ما يجب أن ينتبه له المسلمون في كندا
تاريخ النشر: 20th, April 2025 GMT
تجري يوم الاثنين 28 أبريل/ نيسان الجاري الانتخابات التشريعية رقم 45 في كندا وسط توقعات بفوز الحزب الليبرالي بعهدة رابعة على التوالي بقيادة الزعيم الجديد للحزب ورئيس الحكومة ماك كارني، خلفًا لجاستن ترودو الذي استقال من منصبه يوم 9 مارس/ آذار الماضي بعد ضغوط كبيرة ومطالبات واسعة من أعضاء حزبه بالتنحي وأزمة سياسية لم يجد لها حلًّا.
تكتسي هذه الانتخابات أهمية بالغة بالنسبة لعموم الكنديين باعتبار السياقات التي تأتي فيها ولطبيعة الرهانات والتحديات التي يعيشها الكنديون.
من حيث السياقات، تأتي هذه الانتخابات في سياق وضع سياسي واقتصادي معقد. سياسيًّا، تواجه كندا تحديات داخلية بعضها من نتائج حكم رئيس الوزراء ترودو التي أجبرته على الاستقالة من منصبه بعد فضائح وتوترات داخل حزبه وخلافات على مستوى تحالفه البرلماني مع حزب "الديمقراطيون الجدد".
يضاف إلى ذلك ارتفاع معدلات التضخم وارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة، مما أثّر على القوة الشرائية للمواطنين، وأزمة السكن التي ألهبت أسعار البيوت والشقق، وأثقلت كاهل المستأجرين بما يفوق قدرتهم.
كما يعتبر التغير المناخي واحدًا من أهم تحديات ورهانات هذه الانتخابات نتيجة ما تشهده كندا من تعاظم التأثيرات على البيئة والتغير المناخي مثل حرائق الغابات والفيضانات.
إعلانمن الرهانات الأخرى الهامة التي لا تغيب تقريبًا عن كل انتخابات، ملفّ سياسات الهجرة الذي عاد في السنة الأخيرة ليثير نقاشات حول التوازن بين تلبية احتياجات سوق العمل، والحفاظ على الهُوية الثقافية والاجتماعية للبلاد، وملف الصحة العامة والرعاية الصحية، خاصة بعد جائحة "كوفيد-19″، مع التركيز على تحسين الخدمات وتقليل فترات الانتظار في المشافي الكندية.
في سياق آخر، عرفت كندا في ظل حكم ترودو تراجعات كبرى على مستوى موقعها وتأثيرها في العلاقات الدولية في ظلّ التوترات والتحولات الجيوسياسية العالمية، بدءًا بالحرب الروسية الأوكرانية وانتهاءً بالحرب على غزة، خاصة فيما يتعلق بالعلاقات مع الولايات المتحدة والصين، ودور كندا في المنظمات الدولية.
يضافُ إلى كلّ ذلك مشكلة الرسوم الجمركية التي فرضتها في الفترة الأخيرة إدارة الرئيس ترامب على البضائع الكندية المصدرة إلى الولايات المتحدة الأميركية (25%)، ما جعلها أبرز تحدٍّ وأكبر رهان لهذه الانتخابات.
الديمغرافيا المسلمة في كندايبلغ عدد المسلمين في كندا حسب مؤسسة "إحصائيات كندا" الحكومية لسنة 2021 ما جملته مليون و800 ألف نسمة، ما يمثّل 4.9% من سكان كندا، في تطور لافت نتيجة عوامل عديدة منها الهجرة، وارتفاع نسبة الولادات.
ويتوزع المسلمون على أغلب المقاطعات الكندية، مع كثافة أكبر في مقاطعتي أونتاريو (Ontario) الإنجليزية، وكيباك (Québec) الفرنسية.
يبلغ عدد المسلمين في أونتاريو 943 ألف نسمة، ما يمثّل 6.7% من سكان المقاطعة، منهم 626 ألفًا في مدينة تورنتو (10.2% من عموم سكان المدينة)، بينما يبلغ عددهم في كيباك 422 ألف نسمة، ما يمثل 5.1% من عموم سكان المقاطعة، منهم 366 ألف نسمة في مونتريال يمثلون 8.7% من عموم سكان المقاطعة. ويمثّل مجمل عدد المسلمين في المقاطعتين قرابة 80% من عددهم الإجمالي في كندا.
