النظام السابق، والزخم الجماهيري القوي والواسع، الذي أعقب ذلك، خلق الأرضية المناسبة لاستعادة النقابات. وكان من المهم ان يكون، ذلك الزخم الثوري، بداية حقيقية لإعادة تأسيس الحركة النقابية، على أسس ديمقراطية. فمؤتمر المهنيين، رغم الدور الخالد الذي قام به، ليس نقابات منتخبة ديمقراطيا، من قواعدها. وكان من الهم ان يشرع في التهيئة لعقد الجمعيات العمومية، والضغط لإلغاء القانون، الذي فرضه الاسلامويين بليل. ولكن القادة النقابيين استهلكوا أنفسهم، ودمروا وحدة تجمع المهنيين، في صراع سياسي، ولم يتعلموا كيف كانت الحركة النقابية تعالج صراعاتها، مهما احتدت.
لعبت اللجنة الأمنية للنظام السابق، التي أسمت نفسها المجلس العسكري الانتقالي، دورا ذكيا تجاه المسألة النقابية، فقاموا بحل النقابات السابقة، في خطوة للانحناء امام عاصفة الجماهير. ثم اعادوا نفس النقابات، قبل أسبوعين، من جريمة فض الاعتصام. مما اعطى الفلول فرصة كبيرة للتحرك الداخلي والخارجي، بحرية تامة. فقد خاطب رئيس الاتحاد عدة مؤتمرات نقابية عالمية. وأصدر بيانات تحدثت، كذبا، عن مطالب العاملين، والغلاء، وهي القضايا التي لم يتعرضوا لها خلال ثلاثين عاما.
قام مركز الأيام للدراسات، مع عدد من الكوادر النقابية، بإعداد مسودة لقانون للنقابات، يحل محل القانون الذي فرضه النظام البائد. ولكن بطء الحركة، والدور السلبي الذي قام به بيروقراطيو وزارة العمل. كما ان اتحاد الفلول قدم مذكرة الى منظمة العمل الدولية شاكيا من انعدام الحريات النقابية في السودان. أدي ذلك لتحرك المنظمة العالمية، فازدادت ثقة من هم في قمة وزارة العمل للعمل من اجل استمرار قانون النظام القديم.
أهملت قوي الحرية والتغيير، والحكومة الانتقالية، قضية النقابات ولم تتعامل معها بالجدية الكاملة، التي تستحقها. ولم تتعلم من تجربة حكومة ثورة أكتوبر، وحكومة الانتفاضة، في تعاملهما مع قضية قانون النقابات. وأستمرأ القادة الذين تم تعينهم فيما سمي بلجان التسيير، ذلك الوضع، ولم يهتموا بالغرض الأساسي لهم في الاعداد للجمعيات العمومية والانتخابات. فضاعت سنوات مهمة، كانت من الممكن ان تساهم في تغيير الواقع السياسي، الذي مهد الأرض لانقلاب 25أكتوبر المشئوم.
رغم هذه الصورة السالبة، الا أن هناك ومضات إيجابية تمت في بعض النقابات. أتفق قادة تيارات الأطباء الأربع، ونسقوا من اجل قيام نقابة ديمقراطية. وبذلت اللجنة المكلفة جهودا كبيرة، خلال ثلاث أعوام، عقدت خلالها مئات الاجتماعات، في كل مستشفيات السودان، حتى تم انتخابات اللجنة التمهيدية الحالية. كما نجح الصحفيون في اجراء انتخابات نقابتهم، فأصبحت نقابة شرعية ديمقراطية منتخبة من قواعدها. وتبعهم الدراميون. وكذلك التحركات القاعدية الشجاعة، التي تمت، في عشرات المصانع والمكاتب والبنوك. وكنا، حينها ندعو ونكرر النداء، بضرورة ان يتوسع ذلك الحراك، ليصبح حركة جماهيرية قوية ومدعومة من قوى الثورة، من اجل عقد الجمعيات العمومية لانتخاب قيادات حقيقية. ولكن، يا للأسف، لم يتم ذلك، فقد كانت القوي السياسية منشغلة بصراعاتها.
الآن، في ظل هذه الحرب الكارثية، والدمار الشامل الذي تم لكل مؤسسات العمل، يصبح، الدور التاريخي المعروف للنقابات في حكم المعدوم. لكن ذلك يجب الا يصمت الصوت النقابي، في رفضه للحرب، وتمسكه بالسلام، وبعودة الحياة الطبيعية لشعبنا.
