غليان ضد قيس سعيد.. الثورة الجديدة وترتيبات اليوم التالي في تونس
تاريخ النشر: 23rd, April 2025 GMT
منذ اتخاذ السلطة في تونس، قرار الزجّ بزعماء سياسيين ورجال أعمال وإعلاميين في السجون، وتوجيه جملة من "التهم الخطيرة" إليهم، عنوانها الأبرز، "التآمر على أمن الدولة"، بداية العام 2023، جرت مياه كثيرة في الوادي التونسي، ما زاد في تعقيد الوضع، المتأزم أصلًا، وتضاعف الغموض، وازدادت الضبابية، اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا.
فلهيب أسعار المواد الغذائية، لم يخمد، وتوفر هذه المواد في السوق التونسية، ما يزال في مستوى دون احتياجات المواطنين، وصور طوابير التونسيين أمام المخابز، أو أمام بائعي الخضر، لم تنقطع، يضاف إلى ذلك، ارتفاع نسبة البطالة في تونس، إلى أكثر من 16 بالمائة، فيما ارتفعت هذه النسبة في صفوف الشباب، إلى 35 بالمائة، وهو ما اضطرهم لـ "الحرقة" (الهجرة غير النظامية) نحو السواحل الأوروبية، ليجدوا أنفسهم، إما فريسة لحيتان البحر، أو متهمين بمحاولة تجاوز الحدود خلسة، أو متسكّعين في الأحياء الشعبية، يقتاتون من الجريمة، وبخاصة من تجارة المخدّرات، المتفشية بأشكال مختلفة في البلاد.
بالموازاة مع ذلك، ارتفعت أرقام الانتحار في تونس، إلى مستوى مفزع، وفق إحصائيات "المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية" (منظمة غير حكومية)، الذي أكد في تقريره السنوي الأخير (2024)، وجود نحو 40 بالمائة من ضحايا الانتحار في تونس خلال الربع الأخير من سنة 2024، من صنف الشباب، بينما مثّل الكهول، النصف تقريبًا.
يقول "المنتدى"، إنّ حالات الإحباط، وعدم الثقة في الوضع الراهن، والأفق الغامض، تعدّ أحد أهمّ أسباب ذلك.
على الصعيد الاقتصادي، تعاني المالية العمومية، من أزمة دين خارجي غير مسبوقة في تاريخ البلاد، حيث بلغ حجم الدين العام لتونس خلال العام الماضي، ما يزيد عن 42 مليار دولار، وناهزت نسبة الديون الداخلية لتونس، حوالي 53.8 بالمائة من إجمالي الديون العامة، وسط توقعات رسمية (قانون المالية لسنة 2025)، بأن تصل إلى 58 بالمائة نهاية العام الجاري، بحكم لجوء السلطة للاقتراض من البنوك الداخلية.
فيما بلغت نسبة الديون الخارجية، زهاء الـ 46.2 بالمائة، وما تزال كتلة ديون تونس، التي تجاوزت 80 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي في السنوات الأخيرة، تُـقِضّ مضجع الخبراء والمحللين الماليين، ناهيك عن المسؤولين في الدولة.
تؤكد تقارير إعلامية موثوقة، أنّ "برلمان سعيّد"- كما يحلو لمعارضيه تسميته- صادقَ على عشرات اتفاقيات القروض، سواء مع الاتحاد الأوروبي، أو دول أوروبية (فرنسا أساسًا)، أو مؤسّسات مالية أفريقية، أو البنك العربي للتنمية، ما جعل مراقبين يعبّرون عن خشيتهم من تداعياتها، على رهن البلاد للخارج، بما قد يجعل تونس في السنوات القادمة، دولة مدينة، وبالتالي عرضة للضغوط السياسية الدولية، ولعملية ابتزازها من هنا وهناك، وفق تقديرهم.
وبسبب "حرب" الرئيس قيس سعيّد على الفساد- كما يجري الترويج له- انكمش الاستثمار الداخلي بشكل لافت للنظر، رغم كل المؤشرات النظرية، التي وضعتها الحكومة لتطور الاستثمار خلال العام الجاري.
