موقع النيلين:
2026-07-24@03:01:12 GMT

يوم في الجحيم من قلب مباني التلفزيون

تاريخ النشر: 13th, April 2025 GMT

كتب الاخ عادل عوض المخرج بالتلفزيون
يوم في الجحيم
—————————
من قلب مباني التلفزيون
لم تكن مجرد ساعات، بل هو يوم أسود طويل ابتلع داخله أياما كثيرة، وما زالت بقايا من نهاراته ولياليه، تتدثر بعباءته السوداء المظلمة.
كنت أحد العالقين في مباني الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، صباح السبت 15 أبريل 2023. هذا هو توثيقي لتلك اللحظات، شهادة أدوّنها بقلب مرتجف وذاكرة متعبة، آملاً أن تساهم في رسم صورة لما حدث في ذلك اليوم العصيب، يوم استمر معنا حتى الخامسة مساءا… أو ربما إلى ما بعد ذلك بكثير، كثير جدا .


خرجت صباحا بلا سيارة، إذ أن اليوم يوم عطلة، والعربة المخصصة لترحيلي لم تكن متوفرة. كنت قد بعت سيارتي قبل فترة، فاضطررت للجوء إلى المواصلات العامة. سبق وان تم تكليفي بإنتاج سهرة من سهرات عيد الفطر – الذي لم يكن يفصلنا عنه سوى أسبوع. السهرة كنت قد سجلتها من قبل في مدينة الأبيض، وكان من المفترض أن يعينني الأخ طارق مريود في المونتاج، لكن الأقدار سبقت، ورحل عن الدنيا قبل أيام فقط من اليوم المشؤوم. له الرحمة من الله والمغفرة. فقررت أن أتحمّل المونتاج وحدي.
في موقف المواصلات، التقطت أذني نداء من احد الواقفين :
“يا جماعة هوي، الماشي الخرطوم أحسن ما يمشي… في ضرب بين الجيش والدعم السريع.”
، بدا لي الكلام مبالغا فيه نوعا ما. حاولت الاتصال بزملاء في الخرطوم، لكن كل المحاولات فشلت. ومع تزايد الحديث داخل الحافلة، بدأت ملامح الخطر تتشكل في ذهني. كان الركاب يجرون اتصالات مع ذويهم، وأكد كثيرون أن هناك بالفعل معارك تدور. بعض الركاب ترجلوا، أما أنا، فقد واصلت الطريق رد علي أحد الزملاء من قاطني الخرطوم يبلغني ان الاقتتال بدء فى المدينة الرياضية لكنه انتقل الى مواقع اخرى.
عند ‘صينية’ الزعيم إسماعيل الأزهري، حوالي الساعة العاشرة، تناهى إلى سمعي دوي قذائف من جهة بحري. نزلت، حاولت إيقاف “ركشة”، لكن السائقين كانوا يرفضون. الزحام كان خانقا، إذ كان القتال قد وصل إلى منطقة المظلات. قررت أن أكمل الطريق إلى التلفزيون راجلاً، فيما كانت أصوات الرصاص تتعالى .
حين وصلت إلى الارتكاز القريب من سجن أم درمان، بالقرب من الفنون الشعبية أوقفني أحد أفراد الاستخبارات:
“ماشي وين يا اخينا؟” أجبته وانا اريه البطاقة : “ماشي التلفزيون.” نظر إليّ بحدة دون الاطلاع على البطاقة ثم قال: “والله ان بنصحك انو ترجع الوضع ما كويس .” لكن حين رأى إصراري، اكتفى بالقول: “على كيفك.”
مشيت. وكان كل شيء حولي ساكنا الشارع خالى من المارة تماما .
وكانه ينذرني بأن المكان الذي أعتزم الوصول إليه يوشك ان يمسى ساحة حرب. . كل خطوة كنت أخطوها كانت تقترب بي من المجهول… وربما الموت.
تجاوزت الارتكاز في طريقي الى البوابة ، كان كل شيء يبدو في وضعه الطبيعي، لكن داخلي كان مضطرباً.
كانت ملامح الجنود في الارتكاز غير تلك التي اعتدنا عليها طوال فترات سابقة. كانو يقومون بتغيبر ازيائهم وتجهيز اسلحتهم. التفت إلى مبنى المصنفات ووجدت ان الدبابة التى كانت ببوابة الاذاعة الغربية غير موجودة ورأيت زيت ماكنتها قد ملأ الأرض. كل خطوة اخطوها كانت تزداد معها ضربات قلبى . وبالفعل دخلت بباب الاذاعة و وجدته خاليا من الموظفين تقريباً. فقط موظف الاستقبال وبعض افراد المباحث .
عندما وصلت إلى مبنى الأخبار وجدت الاخوة الفنيين لم يكن بينهم أي محرر . إذ أن واحدة من المحررات تمت اعادتها فى نفس العربة التي احضرتها بعد تحذير رجال الامن والاستخبارات لهم . فعادت كل العربات وعليها الموظفين عدا فريق الاخبار والمهندسين .
أول من قابلت كان الأخوة عمر محمد صالح والأخ مبارك خاطر ثم الأخ علاء الدين محمود. عند دخولي غرفة الكنترول كانت هناك المخرجة تغريد حسن برفقة محرر الصورة وليد زروق. وأحد الشباب يدعى معز يعمل في جهاز مولد الحروف والملقن .وكان هناك عدد من المهندسين فى المبنى. منهم محمد العبيد والأخ محمد بشير فني الكهرباء.
