القاهرة "د.ب.ا": على الرغم من مرور 86 عاماً على وفاته، ومرور 103 أعوام على تحقيقه للاكتشاف الأثري الأكبر والأهم في التاريخ، فإن الغموض لا يزال يحيط بشخصية البريطاني هوارد كارتر، مكتشف مقبرة وكنوز الفرعون الذهبي الملك توت عنخ آمون، حيث يبقى كارتر - الذي عاش ما بين عامي 1874 و1939- المستكشف الأكثر جدلا في أوساط الآثاريين وعلماء المصريات، بمصر والعالم أجمع، وذلك نتيجة للكثير من الظروف التي عاشها، وما صاحب كشفه العظيم عن قبر وكنوز الملك توت عنخ من أسرار لم يكشف الكثير منها حتى اليوم.

وكما يقول الباحث والمؤرخ المصري، فرنسيس أمين - الذي يحتفظ بالكثير من الأرشيف المصوّر لكارتر وما كتب عنه من مؤلفات عربية وأجنبية على مدار العقود الماضية - فإنه يبدو أن الرجل عشق حياة الغموض، وكان يحرص على أن يحيط حياته ببعضٍ من ذلك الغموض الذي استمر ملازما له حتى موته.

وكما تدلنا المصادر التاريخية، فإن هوارد كارتر، لم يكتفي بما اكتسبه من شهرة بعثوره على أعظم الإكتشافات الأثرية في جبانة طيبة القديمة غربي مدينة الأقصر التاريخية بصعيد مصر، في الرابع من نوفمبر عام 1922 - عند اكتشافه لمقبرة وكنوز الفرعون الذهبي الملك توت عنخ آمون - فراح ينسج الكثير من الخيوط من حوله لقصص لا تنتهي، ليظل باقيا في ذاكرة الناس ومثار حديثهم خلال حياته وبعد موته عن عمر ناهز الـ 66 عاما، قضى منها قرابة 44 عاما في وسط الآثار المصرية القديمة، إما رساماً أو ترجماناً أو مستكشفاً لكنوزها.

ويؤكد فرنسيس أمين، أن كارتر كان يعشق الغموض، وكان يستقى حكاياته من كتب المفاجآت، ولذلك فقد جذبه السحر والغموض الذي يحيط بعملية البحث عن قبر الإسكندر الأكبر، على مر الزمان، فراح يعلن لأحد أصدقائه، بأنه يعلم موقع قبر الإسكندر الأكبر، لكن ذلك سيظل سراً لن يخبر به أحدا، وأنه سيحتفظ بذلك السر لنفسه حتى يُحٌمَلَ إلى قبره.

ووفقا لـ "أمين"، فإنه حتى في ظهوره أمام الكاميرات، كان كارتر يحرص على الظهور بطريقة تمثيلية مثيرة للأنظار، ويقف ويسير بكثير من الكبرياء، وذلك كما يظهر في الكثير من صوره.

الغموض - أيضا - أحاط بحب هوارد كارتر لإبنة اللورد هربرت إيرل كارنارفون، ممول مشروع الكشف عن مقبرة وكنوز توت عنخ آمون، ولم يعرف بعد سبب القطيعة التي حدثت بين الرجلين هوارد وهربرت قبيل وفاتهما، وهل القطيعة جاءت بعد أن اكتشف هربرت أن هوارد يعشق ابنته.

ويذهب فرنسيس أمين، إلى القول بأنه ربما كان هوارد كارتر، يشعر بالنقص بالنظر إلى من عمل معهم من مستكشفين كانوا أصغر منه بعقود، نتيجة إلمام هؤلاء المستكشفين وبينهم تيودور ديفيز، بعلوم المصريات، وطرق الوصول للمقابر والكنوز الفرعونية آنذاك، وأن الرجل ربما كان يعاني من مشكلات أخرى جراء ولعه بالظهور في صورة عالم آثار كبير.