فالإجراءات المالية الجديدة المعقّدة التي اتخذتها الحكومة، خاصة من حيث إلغاء استخدام الصكوك (الشيك كما يسمى في تونس)، لم تساهم في تحفيز رجال أعمال تونسيين، على فتح استثمارات جديدة، وعطّلت انسيابية تداول الأموال في السوق النقدية التونسية، قياسًا بالسنوات الماضية.
يضاف إلى ذلك، أن خشية أصحاب الأعمال، من "تهمة الفساد"، التي باتت توجه بشكل غير دقيق في عديد الملفات، أجبرت هؤلاء على "التحرك ببطء" في المشهد الاقتصادي، الأمر الذي منع من الناحية العملية، إمكانات بعض مشاريع معتبرة، قادرة على خلق الثروة، وتنشيط الاقتصاد، وخلق ديناميكية تنموية في حجم ما يَـعِـدُ به الرئيس سعيّد، تحت عنوان: "تحقيق مطالب الثورة التونسية".
إعلانلكن لا الثورة حافظت على زخمها، ولا مطالبها، باتت قريبة من تطلعات التونسيين، الذين فقدوا في غالبيتهم ثقتهم في الثورة والسياسيين، والوعود الزائفة، التي يستمعون إليها منذ أكثر من 10 سنوات من الحاكمين، بتغيّر أسمائهم، وتبدّل ملامحهم.
الحريات والمحاكمات السياسية
لعل ما زاد الطين بلّة ـ كما يقال ـ أنّ هامش الحريات الذي كان التونسي يعوّض به شظف العيش، تراجع بصورة لافتة للغاية، وهو ما تؤكده التقارير الإعلامية والحقوقية والنقابية، وكمّ هائل من بيانات الأحزاب السياسية المعارضة، ومنظمات خارجية، ومؤسسات إقليمية، على غرار المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان، والبرلمان الأوروبي، بل إنّ الأمر، بات حديث "أحزاب الموالاة" للسلطة، المدافعين عن (انقلاب) الرئيس سعيّد، حيث أصبحوا يطالبون في بياناتهم وفي تدخلاتهم صلب البرلمان، بضرورة استئناف الحريات في البلاد، وإلغاء، أو على الأقلّ، تعديل المرسوم الرئاسي (الشهير باسم المرسوم 54)، الذي تسبب في الزجّ بعدد من الإعلاميين والمدوّنين في السجون التونسية، وجعل تونس تتدحرج في أسفل الترتيب الدولي في مجال الحريات، بعد أن كانت بين الأربعين الأوَل منذ الثورة التونسية.
وكانت إجراءات السلطة، المتعلّقة بالمحاكمات السياسية لمعارضي الرئيس قيس سعيّد، سواء منع تداولها إعلاميًا، وهي بدعة غير مسبوقة، أو تنظيم محاكمة "عن بُعد"، في سابقة تضرب في العمق أحد معايير المحاكمة العادلة، وهو وجود المتهمين بصفة مباشرة أمام هيئة المحكمة، أو اعتماد شهود "وهميين"، على رأي المحامين (تقتصر أسماؤهم على عبارة "xxx"، أو "xxxxx")، وهو ما لم تتعود عليه المحاكم التونسية، حتى خلال المحاكمات السياسية الجائرة على عهد الرئيسين الراحلين، الحبيب بورقيبة، وزين العابدين بن علي، بالإضافة إلى منع مواجهة المتهمين بهؤلاء الشهود، وحرمان المعتقلين السياسيين، من الاستنطاق من قبل هيئة المحكمة، للدفاع عن أنفسهم، إلى جانب عدم السماح للمحامين للدفاع عن مُنوبيهم، مع ما تقوله هيئة الدفاع عن المتهمين، من وجود ملفات قضائية "فارغة ومفبركة" في هذه القضية، على حدّ تعبيرها.
إعلانكلّ ذلك، جعل المناخ العام في البلاد، يعرف أزمة هيكلية وبنيوية تراكمية، تزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم، وبلغت أوجَها خلال الأسابيع الأخيرة، عندما لم يعد للسياسيين والنخب، أي ثقة في السلطة، وفي إمكانية تراجعها عن الخطوات التي يصفونها بــ "الاستبدادية"، والتي كشفت الأيام والسنوات القليلة الماضية، عقمها وارتدادها على كامل الوضع العام بالبلاد.
