قد يبدو هذا المقال خياليًا بعض الشىء وبعيداً كل البعد عن ثوابت علم السياسة التى لا تعرف كثيراً كلمات مثل الحب والكره، وإنما تتعامل وفق المصالح المشتركة، وتحقيق المكاسب بكل طريق ممكن، ولكن ماذا لو جنبنا مرادفات السياسة، وقدمنا هذا الطرح المبنى على فكرة بسيطة جداً قد تندرج تحت اهتمامات علوم الاجتماع والفلسفة المتعارضة دائمًا فكرياً ومنهجياً مع علم السياسة؟
حب الوطن لا يتأتى أبداً دون أن يحب أبناء الوطن بعضهم ليحسنوا معاً، وبتلاحمهم أداء المهمة التى خلقهم الله من أجلها، وهى إعمار الأرض والبقاء على ثبات وتماسك مؤسسات الدولة، فهل نفعل هذا حالياً؟ أم أننا قد اختزلنا حب الوطن فى قلوبنا فى مجرد الشكل وابتعدنا عن المعنى الحقيقى لهذا الحب فلم يعد للود والتراحم بين سكان هذه الأرض وجود، وتبارى الأشقاء فى العداء لبعضهم وأسرفوا فى الأنانية فأصبح شعار البعص (أنا ومن بعدى الطوفان)؟
فكيف ندعى حب الوطن وقد تفننا فى السنوات الأخيرة فى الإساءة إلى بعضنا البعض وسادت روح النقد والتخوين وتوجيه الاتهامات جزافاً دونما أى موضوعية أو أدلة بشكل غير مألوف، فمن ليس معى فهو ضدى، ومن لا يوافقنى فى الرأي يصبح عدواً لى، ومن لا مصلحة لى معه يصبح فاسدًا ويستحل شرفه وعرضه، فيهان ويشهر به على الصفحات والمواقع؟
ماذا لو عادت الأخلاق كما كانت عليه قبل سنوات أو عقود ليست بالبعيدة؟ ولماذا أصبح هدف الجميع اليوم هو تثبيط الهمم والتشكيك فى أى عمل إيجابى يقدم لصالح الوطن وأبنائه؟ ولماذا تميزنا مؤخرًا فى قدرتنا الهائلة على إطفاء جذوة أى بقعة ضوء تبدأ فى التوهج تحت سماء الوطن؟ لماذا نحارب النجاح وننسى أن التنافس والغيرة فى النجاح شىء مطلوب وطيب لبناء الأوطان؟.
إننا الآن أحوج ما نكون إلى عودة هذه المسميات التى كادت أن تندثر من مجتمعنا مثل الحب والإخاء، وإيثار مصلحة الوطن على المصالح الشخصية، ومساندة كل من يحاول أن يقدم جديدًا، وعدم محاربة نجاح الأشخاص لأنه فى النهاية هو نجاح للوطن بأكمله.. حفظ الله بلادنا الطيبة من تقلبات الأيام.. حفظ الله الوطن.
المصدر
المصدر: الأسبوع
إقرأ أيضاً:
الزيدي وواشنطن.. بين الحبّ القاتل والدور المأمول!
حاولت قوى الإطار التنسيقيّ العراقيّ الشيعيّ الحاكم الاتّفاق على شخصيّة من بينهم يُمكنها أن تكون مقبولة لدى واشنطن لرئاسة الوزراء وكذلك تُحقّق مآربهم وأبرزها حمايتهم من الملاحقات القانونيّة، ولكنّهم فشلوا بمهمّتهم.
وبعد طرح بعض الأسماء ورفضها أمريكيّا، ولاحقا ـ ودون مقدّمات ـ برز اسم "علي الزيدي" الذي لم يكن معروفا بالأوساط السياسيّة والإعلاميّة، وبعجالة نادرة، صوّت البرلمان بمنتصف أيّار/ مايو 2026 على الزيدي ليكون رئيسا للحكومة.