خاصة وأن كارتر – بحسب فرنسيس أمين - لم يكن حاصلا على قسط وافر من التعليم، كما كان يخطئ في كتابة أسماء من كان يعمل معهم، وأنه من المؤكد أن ما قام به من أعمال نشر علمي لبعض مكتشفاته الأثرية قد قام به بمساعدة أشخاص آخرين ظلوا مجهولين حتى اليوم.

وربما كان ذلك هو سبب عدم إعلانه عما اكتشفه من آبار وآثار رومانية في الصحراء الشرقية لمصر، فنسبت تلك الإكتشافات لغيره من المستكشفين.

وقد ترك كارتر الأثريين في حيرة، حين عثر على تمثال ذهبي نادر للإله آمون، دون أن يعلن أين وجده.. وبعد فترة من الترقب لدى الأثريين أعلن لهم أنه وجده فى محيط أسوار معبد الكرنك، وهو قول لم يقنع الأثريين، ليظل ذلك التمثال الذهبي للإله آمون، هو أحد الأمور الغامضة بالنسبة لمن تتبعوا مسيرة حياة هوارد كارتر.

لكن أكثر الأمور غموضا وإثارة هو أن صاحب أعظم كشف أثرى شهده العالم فى القرن العشرين، وحتى اليوم، لم يحظ بأي تكريم، ولم يمنح أي ألقاب من قبل الحكومتين البريطانية أو المصرية.

وبحسب الكثير من المؤلفات والشهادات، فإنه بالرغم من كل الغموض الذي لازال يحيط بشخصية هوارد كارتر حتى اليوم، فإن الفضل يرجع إليه في نقل آثار توت عنخ آمون، إلى المتحف المصري بالقاهرة في حالة جيدة من الحفظ.

كما كان صاحب العديد من الإكتشافات الأثرية الأخرى، بجانب اكتشافه لمقبرة وكنوز الملك توت عنخ آمون، فهو من اكتشف المقبرة المعرفة باسم "حدوة الحصان" قرب الدير البحري في غرب مدينة الأقصر، والخاصة بـ "منتو حتب منحبت" وفيها عثر على تمثاله الشهير الموجود ضمن مقتنيات المتحف المصري بالقاهرة.

وبرغم أن هوارد كارتر لم يكن دارسا لعلوم المصريات، ولم يكن عالم آثار بالمعنى الدقيق للكلمة، فإنه عمل منذ العشرين من عمره وسط معابد ومقابر وآثار مصر القديمة، حيث عمل رساما فى مقابر بني حسن بمحافظة المنيا، وآثار منطقة الدير البحري في الأقصر، ورسم الكتابات الهيروغليفية والطيور والنباتات والحيوانات التي تزين مقابر الفراعنة.

والمدهش أن هوارد كارتر كان نجاراً، وكان حداداً، فصنع الأبواب التي تُزين مقابر ملوك الفراعنة في وادي الملوك، وكان كهربائيا، فقام بتوصيل خطوط الكهرباء للمقابر داخل مواسير لا تزال موجود في بعض مقابر وادي الملوك حتى اليوم، وذلك خلال عمله ككبير لمفتشي الآثار في مدينة الأقصر عاصمة طيبة القديمة.

وحين ترك العمل بالآثار، عمل ترجمانا للسياح آنذاك، وحرص على إقامة علاقات ببعض العائلات ذات النفوذ في مصر، مثل عائلة الأمير لطف الله، وعائلة مكرم عبيد، وعائلة بطرس غالى، حيث كان يتقرب لأفراد تلك العائلات بهدف مساعدته في إنهاء المشكلات التي كانت تنشب بينه وبين الحكومة بمصر.