إعلان الموقف من غزة قاعدة للفرزإضافة إلى الرهانات والتحديات العامة، يجد المسلمون في كندا أنفسهم أمام رهان خاص بهم، هو الموقف من الحرب على غزة الذي يرى فيه الكثير من النشطاء وقادة الرأي فرصة هامة لتثمين صوتهم الانتخابي، ربما لأول مرة، على قاعدة موقف الأحزاب الكبرى المتنافسة من هذه الحرب بين التأييد والإدانة.
كانت هذه الانتخابات فرصة "تاريخية" لإثارة جدل مهمّ، ربّما غير مسبوق، في أوساط المسلمين الكنديين يتعلق بتحديد وجهة الصوت المسلم في هذه الانتخابات.
رغم الاتفاق الغالب على اعتبار موقف الأحزاب المتنافسة من الحرب على غزة، بين من أيّد وبين من أدان، عنصرًا مهمًّا في تحديد وجهة الصوت المسلم، يسود المسلمين الكنديين خلافٌ بين من يرى أن الموقف من الحرب هو واحد من بين اعتبارات أخرى في تحديد وجهة التصويت، مثل الوعود الانتخابية في مجالات محدّدة مثل السكن والهجرة والصحة والسياسات الخارجية، وبين من يعتبره المعيار الوحيد في تحديد وجهة الصوت المسلم، حيث يرى أصحاب هذا الرأي أن التصويت يجب أن يكون له عنوان واحد هو غزة، أي لصالح الحزب الذي عبّر عن إدانته لحرب الاستئصال في غزة، وعارض سياسات ومواقف حكومة ترودو التي لم تخفِ دعمها جهرًا للحرب على غزة.
يرى أصحاب هذا الرأي أن هذه الحرب يجب أن تكون عنصر فرز حقيقي وحيد في تحديد وجهة الصوت المسلم في هذه الانتخابات، فرز بين من فعل وقال كل شيء لدعم إسرائيل، وصمت على انتهاكها العهود والمواثيق والقوانين الدولية، وأغمض عينيه على مشاهد التدمير اليومي لأسباب الحياة في غزة أولًا، ثم في الضفة لاحقًا، ولم يكترث بمشاهد قتل الأطفال والنساء والمسنين المدنيين العزل.
الأحزاب والموقف من الحرب على غزّة الحزب الليبرالي (الحاكم) لم يخفِ مساندته لإسرائيل واعتبارها شريكًا مهمًّا ومميّزًا في الشرق الأوسط، ولذلك لم يتأخر في إعلان دعمه لها دون تحفظ تقريبًا، قبل أن يضطر إلى تليين موقفه قليلًا لاحقًا أمام تمسك إسرائيل بالحرب وتوسعها في استهداف المدنيين العزل، وفي تدمير كل مظاهر الحياة في غزة، في تحدٍّ صارخ للقوانين والمواثيق الدولية، ما جعلها دولة مارقة، وجعل قادتها السياسيين والعسكريين مطلوبين بالاعتقال عن طريق مذكرات صدرت عن المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. إعلانرغم هذا، لم يتراجع الحزب الليبرالي عن إسناده لإسرائيل، بل أكّد في أكثر من مرة حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد هجمات حماس، ووصل الأمر بزعيمه السابق ترودو إلى حد التصريح بأيام قليلة قبل مغادرته منصبه بأنه "صهيوني ويفتخر"، دون أن نرى أو نسمع من يعترض على ذلك من قادة وأعضاء حزبه وحكومته.
لم تتوقف حكومة الليبراليين، زمن ترودو، عن تقديم الدعم العسكري لإسرائيل في عدة مناسبات، عبر إرسال آليات أو معدات دفاعية غير قاتلة، إضافة إلى الدعم السياسي والدبلوماسي.
فقد زوّدت كندا إسرائيل بمساعدات إنسانية، وببعض الصادرات الدفاعية التي تشمل تكنولوجيا طبية ومعدات أخرى عسكرية. أثار هذا الدعم العسكري جدلًا في كندا، خاصة مع تصاعد العنف والتدمير وقتل المدنيين في غزة.