لقد فقد هؤلاء، أيّ أمل في إمكانية التغيير نحو أفق أفضل:
دعوا إلى ضرورة إقامة حوار سياسي، يضع ترتيبات الخروج من الأزمة، بمشاركة جميع أطياف العمل الحزبي والسياسي.. لكنّ الرئيس قيس سعيّد، لم يُعِرْ أيّ اهتمام لدعوتهم تلك. طالبوا بالعودة للحياة الديمقراطية،، فواجههم بأحكام قضائية تراوحت بين 8 و66 عامًا سجنًا، لمعتقلي ما يعرف بـ "قضية التآمر"، وهي أحكام صدرت يوم السبت المنقضي، في "يوم قضائي أسود" على رأي بعض المحامين، ونشطاء سياسيين، ومدوّنين على وسائل التواصل الاجتماعي. عادت السلطة مجددًا لخطاب "التخوين"، والشيطنة"، ضدّ المعارضين، فيما عمل الموالون لها، من شخصيات ونواب بالبرلمان وأحزاب، على تجريم أيّ حراك اجتماعي احتجاجي، على غرار ما فعلوا مع الاحتجاجات الاجتماعية التي عرفتها منطقة "المزونة" من محافظة سيدي بوزيد (مهد الثورة التونسية)، على خلفية سقوط انهيار جدار معهد ثانوي، على عدد من التلاميذ، قضى منهم ثلاثة في ريعان الشباب.فقد اعتبر عصام بن عثمان، رئيس حزب "حراك 25 يوليو"، الموالي للرئيس قيس سعيّد، والممثل بعدّة نواب في البرلمان الحالي، أنّ الاحتجاجات، "قادها مندسّون"، ووصفهم بـ "الأيادي المشبوهة"، التي تريد "ضرب الاستقرار، وتأجيج الأوضاع" في البلاد.
أما الرئيس التونسي، الذي تنقل فجرًا إلى منطقة المزونة، فقد أعجب "بالتحام المجتمع مع الأمن، في حادثة سيخلدها التاريخ"، وفق تعبيره، على الرغم من كل التقارير الإعلامية والحقوقية، التي تحدثت عن "ممارسات عنيفة لقوات الأمن"، من مظاهرها اللافتة، إلقاء الغاز المسيل للدموع في بيوت العائلات التي كانت تتقبل العزاء على فقدان أولادها، ومنع الصحفيين من القيام بواجب التغطية الإعلامية في المنطقة، وهو ما تسبب في انتقادات واسعة للسلطة، في ذات المساء الذي صدرت خلاله الأحكام السجنية في "قضية التآمر". إعلان
كانت الرسالة واضحة: لا حوار.. لا ديمقراطية.. ولا حريات إعلامية.
ولعلّ هذا ما يفسّر بشكل واضح، الانشغالات الجديدة لطيف من السياسيين والإعلاميين والنخب، بشأن ما يسمونه "اليوم التالي" للرئيس قيس سعيّد.
غير أنّ هذا "اليوم التالي"، الذي بدأ التفكير فيه، والتداول بشأنه بشكل جدّي في كواليس وأوساط النخب، خصوصًا المعارضين للرئيس التونسي، يطرح – في نظرنا – جملة من الملاحظات الأساسية:
أنّ الرئيس قيس سعيّد، كان يشعر منذ فترة – على ما يبدو – بأنّ ثمّة من يفكّر في "اليوم التالي"، ومن المؤكد أنّ تقارير ترفع له بهذا الشأن، ضمن عملية إحاطته بمختلف السيناريوهات والتطورات السياسية، لذلك، كان دائمًا يجيب معارضيه وخصومه قائلًا، وبوضوح شديد: "لا عودة للوراء"، ومن يفكّر في ذلك "فهو موهوم"، على حدّ قوله في مرات عديدة بلا حساب، قاطعًا بذلك كل أمل لدى معارضيه، حتى بإمكانية وجود "يوم تالٍ"، سواء كان هذا اليوم، (غدًا)، أو "يوم أمس"، أي وضع ما قبل "انقلاب يوليو/ تموز 2021".. أن الموالين للرئيس قيس