وقد تعرض "كارتر" ورفيقه اللورد هربرت كارنارفون، لاتهامات ببيع كنز ذهبي عثرا عليه في مقبرة الأميرات في جبل القرنة، لمتحف المتروبوليتان، كما اتهم كارتر منفردا ببيع التمثال الذهبي للإله آمون، والذي قال بأنه عثر عليه قرب أسوان، وهكذا عاش الرجل غامضا، ومحاطا بكثير الإتهامات طوال حياته وحتى وفاته عام 1939.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الملک توت عنخ توت عنخ آمون هوارد کارتر حتى الیوم الکثیر من

إقرأ أيضاً:

“سيمفونية البناء”.. كيف تحولت المبادرات المجتمعية إلى شريان حياة للنهضة في اليمن

 في قلب التحديات الراهنة التي تعصف بالبلاد، انبثق من رحم المعاناة حراكٌ تنموي مذهل أعاد صياغة مفهوم العمل الجماعي في اليمن، لم تعد المبادرات المجتمعية مجرد أنشطة عابرة لسد الفجوات الخدمية، بل تحولت إلى استراتيجية وطنية صلبة يقودها المواطنون بأنفسهم، حيث تتعانق سواعد المزارعين والعمال مع رؤى الجمعيات التعاونية لتشييد صروح العلم وحبس قطرات الندى في خزانات عملاقة وشق الصخور الصماء لتعبيد طرق الحياة، لتتحول إلى “سيمفونية البناء” التي تعزف ألحانها اليوم في ذمار وحجة وريمة وصنعاء والحديدة والمحويت ومختلف المحافظات الحرة، معلنةً ميلاد فجر جديد يُصنع بإرادة محلية خالصة، وتكاملٍ رسمي وشعبي غير مسبوق.

 

يمانيون| محسن علي
 
الحراك التنموي الشامل في المحافظات
تشهد المحافظات اليمنية حراكاً تنموياً واسع النطاق، تقوده الجمعيات التعاونية الزراعية متعددة الأغراض، وبدعم لوجستي وفني من وحدة التدخلات المركزية التنموية الطارئة بوزارة المالية، هذا الحراك يرتكز على مبدأ “المشاركة المجتمعية” كحجر زاوية لتحقيق الاستدامة والنهوض بالواقع الخدمي والمعيشي للمواطنين.

جبهة الأمن المائي والخدمات اللوجستية (ذمار وريمة)
في محافظة ذمار، وتحديداً في مديرية وصاب العالي، نجحت جمعية وصاب العالي التعاونية في استكمال واحد من أهم المشاريع المائية في منطقة الحمراء بعزلة المربعة، مشروع خزان “المدن” المائي، الذي تزيد سعته عن مليوني لتر، يمثل قصة نجاح ملهمة؛ حيث تكفل الأهالي بـ 82% من تكاليف الحفر والبناء والتلييس، في حين ساهمت وحدة التدخلات بـ 18% عبر توفير مادة الأسمنت، هذا المشروع لا يلبي الاحتياجات المائية فحسب، بل يعزز الأمن المائي للمنطقة في مواجهة الجفاف.
وبالتوازي مع ذلك، شهدت محافظة ريمة تدشين العمل في مشروع شق طريق “ذرون – المطلس – القبلية – الحرث – بني شرعب” بطول 8 كم وبتكلفة إجمالية بلغت 120 مليون ريال، هذا المشروع الحيوي، الذي يخدم أكثر من 5 آلاف نسمة، يُعد جبهة صمود وتحدٍ، حيث يجسد روح المبادرات المجتمعية في تحسين الواقع الخدمي وفك العزلة عن المناطق النائية بتمويل مشترك بين المجتمع والسلطة المحلية.

تشييد صروح العلم (حجة، صنعاء، والحديدة)
انتقلت روح المبادرة إلى القطاع التعليمي بقوة، ففي محافظة حجة، وتحديداً في مديرية الجميمة، شارف الأهالي على استكمال قطع 7,000 حجر لبناء مدرسة في قرية راشد بوادي حكه، في حين يتواصل العمل بجدية في مدرسة الشهيد طه المحطوري بالمنطقة ذاتها، هذه المشاريع، كما يؤكد رئيس جمعية الجميمة محمد صنعاء، تجسد روح التعاون لتوفير بيئة تعليمية تليق بأبناء المديرية.
وفي مديرية سنحان وبني بهلول بمحافظة صنعاء، انطلقت أعمال بناء ثلاثة فصول دراسية إضافية في مدرسة جعفر الطيار، تحت إشراف هندسي دقيق من جمعية القطاع الجنوبي الشرقي، لتعزيز الطاقة الاستيعابية للمدرسة، أما في محافظة الحديدة، فقد دُشن في مديرية باجل مشروع بناء ستة فصول دراسية بمدرسة التعاون بمربع الأشراف، في خطوة نوعية تهدف لتخفيف الازدحام وتجويد العملية التعليمية بجهود مجتمعية خالصة.