عدت وجلست مع الاخوة عمر ومبارك وعلاء. وجعلنا نحكي حكايات تدور حول مبارك خاطر الذي صادف أكثر من انقلاب داخل مباني الاذاعة والتلفزيون. ظللنا على هذا الحال حتى الساعة الساعة الثانية عشر.
في تلك الأثناء، كانت أصوات الرصاص تتردد من بعيد، تقترب أحيانا و تعلو و تخفت أحيانًا أخرى، وكلما مر الوقت ازداد شعوري بعدم الأمان. لم نكن نعلم ما إذا كان من الأفضل المغادرة أم البقاء. كان الهاتف المحمول يفقد الإشارة من حين إلى آخر،
بدأ القلق يتصاعد، ليس فقط بسبب الأصوات، بل بسبب الغموض. لا أحد يعرف من يسيطر على ماذا، ولا إلى أين تتجه الأمور. لم يكن هناك إعلان رسمي ولا توجيهات واضحة، وكل ما حولنا يوحي بأننا نعيش لحظة استثنائية، لكنها غير مفهومة بالكامل.
قمت باخراج الكاميرا من الاستديو لتصوير الاحداث المتوقعة لكني أعدتها مرة اخرى عند اعتراض عمر وتغريد خوفا من ان تتسبب هذه ‘الحركة’ في مقتلنا . كان صوت الرصاص قد اصبح قريبا جدا من نبنى الاخبار .
عدت إلى غرفة الكنترول، فوجدت وليد زروق يحاول الاتصال بأحد الأرقام التي أعطاها له مبارك خاطر، وكان الرقم يخص ضابطا برتبة عميد. نجح الاتصال، وتم تشغيل الشعار، وبدأ مبارك تقديم البرنامج بكلمات جميلة وهادئة، رغم وقع الرصاص المتصاعد من حولنا.
وقبل ان يشرع العميد في الحديث، انقطع الخط فجأة. حاول وليد إعادة الاتصال، لكن دون جدوى. وفي اللحظة ذاتها، دوى الرصاص كالسيل الجارف داخل غرفة التحكم، وتحطمت نوافذ الزجاج من فوقنا ومن حولنا، وسرت رجفة في الأجساد، دب الرعب في قلوبنا، لا نعلم من أين تأتي الطلقات، ولا إلى أين نركض.
ركضنا جميعا إلى الممر، وتجمعنا أسفل السلم، ظنا أنه أكثر الأماكن أمانا. كنا محاصَرين بين قوتين: قوات الدعم السريع داخل مباني التلفزيون، والقوات المسلحة من الخارج. كانت دبابة الجيش قد تمركزت خلف مبنى الأخبار على شارع النيل كانت على بعد ثلاثين مترا منا، يقودها النقيب عبد القادر، رجل نبيل صاحب وجه مألوف، ومعه أحد أفراد الاستخبارات يدعى حسين.
فجأة، انطلقت قذيفة من تلك الدبابة، ويبدو انها كانت خطأ ولشدة دويها تهشمت النوافذ، وسقط الزجاج متناثرا من قناة النيل الأزرق التي تقع في الطابق العلوي من مبنى الاخبار . ، فيما تواصل إطلاق النار بلا انقطاع، لأكثر من ساعة ونصف، ونحن نرتجف تحت السلم. بعضنا حاول مدارة خوفه بالثرثرة، وبعضنا ظل يرفع صوته بالحديث مع ذويه عبر الهاتف، لعل في ذلك طمأنينة.
تذكرت أنني لم أتصل بأهلي. تسللت إلى غرفة الكنترول، والتقطت سماعة الهاتف الأرضي. كنت أتكلم بسرعة، أشرح ما يحدث وأطلب منهم الدعاء. وما إن هممت بوضع السماعة، التفتُّ عبر الزجاج المظلل ناحية الشارع، فرأيت من يصوّب سلاحه نحوي مباشرة. ربما لمح ظلي، أو أنها محض صدفة. تراجعت بسرعة، وفي اللحظة ذاتها دوّى طلق ناري، اخترق الزجاج، وتجاوزني ليستقر في إحدى الشاشات.
ركضت عائدا نحو السلم، والسماعة ما زالت تتأرجح تنقل أصوات الرصاص إلى زوجتي وابني. الذين ايقنوا بأنني قد قُتلت. بعد قليل، عدت ورفعت السماعة، فسمعت صراخ ولدي وهو يصرخ: “أبوي… أبوي!” وصوت زوجتي يتردد بوجل: “يا عادل… يا عادل!” فطمأنتهم بصوت مرتجف: “أنا كويس… الحمد لله، ما في عوجة.” ثم أغلقت الخط وعدت إلى زملائي.
كان أحدهم في حالة من الارتباك، لا يدري ما يفعل، فأشرت إليه أن يقرأ القرآن. بدأت أردد: “حسبنا الله ونعم الوكيل”، ثم آية الكرسي، وآيات الحفظ. كان الموت يحوم حولنا، نشعر به يمر بيننا، يراقبنا، ويختار. ويبدو أن الجميع كان يلوذ بالدعاء مثلي.
احترقت الدبابة التي خلفنا. استشهد المقدم عبد القادر، وكان يمكن رؤية النار تلتهم طرفا من ملابسه عبر الزجاج. كما استشهد الصول حسين بجانبه. بفعل النيران، بدأت قذائف الدبابة تنفجر واحدة تلو الأخرى، كنا نظن أن الجيش ما زال يطلقها. تساقط الزجاج مجددا، وزاد رعبنا.
كنت احاول جاهدا ان اتماسك وابعد الخوف قدر المستطاع
هدأ صوت الرصاص قليلًا، فتخيلنا أن الجيش قد سيطر، وأن الأمر انتهى. لكن فجأة، دخل علينا جندي من قوات الدعم السريع يحمل بندقية كلاشنكوف. رأيته قبل أن يراه الآخرون، وسكن داخلي إحباط قاتل. شعرت أن النهاية قد حانت. بدأت أتشهد.
نواصل