سعيّد، والفاعلين لديه في صنع القرار السياسي، من أطياف يسارية وقومية (عروبية)، وتجمعية سابقة -المحسوبين على حزب الرئيس الراحل بن علي-، ومن الدولة العميقة، لا يرغبون في الحديث عن "اليوم التالي"، لأنّه يمثّل كابوسًا بالنسبة إليهم.. فأيّ خروج من "اليوم الحالي"، سيفتح عليهم أبواب السؤال السياسي، والاستفهام القضائي، على النحو الذي يعبّر عنه المثل الشعبي التونسي القائل: (يوم الحساب.. يوم الكشفة). أي محاسبة هؤلاء، ستكشف حقيقة ما حصل وما جرى في سنوات ما بعد الانقلاب، دون توفر أيّ معطيات دقيقة بهذا الشأن. فحتى التخمينات، مخيفة ومزعجة، بالنسبة إليهم.والحقيقة، أن هؤلاء، يرون في اليوم التالي، عودة لفاعلين سياسيين، ممثّلين شعبيًا، على غرار حركة النهضة، التي فشلوا في الفوز عليها "بالصندوق"، فاحتموا خلف "انقلاب 25 يوليو/ تموز"، الذي أزاح من طريقهم، حزبًا وتيارًا وزعامات، لم تنفع معهم كلّ الألاعيب السياسية والإعلامية، وشريط الإشاعات وعمليات الافتراء، في هزيمتهم وإخراجهم من السلطة، عبر الانتخابات. ومن هنا، فإنّ عقدة "اليوم التالي"، ليست مرتبطة بالرئيس التونسي ونظامه والشخوص العاملة معه فحسب، إنما كذلك بحركة النهضة ذاتها، التي ما يزال الخلاف حولها مُشرَعًا حتى بين اليسار الديمقراطي، كما يسمي نفسه، الذي يزعم تضامنه مع المعتقلين السياسيين، وغالبيتهم من "النهضة"، ولكنّه عند الحديث عن تشكيل جبهة معها، تتوقف لغة الكلام، ويدخل نفقًا مسدودًا، من الصعب الخروج منه.. لأنّك عندئذ، أمام استحقاق التمثيلية المجتمعية، التي كشفت جميع المواعيد الانتخابية التي جرت بالبلاد خلال "عشرية الانتقال الديمقراطي"، ضعف "اليسار الديمقراطي"، وهشاشته الاجتماعية والشعبية، ومن ثمّ فهو يخشى من عودة النهضة انتخابيًا، لكي لا يتكرر سيناريو "الهزيمة الانتخابية"، التي طالما ذاق مرارتها. وبالتوازي مع هذا التيار، يوجد "الاستئصاليون"، من اليسار الأيديولوجي الراديكالي، الذي يرفض رفضًا قاطعًا، عودة خصمهم السياسي اللدود (النهضة) للمشهد السياسي.. وهم يعتقدون أنّ أرضًا سياسية بورًا، تتيح لهم الفعل السياسي في غياب خصومهم، أفضل من أرض معطاءة، لا يجدون فيها "قُوتَهُم" السياسي.. لأنهم عند اقتسام الكعكة، سيجدون أنفسهم بلا نصيب، بعد أن يوزع الحصاد على مستحقيه، ومن ثمّ فـ "اليوم التالي"، يمثّل بالنسبة إليهم، القهقرى لمرحلة "الصندوق"، وهم عند هذا المستوى، سيعودون إلى منطقة "الصفر فاصل"، كما كانوا يُـنعَـتُون طيلة عشرية كاملة. لا يبدو أنّ الدولة العميقة، بجميع مكوناتها، تشذّ عن هذا التفكير.. فهي تعتقد أنّ مرحلة ما قبل الانقلاب، "ولّت بلا رجعة"، وكان جزء منها قد دفع باتجاه "تفكيك" منظومة "الثورة والانتقال الديمقراطي"، لأنها عنوان لتفكك الدولة والمؤسسات، والوجود غير المقبول للإسلام السياسي في السلطة، لذلك لن يتأخر هذا "الجهاز"، في منع استئناف المرحلة السابقة بأي شكل من الأشكال.