حزب المحافظين التقدمي الذي لا يخفي تأييده ودعمه لإسرائيل، معتبرًا إياها "شريكًا ديمقراطيًّا" في الشرق الأوسط. كما يعلن تأييده الكامل لما يسميه حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد هجمات حماس "الإرهابية"، كما يسمّيها، داعيًا المنتظم الدولي إلى تصنيفها (حماس) "منظمة إرهابية"، وإلى اتخاذ إجراءات حازمة ضدها لوقف اعتداءاتها على إسرائيل. حزب الكتلة الكيبيكية الذي اعتاد أخذ مواقف من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني تميّزه عن الحزبين السابقين، تجمع بين تأكيد حقوق الشعب الفلسطيني ونقد العمليات الإسرائيلية ضدّه، وخاصة المدنيين، دون أن يخفي تأييده لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها.كما أن الحزب لم يعترض على مواقف وسياسات الحزب الليبرالي الحاكم الداعمة لإسرائيل في حربها على غزة. ويبقى المشكل في مواقف هذا الحزب الحادة والسلبية من قضايا المسلمين، وخاصة في مقاطعة كيباك، في مسائل الهوية مثل الحجاب والصلاة، إلى الحدّ الذي يرى فيها العديد من نشطاء المسلمين نوعًا من الإسلاموفوبيا. لذلك فقد تعوّد المسلمون عدم التصويت لمرشحي هذا الحزب.
إعلان حزب "الديمقراطيون الجدد" الذي عادة ما تكون مواقفه في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ناقدة لإسرائيل وفيها نوع من التضامن مع الفلسطينيين.فقد دعا الحزب أكثر من مرة إلى وقف الحرب والاعتداءات على غزة، وإنهاء الاحتلال للأراضي الفلسطينية، واحترام القوانين والمواثيق الدولية المنظمة للنزاعات والحروب، والضامنة لحقوق الإنسان والشعوب.
فقد أبدى الحزب قدرًا من التمايز عن المزاج السياسي العام في كندا في العلاقة بالحرب على غزة، حيث وقّع حتى كتابة المقال 153 من مرشحيه لهذه الانتخابات على رسالة وجهها ناخبون لمرشحي كل الأحزاب على منصة "صوّت فلسطين" تدين بوضوح الحرب على غزة، أي بما يعادل 68% من عدد المرشحين الـ224 الذين وقّعوا على الرسالة، يأتي بعدهم 58 من مرشحي حزب الخضر بنسبة 26%، بينما لا يوجد من بين الموقعين أي مرشح عن حزب المحافظين، ومرشح واحد عن حزب "الكتلة الكيبيكية"، و12 من مرشحي الحزب الليبرالي، بما نسبته 5.3% من المرشحين الموقعين. للإشارة، يبلغ عدد الدوائر الانتخابية الفدرالية 338 دائرة.
تبدو مواقف الأحزاب السياسية الكندية متباينة بشأن الحرب في غزة، بناءً على تنوّع خلفياتها الأيديولوجية وتوجهاتها السياسية، لكن يتفق الجميع على أهمية الدبلوماسية والعملية السياسية في حلّ النزاع.
ومع ذلك، هناك تباين كبير في درجة الدعم المقدم لإسرائيل والفلسطينيين، حيث تميل الحكومة الليبرالية والحزب المحافظ إلى دعم إسرائيل وحقها في الدفاع عن نفسها وحماية أمنها، مع الدعوة إلى حماية المدنيين الفلسطينيين، بينما يدعو حزب "الديمقراطيون الجدد" والكتلة الكيبيكية إلى حل أكثر توازنًا، مع التأكيد على حقوق الفلسطينيين وإدانة العنف الإسرائيلي.
التصويت لغزةتبدو الصورة واضحة أمام المسلمين الكنديين الذين يجدون أنفسهم من حيث المبدأ الأخلاقي والتضامن الإسلامي والإنساني أمام معيار واحد فقط لتحديد وجهة تصويتهم في هذه الانتخابات، هو الموقف من حرب الإبادة على غزة.
إعلانوتجعل قراءة خريطة مواقف الأحزاب من هذه الحرب، حزبَ "الديمقراطيون الجدد" الأجدر لنيل أصوات المسلمين، لأنه الحزب الوحيد الذي أدان بوجه مكشوف وصوت عالٍ الحرب على غزة. أما غيره من الأحزاب التي ساندت إسرائيل في حربها على غزة، أو امتنعت عن إدانتها، وخذلت النضال الفلسطيني باعتباره حركة تحرر وطني، وأصرَّت على وصمه بالإرهاب، فيجب ألا يكون لها حظ من أصوات المسلمين، وتجب مقاطعة اجتماعاتهم الانتخابية، وعدم فتح أبواب المساجد والتجمعات المسلمة أمامهم ليخاطبوا المسلمين ويطلبوا أصواتهم.