وفي ختام، هذه المقال القصير والمركز، اقترح على النقابيين، ان يتدارسوا تجربتهم بعد ثورة ديسمبر المجيدة، وان يخرجوا بخلاصات تفيد عملهم المستقبلي. اعتقد في مقدمة وأهم القضايا، التي يجب التدارس حولها، هي قضية الانقسامات التي حدثت، وكيف عالجت النقابات، تاريخيا، الانقسامات بالديمقراطية النقابية الحقيقية. وكذلك قضية السياسة والعمل النقابي، وتحديد فهم واضح لرفض تسيس العمل السياسي وتبييعه لحزب سياسي، والتفريق بينه وبين حق النقابات في ممارسة السياسة بمفهومها الوطني العام، كما مارستها تاريخيا. بالإضافة للضرورة التاريخية بالتدريب النقابي، للأجيال الجديدة، التي تصدت للعمل النقابي في أصعب الظروف
siddigelzailaee@gmail.com
المصدر
المصدر: سودانايل
إقرأ أيضاً:
الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
منذ أكثر من 10 سنوات، عندما اندفعت عربة مدرعة أوكرانية لتحطم حاجزا نصبه "الانفصاليون" الموالون لـ روسيا في مدينة ماريوبول، تحول الضابط الشاب ميخايلو دراباتي إلى أحد رموز المقاومة الأوكرانية.
واليوم يعود الرجل نفسه إلى الواجهة، لكن في ظرف أكثر تعقيدا، بعدما اختاره الرئيس فولوديمير زيلينسكي قائدا أعلى للقوات المسلحة خلفا للجنرال أوليكسندر سيرسكي، في خطوة لا تعكس مجرد تغيير للأشخاص بقدر ما تمثل تحولا في فلسفة إدارة الحرب التي تخوضها أوكرانيا ضد روسيا.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2عزلة القوة.. "الفراغ الأمريكي" يفاقم أزمة الشرعية الإسرائيليةlist 2 of 2الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟end of listويرى تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز ، وأعده الكاتب مارك سانتورا أن تعيين دراباتي يأتي في لحظة توصف بأنها من أكثر مراحل الحرب حساسية، إذ تتزامن مع انتقال عسكري وسياسي معقد، في وقت تواجه فيه أوكرانيا حرب استنزاف طويلة أصبحت التكنولوجيا، ولا سيما الطائرات المسيرة، العامل الأكثر حسما فيها.
ويشير سانتورا إلى أن القائد الجديد البالغ من العمر 43 عاما، ينتمي إلى جيل جديد من الضباط الأوكرانيين الذين نشأوا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ويؤمنون بأن مستقبل الحرب يعتمد على الابتكار والمرونة أكثر من اعتماده على أساليب القتال التقليدية.
ويوضح التقرير أن دراباتي يعد أحد أبرز مهندسي إستراتيجية "خط الطائرات المسيرة" التي تقوم على إنشاء نطاق قتالي متواصل خلف خطوط المواجهة يعتمد على الطائرات المسيرة الهجومية والاستطلاعية والأبراج الآلية، بدلا من الاكتفاء بخنادق ثابتة تتعرض باستمرار للهجمات الروسية.
وقد ساعد هذا الأسلوب -حسب الصحيفة- في إبطاء التقدم الروسي، ومنح القوات الأوكرانية فرصة لاستعادة زمام المبادرة في بعض الجبهات للمرة الأولى منذ سنوات.
غير أن التغيير العسكري لم يكن منفصلا عن أزمة سياسية داخلية، إذ يلفت سانتورا إلى أن قرار زيلينسكي بإقالة وزير الدفاع الإصلاحي ميخايلو فيدوروف، الذي كان يقود عملية تحديث الجيش وتوسيع استخدام الطائرات المسيرة والأنظمة الآلية، فجر احتجاجات في كييف ومدن أخرى، بعدما اعتبر كثير من العسكريين أن الرئيس انحاز في البداية إلى سيرسكي في خلافه مع الوزير حول مستقبل الحرب.
إعلانلكن اتساع الاحتجاجات، التي تحولت من المطالبة بإعادة فيدوروف إلى الدعوة لإقالة سيرسكي، دفع زيلينسكي في النهاية إلى تغيير القيادة العسكرية وتعيين دراباتي، المعروف بتأييده لرؤية فيدوروف القائمة على التكنولوجيا واللامركزية في اتخاذ القرار.
وترى صحيفة تايمز البريطانية -في تقرير لمراسلها مارك بينيتس- أن دراباتي لم يكتسب شهرته من مكتبه، وإنما من ساحات القتال.
ويستعيد بينيتس واقعة ماريوبول عام 2014، حين أمر دراباتي سائق المدرعة باقتحام الحاجز قائلا "انطلق بأقصى سرعة".
المهمة الجديدة للجنرال دراباتي تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة
بواسطة مارك سانتورا
قائد جريءوتحول تسجيل تلك العملية إلى رمز متداول على وسائل التواصل الاجتماعي بعد إعلان تعيينه قائدا للجيش، باعتباره يجسد صورة القائد الجريء الذي يفضل المبادرة والمخاطرة على التردد.
وتضيف الصحيفة أن دراباتي واصل بناء سمعته خلال الحرب الحالية، إذ شارك في وقف التقدم الروسي نحو مدينة كريفي ريه، مسقط رأس زيلينسكي، وأسهم في تحرير خيرسون، قبل أن يتولى "قيادة القوات البرية" عام 2024، حين أعلن مباشرة عزمه على تنفيذ إصلاحات واسعة لمحاربة الفساد داخل المؤسسة العسكرية.