لقد أُغلِقَ بالنسبة لهؤلاء، قوس الأحزاب والديمقراطية والحريات والإسلام السياسي، وأي تفكير في استئناف ذلك من جديد، ليس سوى تجديف في الصحراء، أو هكذا يعتقدون. على أنّ العقدة التي يغفل عنها الجميع، عند الحديث عن "اليوم التالي"، هي الآليات القانونية والدستورية المؤدية – نظريًا على الأقل – لمرحلة ما بعد الرئيس سعيّد.. ذلك أنّ "دستور الرئيس قيس سعيّد"، لم يتضمن آليات واضحة في موضوع (الخلافة)، لأيّ من الأسباب، ما عدا آلية المحكمة الدستورية، وهي المؤسسة التي لم يقع إنشاؤها أو تركيزها إلى الآن.. وفي هكذا وضع، لا رئيسة الحكومة، يمكن أن تقوم بعملية الانتقال، ولا رئيس البرلمان، بوسعه أن يلعب هذا الدور.. فباب الاثنين مغلق تمامًا. إعلان الفرضية المسكوت عنها
تبقى الفرضية التي يسكت عنها الجميع، ولا يجري طرحها إلا لمامًا، وهي التي تهمّ "موقف الخارج"، بوصفه "اللاعبّ"، الذي قد يكون مؤثرًا في ترتيبات "اليوم التالي".
لكنّ هذا "الخارج"، ليس طرفًا بعينه، بل هو عدّة أطراف ومصالح وتحالفات وقوى، على تماس مصلحي مع السلطة الحالية، على عكس ما يروّج البعض من معارضي النظام، وبالتالي، ستتحكم في ترتيبات "اليوم التالي"، عدّة محددات، بينها المصالح الثنائية والإقليمية، ومآلات ما يجري هناك في غزة، وأفقها على صعيد الشرق الأوسط، ورؤية "الخارج" لفضاء المغرب العربي، ومنه ــ وربما أساسه تونس ــ التي قد تكون طريقة الخروج من مأزقها الراهن، بمثابة الأنموذج لبعض الكيانات العربية المعقّدة، جيوبوليتيكيًا.
إنّ "اليوم التالي" في تونس، لن يكون إلا يومًا صعبًا، البعض يستشرف ثورة ثانية حاسمة، والبعض الآخر، يستقرئ حلًا من داخل النظام، وخاصة الدولة العميقة والقوى الصلبة، وثالث، يتوقع "تدخّلًا خارجيًا"، سياسيًا بالطبع، يخلط الأوراق من جديد، مثلما خلطها عندما جيء بزين العابدين بن علي للسلطة، أو عندما تمت تهيئة البلاد لثورة، مكنت من تغيير، كاد يكون مستحيلًا، أو لحظة الدفع بالرئيس الراحل، الباجي قايد السبسي للمشهد، بعد 20 عامًا من التغييب الممنهج.
أزيح بورقيبة بانقلاب بن علي العام 1987، وخرج الأخير من الحكم بثورة شعبية "مدروسة" سنة 2011، وتوقفت شرايين الانتقال الديمقراطي، بـ "انقلاب 25 يوليو/ تموز 2021″، الذي تزعمه الرئيس قيس سعيّد، فكيف سيكون اليوم التالي في تونس يا ترى؟
الأكيد، أنّه ليس نسخة من الأحداث السابق ذكرها.. فالتاريخ لا يتكرر مرتين.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة نت على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات الرئیس قیس سعی د الیوم التالی فی البلاد فی تونس وهو ما بن علی
إقرأ أيضاً:
الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
منذ أكثر من 10 سنوات، عندما اندفعت عربة مدرعة أوكرانية لتحطم حاجزا نصبه "الانفصاليون" الموالون لـ روسيا في مدينة ماريوبول، تحول الضابط الشاب ميخايلو دراباتي إلى أحد رموز المقاومة الأوكرانية.
واليوم يعود الرجل نفسه إلى الواجهة، لكن في ظرف أكثر تعقيدا، بعدما اختاره الرئيس فولوديمير زيلينسكي قائدا أعلى للقوات المسلحة خلفا للجنرال أوليكسندر سيرسكي، في خطوة لا تعكس مجرد تغيير للأشخاص بقدر ما تمثل تحولا في فلسفة إدارة الحرب التي تخوضها أوكرانيا ضد روسيا.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2عزلة القوة.. "الفراغ الأمريكي" يفاقم أزمة الشرعية الإسرائيليةlist 2 of 2الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟end of listويرى تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز ، وأعده الكاتب مارك سانتورا أن تعيين دراباتي يأتي في لحظة توصف بأنها من أكثر مراحل الحرب حساسية، إذ تتزامن مع انتقال عسكري وسياسي معقد، في وقت تواجه فيه أوكرانيا حرب استنزاف طويلة أصبحت التكنولوجيا، ولا سيما الطائرات المسيرة، العامل الأكثر حسما فيها.