هذه الانتخابات فرصة تاريخيّة لتثمين الصوت الانتخابي المسلم وتثميره لخدمة قضية كبرى عادلة، هي حركة التحرر الفلسطيني. كما أنها فرصة هامّة لتجميع المسلمين باختلافاتهم حول قضية كبرى في حجم الحق الفلسطيني لتعزيز أسباب التقارب والوحدة، وتجاوز الاختلافات فيما دونها من القضايا الأخرى.
هذه الانتخابات أيضًا فرصة للفرز، حتى داخل الصف المسلم في كندا، بين أجيال تعوّدت على التصويت لصالح الحزب الليبرالي باعتبار سياساته في مادة الحريات والهجرة، ولتموقعه في الوسط السياسي في العلاقة بقضايا الهجرة والمهاجرين، مقابل الأحزاب الأخرى التي تنزع نحو اليمين الأخلاقي والاجتماعي مثل حزب المحافظين، أو اليمين السياسي مثل الكتلة الكيبيكية، وبين جيل من الشباب، سواء من مواليد كندا أو الوافدين عليها من باب الهجرة الحديثة، الذي تشكّلت لديه مقاربة سياسية تختلف عن مقاربة أسلافه، تجمع بين المبدئية والبراغماتية، جيل يتبنى مواقف متحركة بحسب المصلحة.
هذا الجيل هو الذي قاد ولا يزال كل التحركات من مظاهرات ومسيرات مساندة لغزة وللحق الفلسطيني، ومنددة بسياسات الحكومة الكندية الداعمة لإسرائيل، وهو الجيل الذي يقود الحملة من أجل التصويت لغزة.
فهل تكون هذه الانتخابات منعرجًا في الوعي السياسي لدى المسلمين الكنديين، ولحظة تاريخية لتجديد النخب المسلمة بميلاد جيل جديد بوعي جديد وبمقاربات جديدة تثمّن الصوت الانتخابي المسلم وتعطيه ثمنًا في سوق الانتخابات، يعزّز موقعهم ودورهم ويزيد من تأثيرهم لخدمة القضايا العامة للمجتمع الكندي وقضاياهم الخاصة بهم؟
إعلانوهل يكون الموقف في هذه الانتخابات جسرًا يربط بين هذا الجيل المسلم الجديد، وبين الأحرار الكنديين الذين عبّروا في الساحات عن تنديدهم بسياسات كندا ورفضهم الحرب على غزة، وعن مساندتهم للحق الفلسطيني، معتبرين المقاومة حقًا وحركة تحرير وطني في حاجة إلى كل الدعم؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة نت على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات فی الدفاع عن نفسها فی هذه الانتخابات الحزب اللیبرالی الحرب على غزة إسرائیل فی الموقف من یبلغ عدد ألف نسمة من الحرب فی کندا فی غزة بین من
إقرأ أيضاً:
إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «7-10»: نحو جيل جديد من الأحزاب
إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «7-10»: نحو جيل جديد من الأحزاب
ميرغني الحبر/ المحامي
لم تعد الأحزاب السياسية في القرن الحادي والعشرين تعمل بالوسائل التي نشأت بها في منتصف القرن الماضي. فقد أحدثت الثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وتطور وسائل الاتصال، ومنصات التواصل الاجتماعي، تحولاً عميقاً في طبيعة العمل السياسي، وأعادت تعريف العلاقة بين الحزب والمواطن، وبين القيادة والعضوية، وبين المعرفة وصناعة القرار.
وفي المقابل، ما تزال غالبية الأحزاب السودانية، على اختلاف مدارسها الفكرية وتوجهاتها السياسية، تعمل بهياكل وأساليب تنظيمية تعود إلى عقود مضت، تعتمد على الاجتماعات التقليدية، والقيادة الهرمية، وضعف توظيف التكنولوجيا في الإدارة، ومحدودية مشاركة القواعد في صناعة القرار.