ثورة الطرق وسلاسل القيمة الزراعية (المحويت وحجة)
تعتبر محافظة المحويت اليوم نموذجاً رائداً في مبادرات رصف الطرق؛ ففي مديريات الرجم وجبل المحويت وشبام كوكبان والمدينة، تتواصل أعمال رصف وتوسعة الطرق الوعرة. جمعية الرجم التعاونية قامت بنزول ميداني لتقييم رصف طريق “عبرتين – المخلفة”، بينما شهدت عزلة الوسط بجبل المحويت مبادرة لرصف طريق “بيت الدبش – الباور”، هذه الطرق ليست مجرد مسارات عبور، بل هي شرايين اقتصادية تسهل نقل المدخلات والمخرجات الزراعية وربط المزارعين بالأسواق.
وفي مديرية بني العوام بمحافظة حجة، أشرفت الجمعية التعاونية على ثلاث مبادرات لشق وتوسعة طرق بطول إجمالي يصل إلى 2600 متر، شملت مناطق السرو والغول، بدعم من وحدة التدخلات بمادتي الديزل والإسمنت، مما يعزز من حركة المواطنين والمنتجات الزراعية في هذه المناطق الجبلية الوعرة.

تعزيز الإنتاج الزراعي والاكتفاء الذاتي (الحديدة، حجة، وصنعاء)
على الصعيد الإنتاجي، أطلقت جمعية الحجيلة مبادرة طموحة للتوسع في زراعة أشجار السدر لتعزيز إنتاج العسل اليمني الفاخر، بينما بدأت جمعية الدريهمي بالحديدة برنامجاً متكاملاً لاستلام التمور المجففة من المزارعين وفق معايير جودة عالمية، لرفع قدرتها التنافسية وتطوير سلاسل الإمداد.
وفي سياق السعي نحو الاكتفاء الذاتي، نفذت جمعية معين بأمانة العاصمة مبادرة نوعية لتسويق 580 ديك فيومي بلدي بالشراكة مع جمعية خيرات بلادي ببني قيس، في خطوة تهدف لخفض فاتورة الاستيراد وتعزيز التكامل بين الجمعيات التعاونية الزراعية في مختلف المحافظات.

رؤية استراتيجية للمستقبل
تكشف المبادرات المجتمعية بحراكها الواسع عن حقيقة واحدة: أن اليمن يمتلك ثروة بشرية هائلة قادرة على صنع المستحيل حين تتوفر الإرادة والتكامل،  هذه المبادرات التي شملت المياه والتعليم والطرق والزراعة ليست مشاريع معزولة، بل هي لبنات في مشروع وطني كبير يهدف لتحقيق التنمية المستدامة والاعتماد على الذات، و “إن ما نشهده اليوم هو تحول جذري في عقلية المجتمع، من الانتظار إلى المبادرة، ومن الاستهلاك إلى الإنتاج، وهو الضمان الحقيقي لمستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً لليمنيين.”

مقالات مشابهة

  • «الماء حياة ونماء».. موضوع خطبة الجمعة بمساجد الجمهورية اليوم
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • عاطل بنهى حياة شخص ويصيب اثنين فى قرية السمطا بقنا
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • التحقيقات مع المتهمة بإنهاء حياة والدتها بالإسكندرية .. تصرف صادم من سالي الجباس
  • “سيمفونية البناء”.. كيف تحولت المبادرات المجتمعية إلى شريان حياة للنهضة في اليمن