ويشير سانتورا إلى أن القائد الجديد البالغ من العمر 43 عاما، ينتمي إلى جيل جديد من الضباط الأوكرانيين الذين نشأوا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ويؤمنون بأن مستقبل الحرب يعتمد على الابتكار والمرونة أكثر من اعتماده على أساليب القتال التقليدية.
ويوضح التقرير أن دراباتي يعد أحد أبرز مهندسي إستراتيجية "خط الطائرات المسيرة" التي تقوم على إنشاء نطاق قتالي متواصل خلف خطوط المواجهة يعتمد على الطائرات المسيرة الهجومية والاستطلاعية والأبراج الآلية، بدلا من الاكتفاء بخنادق ثابتة تتعرض باستمرار للهجمات الروسية.
وقد ساعد هذا الأسلوب -حسب الصحيفة- في إبطاء التقدم الروسي، ومنح القوات الأوكرانية فرصة لاستعادة زمام المبادرة في بعض الجبهات للمرة الأولى منذ سنوات.
غير أن التغيير العسكري لم يكن منفصلا عن أزمة سياسية داخلية، إذ يلفت سانتورا إلى أن قرار زيلينسكي بإقالة وزير الدفاع الإصلاحي ميخايلو فيدوروف، الذي كان يقود عملية تحديث الجيش وتوسيع استخدام الطائرات المسيرة والأنظمة الآلية، فجر احتجاجات في كييف ومدن أخرى، بعدما اعتبر كثير من العسكريين أن الرئيس انحاز في البداية إلى سيرسكي في خلافه مع الوزير حول مستقبل الحرب.
إعلانلكن اتساع الاحتجاجات، التي تحولت من المطالبة بإعادة فيدوروف إلى الدعوة لإقالة سيرسكي، دفع زيلينسكي في النهاية إلى تغيير القيادة العسكرية وتعيين دراباتي، المعروف بتأييده لرؤية فيدوروف القائمة على التكنولوجيا واللامركزية في اتخاذ القرار.
وترى صحيفة تايمز البريطانية -في تقرير لمراسلها مارك بينيتس- أن دراباتي لم يكتسب شهرته من مكتبه، وإنما من ساحات القتال.
ويستعيد بينيتس واقعة ماريوبول عام 2014، حين أمر دراباتي سائق المدرعة باقتحام الحاجز قائلا "انطلق بأقصى سرعة".
المهمة الجديدة للجنرال دراباتي تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة
بواسطة مارك سانتورا
قائد جريءوتحول تسجيل تلك العملية إلى رمز متداول على وسائل التواصل الاجتماعي بعد إعلان تعيينه قائدا للجيش، باعتباره يجسد صورة القائد الجريء الذي يفضل المبادرة والمخاطرة على التردد.
وتضيف الصحيفة أن دراباتي واصل بناء سمعته خلال الحرب الحالية، إذ شارك في وقف التقدم الروسي نحو مدينة كريفي ريه، مسقط رأس زيلينسكي، وأسهم في تحرير خيرسون، قبل أن يتولى "قيادة القوات البرية" عام 2024، حين أعلن مباشرة عزمه على تنفيذ إصلاحات واسعة لمحاربة الفساد داخل المؤسسة العسكرية.
ورغم استقالة دراباتي بعد أشهر قليلة إثر مقتل عشرات الجنود في مراكز تدريب نتيجة ضربات روسية، معلنا أن القادة يجب أن يتحملوا مسؤولية إخفاقاتهم، فقد أعاده زيلينسكي بعد يومين فقط لقيادة القوات المشتركة، في خطوة عكست استمرار الثقة في قدراته العسكرية.
مهمات جديدة معقدةغير أن المهمة الجديدة تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يقول تقرير نيويورك تايمز، إن دراباتي يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة، إضافة إلى حماية شبكة الطاقة الأوكرانية من الهجمات الشتوية، في وقت تتراجع فيه مخزونات الذخائر الخاصة بأنظمة الدفاع الجوي، فضلا عن ضرورة وقف التقدم الروسي البطيء في إقليم دونباس.