إنضم لقناة النيلين على واتساب

المصدر

المصدر: موقع النيلين

إقرأ أيضاً:

حيلة المناشف وقميص ميسي.. تفاصيل العملية التي أطاحت بشبكة الـ 32 مليون دولار

صادرت هيئة الجمارك وحماية الحدود الأميركية أكثر من 445 ألف قطعة مقلدة مرتبطة بكأس العالم 2026، بينها قمصان كرة قدم، خلال عمليات أمنية نُفذت في أنحاء البلاد بالتزامن مع البطولة، فيما قدرت الخسائر التي تكبدتها الصناعة بسبب هذه التجارة غير المشروعة بنحو 32 مليون دولار.

وقبيل المباراة النهائية التي أقيمت على ملعب "ميتلايف" في نيوجيرسي، أطلقت السلطات الأميركية عملية حملت اسم "صافرة النهاية"، استهدفت بيع وتوزيع المنتجات المقلدة بصورة غير قانونية.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2الفيفا يبرئ الجزائر والنمسا في تقرير الـ 104 مبارياتlist 2 of 2لامين جمال وهالاند يتصدران قائمة أغلى لاعبي العالم بعد مونديال 2026end of list

وكان قميص النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي الأكثر حضورًا بين المضبوطات.

وقال فرانك روسو، مدير العمليات الميدانية في مكتب الجمارك وحماية الحدود الأميركي بنيويورك، في تصريحات لصحيفة "ذا أتلتيك": "إنه ميسي. لقد شاهدنا الكثير من قمصان ميسي، خصوصًا مع المستوى الرائع الذي قدمه. نضبط قمصان مختلف اللاعبين، لكن الأكثر شعبية هم الأكثر حضورًا".

وفي الأكشاك المؤقتة المنتشرة قرب المناطق السياحية المحيطة بميدان "تايمز سكوير"، كانت قمصان الأرجنتين تُباع مقابل 30 إلى 40 دولارًا، مقارنة بنحو 110 دولارات للنسخ الرسمية من شركة أديداس. ومع تجمع المشجعين الأرجنتينيين في المنطقة قبل النهائي وبعد خسارة منتخب بلادهم، كان قميص ميسي رقم 10 الأكثر رواجًا.

وأقر العديد من المشجعين، عندما سألتهم الصحيفة عن قمصانهم، بأنها نسخ مقلدة منخفضة السعر، اشتروها داخل الولايات المتحدة أو عبر الإنترنت.

جماهير الأرجنتين في تايمز سكوير بنيوورك خلال نهائي مونديال 2026 بين التانغو وإسانيا (الفرنسية)مصادرات عدة في مدن أمريكية

وفي نيويورك وحدها، أسفرت عمليات ضبط 2000 طرد وتفتيش 1400 رحلة جوية وشحنة بضائع عن مصادرة 65 ألف قطعة.

