"جيوتيان"، طائرة هجومية صينية مسيّرة من الجيل الخامس، والمُصنَّعة ضمن فئة "الارتفاعات الشاهقة وقدرات التحمّل الطويلة" (high-altitude long-endurance)، أما المختلف فيها، فهي أنها صُممت لحمل طائرات مسيّرة أصغر في جوفها. في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2024، كشفت الصين عن الطائرة التي تروّج لها كأول حاملة مسيّرات محلقة على ارتفاعات شاهقة، وهي بدون طيار، وضخمة البناء، ومهيأة لأن تحمل مئات الطائرات المسيرة الأصغر حجما، وعليه تكون هذه الطائرة أشبه بقاعدة طائرة يمكنها إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة على ارتفاعات قد تصل إلى 15 كيلومتر.

جاء هذا الكشف في النسخة الـ15 من معرض الصين الدولي للطيران والفضاء في مدينة تشوهاي. وتُشير أحدث التقارير في الإعلام الرسمي الصيني إلى أن اختبارات الطيران ستبدأ في نهاية يونيو/حزيران القادم.

The Chinese Jiu Tian unmanned aircraft carrier, designed with a unique honeycomb structure, began combat duty in June 2025.pic.twitter.com/cKyvWsFFve

— Zhang Meifang (@CGMeifangZhang) May 18, 2025

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2الصين تعلمت الدرس من اليابان.. كيف تهزم البحرية الأميركية؟list 2 of 2السفينة الحربية الصينية التي أظهرت تراجع البحرية الأميركيةend of list حاملة الطائرات المسيّرة

تقوم على تطوير هذا المشروع شركة صناعة الطيران الصينية المملوكة للدولة، واسمها بالصينية (جيوتيان) يعني "السماء العالية". 

هذا المشروع بدأت معالمه الأولى بالظهور من خلال وسائل الإعلام المهتمة بالشؤون العسكرية في أوائل عام 2023، لكن المفاجأة كانت هي أن الطائرة ظهرت علنا في معرض تشوهاي في أواخر العام الماضي. وتشير الرحلة التجريبية المنتظرة في يونيو/حزيران القادم إلى تسارع غير مسبوق من ظهور الفكرة إلى التحليق والتي عادة ما تأخذ بضع سنوات، وذلك عائد إلى الدعم المباشر والسخيّ الذي توجّهه الصين لتسريع الابتكار العسكري خصوصا والابتكارات التفنية بصورة عامة، كما يشير تقرير موقع "أرمي ريكوجنيشن".

طائرة "جيوتيان" (Jiutian SS-UAV) (مواقع التواصل)

أما فيما يتصل بالتفاصيل التقنية للطائرة، فإنها تعتمد على محرك توربيني فائق الدفع مُثبت أعلى هيكلها، ما يمنحها مدى تشغيلي يصل إلى 7 آلاف كيلومتر وزمن تحليق يصل إلى 36 ساعة. وربما يكمن التميّز الحقيقي لطائرة "جيوتيان" في حمولتها، إذ يمكن اعتبارها "المركبة الأم"، لأنها قادرة على حمل ما يصل إلى 6 أطنان من الحمولة المتنوعة، من الطائرات المسيّرة الأصغر إلى الذخائر، داخل حجرة متعددة الاستخدامات، وعلى 8 نقاط تعليق خارجية.

إعلان

وبحسب الإعلام الرسمي الصيني، يمكن للطائرة أن تطلق أكثر من 100 طائرة مسيّرة صغيرة، سواء كانت مسيّرات انتحارية "كاميكازي"، أو طائرات استطلاع، عبر منافذ في أسفل هيكلها، لتتحول إلى موزع جوي للطائرات المسيّرة.

China’s first aerial mothership, Jiutian SS-UAV, is scheduled for its maiden flight in June.

It can cruise at 15,000m high carrying over 100 small drones or 1,000 kg of missiles, with a range of 7,000km.

Don’t worry, China’s military is peace-oriented from the start. We grow… pic.twitter.com/koCXA4uq6g

— Li Zexin (@XH_Lee23) May 18, 2025

 

وتذكر التقارير أن هذه الطائرة تمثل "نقطة قيادة جوية" تنسّق أسرابا معقدة من الطائرات المسيّرة على امتداد مساحات شاسعة. وعند إطلاقها، يمكن لتلك الطائرات المسيّرة القيام بمهام متعددة، سواء كان ذلك لمهام الاستطلاع، أو التشويش، أو أن تسهم في إرباك الدفاعات الجوية للعدو، وصولا إلى تنفيذ هجمات جماعية تجاه أهداف محددة.