ومن هنا يبرز سؤال يفرض نفسه بإلحاح، خاصة في ظل ما يمر به السودان من مرحلة إعادة بناء بعد الحرب: هل يحتاج السودان إلى مجرد أحزاب جديدة تحمل أسماء مختلفة، أم أنه يحتاج إلى جيل جديد من الأحزاب، يختلف في فلسفته، وأدواته، وبنيته المؤسسية، وقدرته على الاستجابة لمتطلبات العصر؟
إن الحديث عن جيل جديد من الأحزاب لا يقتصر على استخدام الوسائل التقنية الحديثة، ولا يعني مجرد استبدال الأوراق بالشاشات، أو الاجتماعات الحضورية بالاجتماعات الافتراضية. فالتحول الحقيقي يبدأ بإعادة تعريف الحزب نفسه، باعتباره مؤسسة وطنية تتخذ قراراتها على أساس المعرفة، وتدير شؤونها بالمؤسسية، وتستثمر التكنولوجيا لتعزيز المشاركة والشفافية والكفاءة. ومن هذا المنطلق تبرز فكرة “الحزب الذكي” باعتبارها أحد أهم نماذج الأحزاب التي يمكن أن تستجيب لتحديات المستقبل.
الحزب الذكي… ليس حزباً افتراضياًحين نتحدث عن “الحزب الذكي”، فإننا لا نعني حزباً يعمل عبر الإنترنت فقط، ولا تنظيماً افتراضياً يفتقد حضوره في المجتمع.
بل نعني حزباً يوظف التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي لبناء مؤسسة سياسية أكثر كفاءة وشفافية وقدرة على خدمة المواطنين، فيجمع بين الحضور الميداني الفاعل والإدارة الرقمية الحديثة، ويجعل التكنولوجيا وسيلة لتعزيز الديمقراطية، لا بديلاً عن العمل السياسي المباشر.
أولاً: العضوية الرقميةلم يعد من المقبول أن تعتمد الأحزاب على سجلات ورقية أو قواعد بيانات غير محدثة.
فالحزب الحديث ينبغي أن يمتلك نظاماً رقمياً متكاملاً لإدارة العضوية، يتيح التسجيل الإلكتروني، وتحديث البيانات بصورة مستمرة، وإصدار بطاقات عضوية رقمية، مع ضمان أمن المعلومات وحماية خصوصية الأعضاء.
ولا تقتصر أهمية ذلك على تسهيل الإدارة، وإنما تمتد إلى تحسين التخطيط، ومعرفة التوزيع الجغرافي والمهني للعضوية، والاستفادة من خبراتها في مختلف مجالات العمل الحزبي.
ثانياً: الديمقراطية الرقميةيمكن للتكنولوجيا أن تعيد الحيوية إلى الحياة الحزبية.
فبدلاً من انتظار المؤتمرات العامة التي قد تنعقد كل عدة سنوات، يستطيع الحزب تنظيم انتخابات داخلية إلكترونية، وإجراء استفتاءات واستطلاعات رأي حول القضايا المهمة، بما يوسع دائرة المشاركة، ويعزز شعور الأعضاء بأنهم شركاء حقيقيون في صناعة القرار.
ثالثاً: الحزب الذي يصنع قراراته بالمعرفةأصبحت البيانات في عالم اليوم مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الموارد المالية أو البشرية.
ولهذا فإن الحزب الذكي لا يبني مواقفه على الانطباعات أو ردود الأفعال، وإنما يعتمد على الدراسات والإحصاءات، واستطلاعات الرأي، وتحليل احتياجات المجتمع، والاستفادة من الخبراء والمتخصصين في مختلف المجالات.
فالسياسة الحديثة لم تعد مجرد فن للخطابة أو الحشد الجماهيري، بل أصبحت علماً يقوم على المعرفة والتحليل والتخطيط.
رابعاً: الذكاء الاصطناعي في خدمة السياسةلا يعني استخدام الذكاء الاصطناعي أن تحل الآلات محل الإنسان في اتخاذ القرار السياسي، وإنما أن تصبح أداة تساعد على تحليل المعلومات، ودراسة البدائل، وتقييم آثار السياسات العامة، وإعداد التقارير، واختصار الوقت والجهد.
أما القرار النهائي، فيظل مسؤولية الإنسان، لأنه وحده القادر على الموازنة بين القيم والمصالح والاعتبارات الوطنية والأخلاقية.
