واشنطن- في لحظة دبلوماسية مشحونة، يستقبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب نظيره الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا في البيت الأبيض اليوم الأربعاء، وهو أول لقاء منذ تصاعد التوتر بين البلدين بسبب اتهامات واشنطن لحكومة بريتوريا بـ"اضطهاد البيض" ومصادرة الأراضي الزراعية من الأقلية الأفريكانية.

وبينما توصف الزيارة بـ"الاختبار الصعب" خاصة بعد منح ترامب اللجوء لـ59 جنوب أفريقي أبيض، وتهديداته بمقاطعة قمة مجموعة الـ20 المقررة في جوهانسبرغ في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، تتحرك في الخلفية ملفات اقتصادية وإستراتيجية يخدم حلها مصالح الطرفين.

فهل ينجح رامافوزا في ترميم الجسور مع إدارة ترامب؟ وهل تغير واشنطن مقاربتها لجنوب أفريقيا تحت ضغط التنافس الدولي على القارة السمراء؟

فرصة

يتصدر ملف "اضطهاد البيض" واجهة التوترات بين البلدين، إذ تتهم واشنطن حكومة رامافوزا بتبني إجراءات تستهدف الأقلية البيضاء، في إشارة إلى سياسات إعادة توزيع الأراضي التي تنفذها جنوب أفريقيا لمعالجة إرث الفصل العنصري.

ويرى حافظ الغويل، كبير الباحثين في معهد الدراسات الخارجية بجامعة جونز هوبكنز، أن زيارة الرئيس رامافوزا إلى واشنطن تمثل فرصة حقيقية "لإعادة توجيه البوصلة" في العلاقة مع إدارة ترامب، ولتصحيح ما يصفه بـ"المواقف الأميركية غير العقلانية" التي تحركها حسابات ضيقة داخل معسكر ترامب المحافظ.

إعلان

ويقول للجزيرة نت إن جنوب أفريقيا ليست في موقع الدفاع، بل هي دولة ذات ثقل تاريخي واقتصادي في القارة، وإن "رامافوزا يملك الفرصة ليضع ترامب في حجمه الحقيقي أمام العالم من خلال شرح موقف بلاده بثقة ووضوح، في مواجهة الاتهامات الجزافية التي دأب الرئيس الأميركي على إطلاقها تجاه حلفاء وخصوم على حد سواء".

وانتقد الغويل منح اللجوء السياسي لمواطنين بيض من جنوب أفريقيا، معتبرا أن "الإدارة الأميركية تكشف عن انحياز عنصري حين تتهم بريتوريا بممارسة التمييز ضد البيض، بينما تغض الطرف عن سياسات الهجرة التمييزية التي تنهجها". وقال إن معظم من يسعى للجوء باستعمال هذه الذريعة هم أنفسهم من أكثر الناس عنصرية في بلادهم.

وأكد على أن جنوب أفريقيا لا تحتاج لشهادة من ترامب بشأن ديمقراطيتها أو احترامها للحقوق، مشددا على أن تاريخ البلاد وواقعها السياسي، يبعدان عنها أي تهمة بوجود اضطهاد ضد البيض كما تدعي إدارة ترامب.

ملفات شائكة

اقتصاديا، تسعى بريتوريا لإقناع واشنطن بإعادة النظر في الرسوم الجمركية التي فرضتها على صادرات جنوب أفريقيا التي تأمل في الحفاظ على استفادتها من "قانون النمو والفرص في أفريقيا" الذي يمنح الدول الأفريقية إعفاءات جمركية لدخول السوق الأميركية.

كما تراهن جنوب أفريقيا على إصلاح العلاقات مع شركات أميركية مؤثرة مثل "تسلا" و"ستارلينك"، في أعقاب توترات بشأن قوانين التمكين الاقتصادي التي تتطلب ملكية محلية سوداء بنسبة 30%، والتي اعتبرها إيلون ماسك "تمييزية"، بينما تؤكد بريتوريا أنها تهدف إلى معالجة إرث الفصل العنصري.

ويرى الداه يعقوب، وهو محلل سياسي مختص بالشؤون الأفريقية بواشنطن، أن زيارة رامافوزا تمثل محاولة إستراتيجية من جنوب أفريقيا لإعادة إنعاش علاقتها الاقتصادية المتوترة مع الولايات المتحدة. ويوضح أنها تُعد من الشركاء التجاريين الرئيسيين لواشنطن بعد الصين، وبالتالي فإن إعادة الدفء للعلاقات تخدم مصالح الطرفين، خصوصا في ظل التنافس الدولي المحتدم على الأسواق الأفريقية.

إعلان

ويضيف يعقوب للجزيرة نت أن الزيارة تحمل رسائل متبادلة؛ فمن جهة، تسعى جنوب أفريقيا إلى تأكيد مكانتها كشريك اقتصادي مهم للولايات المتحدة، ومن جهة أخرى، يرغب ترامب في إظهار اهتمامه بالقارة الأفريقية، بعد تركيزه السابق على ملفات مثل أوكرانيا وغزة.

قمة الـ20

تمثل قمة مجموعة الـ20 المقبلة خلفية سياسية محورية لزيارة رامافوزا إلى واشنطن. فبينما تأمل جنوب أفريقيا أن تُتوج رئاستها الدورية للمجموعة بتنظيم قمة تاريخية هي الأولى على أراضي القارة الأفريقية، جاء تلويح الرئيس ترامب بمقاطعة القمة ليعكّر هذه التطلعات، ويضغط دبلوماسيا على بريتوريا في أكثر من ملف.