دور مزدوج

من ناحية المفهوم، تمثل طائرة "جيوتيان" منافسا لكل من الطائرتين الأميركيّتين "إم كيو-9 ريبر" و "آر كيو-4 غلوبال هوك"، لكنها تختلف عنهما في طبيعة المهام. فبينما تركز مسيّرة "إم كيو-9 ريبر" على الضربات الدقيقة ومهام الاستطلاع، تؤدي طائرة "جيوتيان" دور مركز التحكم الجوي لأسراب المسيّرات، بما يشبه حاملة طائرات جوية.

أما مسيّرة "آر كيو-4 غلوبال هوك"، المعنية بمهام الاستطلاع الإستراتيجي، فهي تفتقر إلى قدرات الهجوم والتحكم اللامركزي التي توفرها الطائرة الصينية.

وتمزج مسيّرة "جيوتيان" بين خصائص الطرازين الأميركيين، مع بعض الإضافات النوعية. فهي مثل طائرة "آر كيو-4 غلوبال هوك" معدّة لمهام استطلاع طويلة الأمد على ارتفاعات شاهقة، وتتميز بجناحين عريضين وقدرة على الطيران المتواصل فوق مساحات شاسعة. كما أن محركها المثبت في الخلف يقلل من بصمتها الحرارية، وهو ما يعزز قدرات التخفّي والمناورة.

????????AVIC's "九天" (Ninth Sky) Heavy-duty UAV system with 8 external attachment points. Also can perform air transport & airdrop, information support & confrontation, firepower strike & support missions…
(via wb/央视军事 / CCTV Military) pic.twitter.com/nvBEH5P4S1

— Jesus Roman (@jesusfroman) November 9, 2024

إعلان

 

ببساطة، تؤدي طائرة "جيوتيان" دورا مزدوجا؛ طائرة هجوم وتجسس على ارتفاعات شاهقة، مثل منافستيها "غلوبال هوك" أو "ريبر"، بجانب كونها منصة لإطلاق الطائرات المسيّرة الصغيرة. وبالمقارنة مع حاملات الطائرات أو المنصات المأهولة على ارتفاعات شاهقة، توفر "جيوتيان" بديلا أكثر كفاءة من حيث التكلفة والتخفي، دون تعريض الطيارين للخطر.

وتذكر التقارير الصينية أيضا أن طائرة "جيوتيان" تستخدم نظام تحكم بالذكاء الاصطناعي يتيح لقائد واحد تشغيل الطائرة وسرب المسيّرات الصغرى عن بعد. وترتبط الطائرة بصورة آمنة بالأقمار الاصطناعية، وربما باستخدام تقنيات التشفير الكمومي للاتصالات، مما يقلل من مخاطر التشويش أو القرصنة.

ورغم حرص الصين على تعزيز قدرتها على التخفي، فإن ضخامتها تجعلها هدفا مغريا لأنظمة الدفاع الجوي المتطورة، مما يتطلب غالبا توفير غطاء جوي لمرافقتها وتحييد التهديدات الأرضية. كما أن أقصى ارتفاع معلن قد تصل إليه الطائرة الصينية (7 آلاف كيلومتر)، فإنها تبقى ضمن نطاق منظومات الدفاع الجوي المتطورة مثل "باتريوت باك-3" الأميركية، ومنظومة "سكاي بو 3" التايوانية، ومنظومة "إيجيس" اليابانية، كما أشار تقرير بصحيفة نيوزويك.

بالطبع، تظل تلك الإمكانات السابقة ادعاءات صينية طموحة، لم تُؤكد أو تُختبر بعد في أرض المعركة. لكن ربما النقطة الأهم هنا هي سرعة تطوير هذه الفكرة، وفرادتها في آن.

إضافة لما سبق، فإن هذا الإيقاع السريع -من التصميم إلى الاختبار خلال عامين- أمر نادر في طائرات مسيّرة بهذه الدرجة من التعقيد، وربما يعكس طموح الصين في تطوير منظومات الطائرات المسيرة، ومن ورائها المنظومات العسكرية الأخرى التي تتيح للصين قدرات مستقبلية على المناورة والتفوق في مجالات محددة.

China has showcased the Jetank heavy UAV for the first time at the Airshow China 2024, which wrapped up on Sun.