واشنطن ترى لنفسها صاحبة الفضل على الأحزاب والشخصيّات الموجودة بالحكم كونها احتلّت العراق وسلّمته لهم، وبالتالي الأولوية النفعيّة لها منفردة بالمشاريع العملاقة! وبعد نحو شهرين من تسنّمه المنصب كانت محطّة الزيدي الخارجيّة الأولى إلى واشنطن حيث حظي باهتمام واضح من الرئيس دونالد ترامب خلال اجتماعهما يوم 14 تمّوز/ يوليو 2026 بالبيت الأبيض!
الاهتمام الأمريكيّ بالزيدي ليس أمرا نادرا، وحصل مع الرؤساء السابقين للحكومة، وهذا جزء من الدبلوماسيّة الأمريكيّة، ولكن هل قَدّمت تلك المجاملات الدبلوماسيّة شيئا واضحا للعراق؟
الرئيس ترامب قال خلال استقباله للزيدي: "إنّه شخص جيّد ووصل لمنصبه بالانتخابات، وأنا أُحبّ الشعب العراقيّ"، وللتاريخ فإنّ الزيدي لم يشترك بالانتخابات إلا كمواطن، ولم يصل للمنصب إلا كمرشّح تسوية بعد رفض واشنطن لمرشّحي الإطار!
وبخصوص "حبّ ترامب للعراقيّين" نقول: شكرا سيادة الرئيس على هذا الحبّ الذي أدخل العراق والعراقيّين بدهاليز قاتلة ومظلمة ومرعبة منذ العام 1991 وحتّى الساعة، ولا ندري متّى سيتوقّف حبّكم القاتل؟ وهل حبّكم يدخل ضمن رؤية: "وَمِن الحبّ ما قتل"؟!
ولاحظنا أنّ الزيدي نقل للأمريكيّين صورة ورديّة عن الواقع وبالذات حصر السلاح الفصائل، وقوله: " لن نسمح لأيّ جهة بحمل السلاح خارج مؤسّسات الدولة، ولا مبرّر لوجود الفصائل المسلّحة بالعراق"!
فَمَنْ هي الفصائل التي تمكّن الزيدي من حصر سلاحها، أو تَأتَمر بأوامره؟!
وبعد دقائق من تصريح الزيدي هدّد المسؤول الأمنيّ بكتائب حزب الله العراقيّ "أبو مجاهد العساف" "دول الخليج العربيّ وسوريا"!.. والأغرب أنّ "المقاومة الإسلاميّة في العراق" أعلنت، يوم 17 تمّوز/ يوليو 2026، عن "رصد مكافأة ماليّة قدرها 10 ملايين دولار لمَن يَقْتل الرئيس ترامب". ولاحقا جدّدت "المقاومة الإسلاميّة" استعدادها "للانخراط المباشر بالمعركة ضدّ العدوّ الأمريكيّ"!
وخاطب الناطق باسم كتائب سيّد الشهداء "كاظم الفرطوسي" رئيس الحكومة السبت الماضي بالنصّ: "أنت رجل جئت بالصدفة، لا تَحط رأسك برؤوسنا، ولا أحد يُجبرنا على حصر السلاح! وأقول للإطار الذي جاء بالزيدي: حضروا التوابيت للشيعة"!
وتعرّضت مدينتي أربيل والسليمانية لهجمات بعشرات الطائرات المسيّرة، وهذه التهديدات والضربات وقعت خلال تواجد الزيدي بواشنطن؟
وتأكيدا لفوضى الإدارة، تَبنّت "ميليشيا أولياء الدم"، الخميس 23 تمّوز/ يوليو 2026 "الهجمات على الأردن والكويت"!
فأين السلاح الكبير المُنْتَزَع من الفصائل الذي تحدّث عنه الزيدي؟!
الفيصل والحكم بالحالة العراقيّة هو الميدان، وخصوصا بعد عودة الزيدي لبغداد، وتجنّبه في البيت الأبيض الخوض في قضية اغتيال واشنطن لقاسم سليمان يببغداد في العام 2020 بمرحلة ترامب الرئاسية الأولى، حيث قال: "كنت لا أُمارس السياسة، ولا أهتمّ بالماضي ونتطلّع للمستقبل"!