خامساً: مراكز التفكير وصناعة السياساتالحزب الذي يطمح إلى قيادة دولة حديثة لا يمكن أن يكتفي باللجان التنظيمية التقليدية.
إنه يحتاج إلى مراكز دائمة للبحوث والدراسات، تضم خبراء في الاقتصاد والقانون والتعليم والزراعة والصحة والإدارة والبيئة والتحول الرقمي وغيرها من المجالات، حتى تصبح برامجه وسياساته مبنية على المعرفة والخبرة، لا على الاجتهادات الفردية أو ردود الأفعال الآنية.
سادساً: الشفافية الرقميةالثقة هي رأس المال الحقيقي لأي حزب سياسي.
ولهذا ينبغي أن يتيح الحزب لأعضائه، وللرأي العام، الاطلاع على تقاريره المالية، وأنشطته، ونتائج انتخاباته الداخلية، وخططه وبرامجه، عبر منصات رقمية محدثة، تعكس التزامه بالمحاسبة والشفافية، وتمنح المواطنين أسباباً حقيقية للثقة فيه.
هل يستطيع السودان بناء هذا النموذج؟قد يرى البعض أن الحديث عن حزب ذكي، في ظل ما يواجهه السودان من تحديات سياسية واقتصادية وأمنية، يبدو سابقاً لأوانه.
غير أن التجارب الدولية تثبت أن فترات إعادة بناء الدول هي في كثير من الأحيان أفضل الفرص لإعادة بناء مؤسساتها أيضاً.
وليس من الحكمة أن نعيد تأسيس أحزاب القرن الماضي بالأدوات نفسها، بينما يتغير العالم من حولنا بوتيرة غير مسبوقة.
ويمتلك السودان من الطاقات البشرية والكفاءات المهنية، في الداخل والخارج، ومن الشباب المتعلم القادر على استيعاب أدوات العصر، ما يؤهله لبناء نموذج حزبي جديد، متى ما توافرت الإرادة السياسية والرؤية المؤسسية.
نحو حزب للمستقبلإن الحزب الذي يحتاجه السودان ليس حزباً للنخب وحدها، ولا حزباً انتخابياً يظهر كل بضع سنوات ثم يغيب، وإنما مؤسسة وطنية دائمة، تتعلم باستمرار، وتراجع أداءها باستمرار، وتفتح أبوابها للكفاءات، وتعتبر خدمة المواطن معيار نجاحها الأول.
فالمستقبل لن يكون للأحزاب الأكبر عدداً، بل للأحزاب الأكثر معرفة، والأفضل تنظيماً، والأكثر قدرة على التعلم، والأقرب إلى المجتمع.
ختاماًإن بناء الحزب السوداني الذكي ليس حلماً تقنياً، بل مشروعاً سياسياً وأخلاقياً، يقوم على الإيمان بأن الديمقراطية تصبح أكثر قوة وكفاءة وشفافية عندما توظف أدوات العصر في خدمة الإنسان، لا في السيطرة عليه.
وقد تكون الحرب التي مزقت السودان درساً بالغ القسوة، لكنها تمنحنا أيضاً فرصة تاريخية لإعادة التفكير في شكل الدولة، وطبيعة الأحزاب، وأدوات العمل السياسي.
فإذا كنا نطمح إلى بناء جمهورية سودانية جديدة، فإن هذه الجمهورية تحتاج، بالضرورة، إلى جيل جديد من الأحزاب؛ أحزاب تستلهم أفضل ما وصلت إليه الخبرة الإنسانية في التنظيم والإدارة وصناعة السياسات، دون أن تفقد هويتها الوطنية أو صلتها بقضايا المجتمع وتطلعات مواطنيه.
وفي الحلقة القادمة، ننتقل من الفكرة إلى التطبيق، لنجيب عن سؤال عملي: كيف يمكن تأسيس حزب سوداني حديث؟ وما المبادئ التنظيمية والدستورية التي ينبغي أن يقوم عليها منذ يومه الأول؟.
إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «6-10»: نحو نموذج حزبي يستجيب لتحديات السودان
الوسومالأحزاب السودانية الحزب الرقمي الديمقراطية الديمقراطية الرقمية الذكاء الاصطناعي السودان الشفافية الرقمية القوى الحديثة صناعة السياسات مركز التفكير ميرغني الحبر المحامي