في هذا السياق، يرى محللون أن رامافوزا يسعى من خلال زيارته الحالية إلى إقناع إدارة ترامب بإعادة النظر في قرار المقاطعة، لأن غياب الولايات المتحدة من شأنه أن يُفقد القمة توازنها السياسي ويقلل من فرص خروجها بقرارات قوية. كما قد يبدو كفشل رمزي في إدارة التوازنات الدولية، في وقت تتسابق فيه دول مثل الصين وروسيا لملء الفراغ في أفريقيا وتقديم نفسها كشركاء أكثر موثوقية في أعين دول القارة.

ويقول المحلل السياسي يعقوب إن رامافوزا يعي جيدا أن إقناع واشنطن بالمشاركة يمثل أولوية قصوى، لتفادي أي إحراج دبلوماسي وضمان حضور دولي وازن يعيد التأكيد على دور ومكانة جنوب أفريقيا على المستويين القاري والعالمي.

من جهته، يشرح الباحث الغويل أن موقف إدارة ترامب من هذه القمة لا يرتبط فقط بسياسات جنوب أفريقيا الداخلية، وتحديدا قانون إصلاح الأراضي، بل يعكس أيضا رد فعل غاضبا على مواقف بريتوريا في السياسة الخارجية.

ويشير إلى أن رفع جنوب أفريقيا دعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب جرائم إبادة في غزة، كان نقطة تحوّل في نظرة واشنطن للعلاقات الثنائية، وهو ما انعكس في التلويح بالمقاطعة ومحاولة عزل بريتوريا سياسيا.

إعلان

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حريات جنوب أفریقیا إدارة ترامب

إقرأ أيضاً:

قوات الاحتلال تنفذ عملية تفجير في بلدة مركبا جنوب لبنان

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

أفادت وسائل إعلام فلسطينية، اليوم الجمعة، بأن قوات الاحتلال الإسرائيلي نفذت عملية تفجير في بلدة مركبا الواقعة في جنوب لبنان.

زيارة عون إلى واشنطن تعزز الدعم الأمريكي للبنان

اختتم الرئيس اللبناني جوزيف عون زيارته الرسمية إلى الولايات المتحدة بحصوله على تأكيدات باستمرار الدعم الأمريكي للدولة اللبنانية ومؤسساتها، في وقت بقيت فيه الملفات الأمنية الأكثر حساسية، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، دون نتائج عملية أو التزامات محددة.

وشكل اللقاء الذي جمع عون بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض محطة بارزة في العلاقات بين البلدين، إذ يُعد أول استقبال لرئيس لبناني في واشنطن منذ سنوات. وأكدت الإدارة الأمريكية خلال المحادثات دعمها للجيش اللبناني ولمؤسسات الدولة، مع التشديد على أهمية بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية وحصر السلاح بيدها.

وفي المقابل، شدد الرئيس اللبناني على أن تثبيت الاستقرار يتطلب تنفيذ جميع بنود التفاهمات الأمنية، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي لا تزال تحتلها في جنوب لبنان، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لنجاح أي ترتيبات أمنية مستدامة.

ورغم الأجواء الإيجابية التي أحاطت بالزيارة، لم يصدر عن واشنطن أي إعلان يتضمن جدولًا زمنيًا للانسحاب الإسرائيلي أو آلية تنفيذية جديدة لمتابعة الاتفاقات القائمة، الأمر الذي أبقى هذا الملف مفتوحًا أمام مزيد من المشاورات والوساطات.

كما لم تشهد الزيارة الإعلان عن مساعدات اقتصادية أو مالية جديدة للبنان، واكتفت الولايات المتحدة بالتأكيد على مواصلة دعم الإصلاحات الاقتصادية والمالية، وحث السلطات اللبنانية على استكمال الإجراءات المطلوبة لاستعادة ثقة المؤسسات الدولية والمستثمرين.

ويرى مراقبون أن الإدارة الأمريكية تواصل التعامل مع الملف اللبناني من منظور يركز على الاستقرار الأمني ومنع أي تصعيد على الحدود، مع استمرار جهودها في الوساطة بين بيروت وتل أبيب، من دون تقديم ضمانات تتعلق بمواعيد تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي.

مقالات مشابهة

  • علاقات بيريز أمام تأثير لقجع.. مونديال 2030 يشعل مواجهة مبكرة بين المغرب وإسبانيا
  • وكالة فارس: سماع دوي انفجار جنوب خرم آباد في محافظة لرستان
  • ترامب: تكلفة الأضرار بالسفن ستُدفع من الأموال الإيرانية التي نسيطر عليها
  • وكالة فارس: دوي انفجارات متتالية يُسمع في مدينة الأهواز جنوب إيران
  • قوات الاحتلال تنفذ عملية تفجير في بلدة مركبا جنوب لبنان
  • محفظة ليبيا أفريقيا للاستثمار تقر تأسيس شركة لصناعة الأسمنت
  • خبير أمن معلومات: ChatGPT قد يضعف التواصل الحقيقي بين الأزواج والأسر
  • مأزق واشنطن.. هل يفتح ترامب جبهة ثامنة في مالي للهروب من المستنقع الإيراني؟
  • بـ61 ألف توقيع.. جماهير الأرجنتين تطالب بإعادة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا
  • الأمم المتحدة تعرب عن قلقها البالغ إزاء التهديدات التي أطلقتها ميليشيا الحوثي ضد المملكة