وهذا الردّ سيكون من المعضلات التي ستتهرّب الفصائل بسببها من حصر السلاح، وقد تُنْهي مستقبل الزيدي، أو تعرّضه للخطر!
إن نجح الزيدي بمهمّة ضرب منظومات الفساد، وتغول الأحزاب والنظام الطائفيّ بمؤسّسات الدولة، وتلاعب الجماعات المسلّحة بسيادة الوطن وأمن الناس، وتحقيق استقلال المؤسّسات الرقابيّة والقضائيّة والأمنيّة فسيجد ملايين الفقراء- قبل غيرهم- سندا له لإتمام مهمّته! ويمكن النظر لزيارة الزيدي لواشنطن من الزوايا الآتية:
ـ واشنطن ترى لنفسها صاحبة الفضل على الأحزاب والشخصيّات الموجودة بالحكم كونها احتلّت العراق وسلّمته لهم، وبالتالي الأولوية النفعيّة لها منفردة بالمشاريع العملاقة!
ـ تزامنت الزيارة مع الضربات الأمريكيّة لإيران ولهذا هل ستتطوّر الرؤية الأمريكيّة للعراق وقناعتها بضرورة عودة العراق كقوّة إقليميّة صلبة، وبدليل أنّ الزيدي نقل أمس الخميس لطهران مقترحا أمريكيّا لوقف الحرب، ورفضته إيران؟
ـ وهل سيتمكّن الزيدي من استغلال علاقاته بأمريكا لترميم الدولة وإعادة مكانة العراق المهمّشة بالمنطقة والعالم؟
ـ وهل ستدعم واشنطن الزيدي لمحاربة الفساد الماليّ، أم ستجدها فرصة لمزيد من التغوّل والتفرّد للتلاعب بموارد العراق؟
ـ وهل واشنطن مقتنعة بقدرة الزيدي على بناء مؤسّسات رصينة تحكمها الأنظمة والقوانين وليس الأهواء، وهل نحن بمواجهة نهاية "الحاكميّة الشيعيّة الإسلاميّة"؟
عموما إن نجح الزيدي بمهمّة ضرب منظومات الفساد، وتغول الأحزاب والنظام الطائفيّ بمؤسّسات الدولة، وتلاعب الجماعات المسلّحة بسيادة الوطن وأمن الناس، وتحقيق استقلال المؤسّسات الرقابيّة والقضائيّة والأمنيّة فسيجد ملايين الفقراء- قبل غيرهم- سندا له لإتمام مهمّته!
ولكن هل الأمر بهذه السهولة؟ لا أظنّ!
إنّ اللقاءات والصور التذكاريّة والمجاملات أمام وسائل الإعلام لا تؤسّس لعلاقات استراتيجيّة متينة وإنما مخرجات الزيارة الواقعيّة هي الأهمّ والأنفع للجميع!
العراقيّون يرفضون سياسة التمادي بالخراب، ويأملون ألّا يستسلموا للواقع القائم على حتميّة اليأس، وبالذات وأن العمليّة السياسيّة أثبتت إفلاسها ونخرها الفساد والتمادي ممّا بدّد الثروات ونشر الفقر والخراب.
العراقيّون يحلمون بحكومة تضمن العدالة الاجتماعيّة والقضائيّة والقانونيّة والإنسانيّة والاقتصاديّة والتعليميّة فهل ستساعدهم أمريكا "المحبّة لهم" لتحقيق أحلامهم؟
فهل ما ينتظر العراق غدا أجمل من الأمس المظلم، واليوم المؤلم؟! الشعوب التي لا تَعْمل لتغيير واقعها بيدها وتطوير بلدها بعقولها وسواعدها لا تتوقّع من الغرباء أن يقوموا بهذه المهامّ الوطنيّة النبيلة نيابة عنهم!
@dr_jasemj67
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.