كما يواجه القائد الجديد تحديا سياسيا لا يقل صعوبة عن التحديات العسكرية، إذ سيكون مطالبا بالحفاظ على استقلالية القرار العسكري التي يدافع عنها الإصلاحيون، وفي الوقت نفسه التعامل مع ميل زيلينسكي إلى التدخل المباشر في إدارة العمليات الميدانية.
ويرى محللون -نقل عنهم كاتب التقرير مارك سانتورا- أن نجاح دراباتي لن يقاس فقط بما يحققه على الجبهات، وإنما أيضا بقدرته على إدارة هذه العلاقة الحساسة مع الرئاسة، ومنع تحول الخلافات السياسية إلى عبء إضافي على الجيش.
نهاية مرحلةفي المقابل، تقدم كارلوتا غال في صحيفة نيويورك تايمز قراءة موازية تركز على القائد المقال أوليكسندر سيرسكي، معتبرة أن إبعاده يمثل نهاية مرحلة كاملة في تاريخ الجيش الأوكراني.
وتقول غال إن سيرسكي كان أحد أبرز القادة الذين تصدوا للهجوم الروسي منذ الأيام الأولى للغزو عام 2022، وقاد معركة الدفاع عن كييف، ثم أشرف لاحقا على توسيع استخدام الطائرات المسيرة والروبوتات في ساحة القتال.
إعلانلكن الكاتبة ترى أن إنجازاته العسكرية لم تعد كافية لحمايته من الانتقادات المتزايدة، بعدما اتهمه كثير من الضباط باتباع أسلوب قيادة شديد المركزية، والإصرار على الاحتفاظ بمواقع عسكرية أصبحت غير قابلة للدفاع، وهو ما أدى -حسب منتقديه- إلى خسائر بشرية كبيرة.
صراع بين مدرستين
وتشير غال إلى أن الخلاف بين سيرسكي ووزير الدفاع السابق ميخايلو فيدوروف لم يكن مجرد نزاع شخصي، بل كان يعكس صراعا بين مدرستين مختلفتين في إدارة الحرب، الأولى تتمسك بقيادة تقليدية تعتمد على التسلسل الهرمي الصارم، والثانية تدعو إلى منح القادة الميدانيين حرية أكبر في اتخاذ القرار، وتسريع دمج التكنولوجيا والطائرات المسيرة والأنظمة الذكية في العمليات العسكرية.
وقد أدى هذا الصراع في النهاية إلى خروج الرجلين معا من المشهد، وإن كان تعيين دراباتي يوحي بأن رؤية فيدوروف الإصلاحية ما زالت تحظى بتأييد داخل دوائر صنع القرار.
وتضيف الصحيفة أن القائد الجديد يتبنى فلسفة تقوم على منح الوحدات المقاتلة صلاحيات أوسع للاستجابة السريعة لتغيرات الميدان، مع الاعتماد بصورة أكبر على البيانات الفورية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة.
أزمة الموارد البشريةويعتقد محللون أن هذه المقاربة قد ترفع كفاءة العمليات وتزيد من قدرة الجيش على مواجهة التفوق العددي الروسي، لكنها لن تكون كافية وحدها إذا لم تعالج أوكرانيا أزمة التجنيد المزمنة ونقص الموارد البشرية.
وتتفق صحيفة تايمز البريطانية مع هذا التقييم، لكنها تضيف بعدا سياسيا أوسع، إذ ترى أن تعيين دراباتي يمثل أيضا اختبارا للرئيس زيلينسكي نفسه، لأن الأزمة الأخيرة التي اندلعت عقب إقالة وزير الدفاع كشفت حجم التوتر داخل المؤسسة الحاكمة، وأظهرت أن الحرب لم تعد الساحة الوحيدة التي يواجه فيها الرئيس تحديات متزايدة.
وتنقل الصحيفة عن المحلل السياسي فولوديمير فيسينكو قوله إن ما جرى أبرز مرة أخرى أن السياسة الداخلية أصبحت نقطة الضعف الرئيسية في رئاسة زيلينسكي، وهو أمر قد ينعكس على مستقبله السياسي عندما تسمح الظروف بإجراء الانتخابات الرئاسية المؤجلة بسبب الحرب.