وفي المدن الأمريكية الـ11 المستضيفة لمباريات البطولة، نفذت جهات إنفاذ قانون أخرى، بينها المركز الوطني لتنسيق حقوق الملكية الفكرية، مداهمات استهدفت الأكشاك المحيطة بالملاعب ومراكز المدن، ضمن عملية حملت اسم "اللاعب الجماعي".

إعلان

وأسفرت العمليات عن ضبط كميات كبيرة، من بينها 16 ألف قطعة في ميامي و12 ألفًا في هيوستن، إضافة إلى 16 ألف قطعة أخرى في تورونتو الكندية، إحدى المدن المستضيفة للبطولة.

وقال روسو: "كما يحدث مع سوبر بول، نشهد دائمًا زيادة هائلة في عدد هذه الشحنات ليس فقط قبل المباراة النهائية، بل حتى بعد نهايتها".

حيلة "المناشف"

وفي إحدى الشحنات التي أثارت انتباه المحققين، أظهرت بيانات الحمولة أن محتوياتها لا تتجاوز المناشف، لكن عملية التفتيش كشفت عن حقيقة مختلفة تمامًا، إذ عثر المحققون على أكثر من 2000 قطعة من المنتجات المقلدة، بينها قمصان كرة قدم مرتبطة بالبطولة.

وتكشف هذه الواقعة عن الأساليب التي تلجأ إليها شبكات تهريب المنتجات المقلدة لإخفاء طبيعة بضائعها وتضليل عمليات التفتيش الجمركي، من خلال تسجيل محتويات الشحنات على أنها سلع عادية لا تثير الشبهات.

وتزداد صعوبة التصدي لهذه التجارة بالنظر إلى حجم تدفق هذه المنتجات إلى السوق الأميركية، إذ تشير البيانات إلى أن ما بين 60 و70% من السلع المقلدة التي تصل إلى الولايات المتحدة عبر الشحن الجوي والبحري مصدرها الصين وهونغ كونغ، اللتان تُعدان من أبرز مراكز تصنيع قمصان كرة القدم المقلدة في العالم.

وتستغل هذه الشبكات الطلب الكبير على قمصان المنتخبات والنجوم، خصوصًا خلال البطولات الكبرى، لطرح نسخ أرخص من القمصان الرسمية، مستفيدة من فارق الأسعار لجذب المشجعين، قبل إدخال هذه المنتجات إلى الأسواق عبر شحنات قد تُسجل أحيانًا تحت أوصاف لا تعكس محتوياتها الحقيقية.

مصادرة أقمصة مقلدة خاصة بمنتخبات كأس العالم 2026 (مواقع تواصل)

وأكدت هيئة الجمارك وحماية الحدود الأميركية أن هدفها لا يقتصر على حماية حقوق الملكية الفكرية، بل يشمل أيضًا حماية الأمن الاقتصادي ومنع وصول عائدات هذه التجارة إلى "أيدي المنظمات الإجرامية" أو الجهات المستفيدة من العمل القسري.

وأقر روسو بصعوبة إقناع المشجعين الذين يرون أن أسعار القمصان الرسمية مرتفعة، قائلاً إن السلطات بحاجة إلى بذل جهد أكبر لتوعية الجمهور بالمخاطر، ومنها إمكانية استخدام عائدات تجارة المنتجات المقلدة في تمويل أنشطة تتراوح بين الإرهاب وغسل الأموال وغيرها من الجرائم.

مقالات مشابهة

  • ترامب: تكلفة الأضرار بالسفن ستُدفع من الأموال الإيرانية التي نسيطر عليها
  • التلفزيون الإيراني: سماع دوي انفجارات في جزيرة قشم
  • سيناريوهات يستعرض أبرز التحديات التي تواجه الحية في رئاسة حماس
  • ‏التلفزيون الإيراني: انفجارات في جزيرة قشم قادمة من مضيق هرمز
  • ترامب: إيران أضعف مما كانت عليه قبل 4 أشهر
  • توكا: أزمة الكهرباء أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن الليبي
  • حيلة المناشف وقميص ميسي.. تفاصيل العملية التي أطاحت بشبكة الـ 32 مليون دولار
  • محمد ثروت: مصر لو فازت بكأس العالم الإحتفالات كانت هتستمر لمدة شهر وهيكون فيه عيد كأس العالم
  • السفير رياض منصور : قابلت الرئيس السيسي منذ 10 سنوات .. وكان لديه رؤية عميقة
  • الأطباء أكدوا أن حالتي كانت خطيرة .. الأنبا موسى يكشف تفاصيل أزمته الصحية