ورغم استقالة دراباتي بعد أشهر قليلة إثر مقتل عشرات الجنود في مراكز تدريب نتيجة ضربات روسية، معلنا أن القادة يجب أن يتحملوا مسؤولية إخفاقاتهم، فقد أعاده زيلينسكي بعد يومين فقط لقيادة القوات المشتركة، في خطوة عكست استمرار الثقة في قدراته العسكرية.
مهمات جديدة معقدةغير أن المهمة الجديدة تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يقول تقرير نيويورك تايمز، إن دراباتي يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة، إضافة إلى حماية شبكة الطاقة الأوكرانية من الهجمات الشتوية، في وقت تتراجع فيه مخزونات الذخائر الخاصة بأنظمة الدفاع الجوي، فضلا عن ضرورة وقف التقدم الروسي البطيء في إقليم دونباس.
كما يواجه القائد الجديد تحديا سياسيا لا يقل صعوبة عن التحديات العسكرية، إذ سيكون مطالبا بالحفاظ على استقلالية القرار العسكري التي يدافع عنها الإصلاحيون، وفي الوقت نفسه التعامل مع ميل زيلينسكي إلى التدخل المباشر في إدارة العمليات الميدانية.
ويرى محللون -نقل عنهم كاتب التقرير مارك سانتورا- أن نجاح دراباتي لن يقاس فقط بما يحققه على الجبهات، وإنما أيضا بقدرته على إدارة هذه العلاقة الحساسة مع الرئاسة، ومنع تحول الخلافات السياسية إلى عبء إضافي على الجيش.
نهاية مرحلةفي المقابل، تقدم كارلوتا غال في صحيفة نيويورك تايمز قراءة موازية تركز على القائد المقال أوليكسندر سيرسكي، معتبرة أن إبعاده يمثل نهاية مرحلة كاملة في تاريخ الجيش الأوكراني.
وتقول غال إن سيرسكي كان أحد أبرز القادة الذين تصدوا للهجوم الروسي منذ الأيام الأولى للغزو عام 2022، وقاد معركة الدفاع عن كييف، ثم أشرف لاحقا على توسيع استخدام الطائرات المسيرة والروبوتات في ساحة القتال.
إعلانلكن الكاتبة ترى أن إنجازاته العسكرية لم تعد كافية لحمايته من الانتقادات المتزايدة، بعدما اتهمه كثير من الضباط باتباع أسلوب قيادة شديد المركزية، والإصرار على الاحتفاظ بمواقع عسكرية أصبحت غير قابلة للدفاع، وهو ما أدى -حسب منتقديه- إلى خسائر بشرية كبيرة.
صراع بين مدرستين
وتشير غال إلى أن الخلاف بين سيرسكي ووزير الدفاع السابق ميخايلو فيدوروف لم يكن مجرد نزاع شخصي، بل كان يعكس صراعا بين مدرستين مختلفتين في إدارة الحرب، الأولى تتمسك بقيادة تقليدية تعتمد على التسلسل الهرمي الصارم، والثانية تدعو إلى منح القادة الميدانيين حرية أكبر في اتخاذ القرار، وتسريع دمج التكنولوجيا والطائرات المسيرة والأنظمة الذكية في العمليات العسكرية.
وقد أدى هذا الصراع في النهاية إلى خروج الرجلين معا من المشهد، وإن كان تعيين دراباتي يوحي بأن رؤية فيدوروف الإصلاحية ما زالت تحظى بتأييد داخل دوائر صنع القرار.
وتضيف الصحيفة أن القائد الجديد يتبنى فلسفة تقوم على منح الوحدات المقاتلة صلاحيات أوسع للاستجابة السريعة لتغيرات الميدان، مع الاعتماد بصورة أكبر على البيانات الفورية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة.
أزمة الموارد البشريةويعتقد محللون أن هذه المقاربة قد ترفع كفاءة العمليات وتزيد من قدرة الجيش على مواجهة التفوق العددي الروسي، لكنها لن تكون كافية وحدها إذا لم تعالج أوكرانيا أزمة التجنيد المزمنة ونقص الموارد البشرية.
وتتفق صحيفة تايمز البريطانية مع هذا التقييم، لكنها تضيف بعدا سياسيا أوسع، إذ ترى أن تعيين دراباتي يمثل أيضا اختبارا للرئيس زيلينسكي نفسه، لأن الأزمة الأخيرة التي اندلعت عقب إقالة وزير الدفاع كشفت حجم التوتر داخل المؤسسة الحاكمة، وأظهرت أن الحرب لم تعد الساحة الوحيدة التي يواجه فيها الرئيس تحديات متزايدة.
وتنقل الصحيفة عن المحلل السياسي فولوديمير فيسينكو قوله إن ما جرى أبرز مرة أخرى أن السياسة الداخلية أصبحت نقطة الضعف الرئيسية في رئاسة زيلينسكي، وهو أمر قد ينعكس على مستقبله السياسي عندما تسمح الظروف بإجراء الانتخابات الرئاسية المؤجلة بسبب الحرب.