The large drone can not only carry missiles and bombs but also smaller drones, earning it the nickname "swarm carrier."

The heavy drone is also exhibited with an… pic.twitter.com/gWi52dR2Ko

— China Focus (@China__Focus) November 18, 2024

إعلان حروب أسراب المسيّرات

ربما السؤال الذي يحتاج لإجابة هو، لماذا تسعى الصين لبناء "حاملة طائرات مسيّرة" محلّقة في السماء؟

قد يكمن جزء من الإجابة في تحوّلات مشهد الحروب المعاصرة. ففي السنوات الأخيرة، أسَرت تكتيكات أسراب الطائرات المسيّرة اهتمام الإستراتيجيين العسكريين، الذين باتوا يرون في نشر أعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة وسيلة لمحاصرة دفاعات العدو عبر الكثرة والتنسيق، وليس بالاعتماد على قوة الأسلحة بمفردها.

مثلا، بدلا من الاعتماد على مجموعة من الطائرات التقليدية أو الصواريخ المُكلفة، صار بالإمكان إطلاق عشرات أو مئات الطائرات المسيّرة. والفكرة هنا أن تلك الأسراب لا تتمتع كل وحدة منها بقوة تدميرية هائلة، لكنها قادرة بمجموعها على إنهاك الخصم الأكثر تطورا وقوة في العتاد والأسلحة.

وفي هذا السياق العام، جاء تطوير "جيوتيان" خصيصا لخوض هذا النوع من الحروب، فهي منصة إطلاق جوية تُضاعف مدى وسرعة انتشار أسراب المسيّرات الصغيرة. تخيّل غيمة من الروبوتات الحربية تغطي السماء في لحظات؛ معادلة تُربك الحسابات الاقتصادية للحروب، إذ يُجبر المدافع على إطلاق العشرات من الصواريخ باهظة الثمن لصدّ هجوم أطلقته منصة واحدة منخفضة التكلفة نسبيا.

بالنسبة للصين وتصوراتها المستقبلية، من المنتظر أن تؤدي "جيوتيان" دورا محوريا في تحقيق التفوق الجوي، خصوصا في المناطق الإستراتيجية المتنازع عليها. ويمكن أن تُشكل إلى جانب المسيّرات الكبيرة والطائرات الحربية المقاتلة والصواريخ الباليستية حزمة عسكرية تضمن لبكين أفضلية الضغط الجوي واستدامة الهيمنة، وموفّرةً ضربات فورية ومؤثرة واستطلاعا دقيقا عند الحاجة، كما يشير تقرير آخر في موقع "أرمي ريكوجنيشن".

يرى المفكرون العسكريون الصينيون أن هذه المقاربة تتجاوز مفاهيم القوة الجوية الغربية التقليدية. فبدلاً من محاكاة الترسانة الأميركية بطائرة مقابل طائرة، تستثمر بكين في أنظمة تقلّل من أهمية تلك الطائرات وحاملاتها. وكما ورد في أحد التحليلات، فإن "جيوتيان" وأخواتها تسعى إلى "إعادة تعريف الهيمنة الجوية" عبر أصول جوية منتشرة، وقابلة للتوسع، ويصعب شلّها بضربة واحدة.

إعلان

حيث يمكن لتلك الأسراب المسيّرة تغطية مساحات شاسعة دون تشكيل هدف مركزي يمكن ضربه، وبذلك فإن خسارة بعضها لا يعني انهيار المهمة، بل هو جزء من عملية الإغراق للمنظومات الدفاعية للخصم وتشتيت جهوده وإرباكه.

ففي الوقت الذي لا يمكن للطيار البشري التواجد سوى في نقطة واحدة، تستطيع منصة "جيوتيان" تنسيق عشرات المسيّرات شبه المستقلة في لحظة واحدة.

China’s Jiutian SS-UAV: Game-Changing “Drone Mothership” Set for Maiden Flight

China is preparing to test its next-generation unmanned aerial system, the Jiutian SS-UAV, a massive high-altitude “mothership” designed to deploy swarms of attack drones and precision-guided… pic.twitter.com/T89eNkP3Vx

— Indo-Pacific News – Geo-Politics & Defense (@IndoPac_Info) May 19, 2025

تتناغم هذه الرؤية مع نقاط القوة الصينية وطموحاتها، فقد درس جيش التحرير الشعبي الصيني الحروب المعاصرة، وخاصة الحرب في أوكرانيا التي تشتهر بأنها حرب الطائرات المسيّرة. حيث إن دروس المروحيات الرباعية التجارية (الكودكابتر) والمسيّرات الانتحارية لم تغب عن بكين، إذ أثبتت أن تلك الأدوات المنخفضة التكلفة يمكنها تدمير الدبابات، أو رصد المدفعيات، بل وتشتيت مجهودات منظومات الدفاع المتطورة عند استخدامها بكثافة.

وبعد حرب أوكرانيا، يقارن بعض القادة العسكريين الأميركيين تأثير تلك الطائرات المسيّرة بالثورات التكتيكية التي غيرت شكل ومسار الحروب تاريخيا. وكيف أن الحرب الروسية الأوكرانية، وبعدها الحرب على غزة، كشفتا أهمية القدرات الإستراتيجية للطائرات المسيّرة الرخيصة وسهلة الاستبدال، أو الطائرات التجارية التي يمكن استخدامها لأغراض عسكرية.

واللافت أن قدرات الصين في استخدام أسراب المسيّرات كانت واضحة قبل حتى تطوير منصة "جيوتيان". في عام 2020، أجرت شركة حكومية صينية بعض الاختبارات النوعية، التي أطلقت خلالها الطائرات المسيّرة من منصات إطلاق مكونة من 48 وحدة إطلاق من الشاحنات ومن طائرات هليكوبتر.

إعلان

ومع تطور الذكاء الاصطناعي ونظم الاتصالات اللامركزية، بات بالإمكان التحكم في أسراب أكبر وأكثر تنسيقا. لذا، عندما ظهرت منصة "جيوتيان"، بدا من المنطقي أن تطلق الأسراب من الجو لا من الأرض، لضرب الخصم من الأعلى في مفاجأة تكتيكية.

وفي مثل هذا السياق، قد تحلق طائرة "جيوتيان" المسيّرة على ارتفاعات آمنة نسبيا، وتستطيع إطلاق أسرابها من المسيّرات الأصغر باتجاه أرض المعركة. ويمكن لتلك الأسراب أن تهاجم مواقع الرادارات، أو السفن، أو منظومات الدفاع الجوي، ممهّدة الطريق أمام قوات الجيش، برا وبحرا وجوا.

تفوق صيني

وحين نبتعد قليلا لننظر إلى الصورة الكبرى، فمسيّرة "جيوتيان" هي ثمرة طبيعية لاستثمار واسع النطاق قادته الصين في مجال المنظومات غير المأهولة (المسيّرة).

ووفقا لتحليلات وتقارير عسكرية حديثة، يوجد حاليا أكثر من 50 نموذجا من المسيّرات قيد التطوير ضمن قطاع الصناعات الدفاعية الصينية، من المروحيات الرباعية "كوادكوبتر" الصغيرة المخصصة للاستطلاع الميداني، إلى الطائرات الهجومية الشبحية ذات الأشكال الغريبة. ولكي نحاول فهم حجم هذا الجهد، يكفي أن نعلم أن المصانع الصينية تتحضّر لإنتاج ملايين من الطائرات المسيّرة الانتحارية الصغيرة بحلول عام 2026.

يرجع الفضل في زيادة الإنتاج، وتوفر هذا المخزون الكبير من الطائرات المسيّرة، إلى سيطرة الشركات الصينية على هذه السوق، التي تنتج وتبيع معظمها حول العالم. وما يزيد من المصاعب هو تخلف قطاع الطائرات المسيّرة التجارية في الولايات المتحدة عن نظيره الصيني، فالشركات الصينية تهيمن على سوق تلك التقنيات التي يمكن تطويعها للاستخدام المزدوج.

مثلا، تشتري أوكرانيا نحو 60% من إمدادات العالم من طائرات "مافيك" الرباعية المروحية التي تنتجها شركة "دي جيه آي" الصينية وفقا لأحدث الإحصاءات.

إعلان

هذه الهيمنة الصينية على هذا القطاع عالميا لم تأتِ مصادفة، إذ أشار تقرير الاتحاد الدولي لأنظمة المركبات غير المأهولة إلى أن أهم أسباب نجاح الشركات الصينية في قطاع الطائرات المسيرة التجارية هو الدعم الواسع الذي تقدمه الحكومة الصينية، وذلك عبر تقديم إعانات سخية واستثمارات مباشرة ووضع تشريعات إستراتيجية، مما وضع الشركات الصينية في موقف قوة في الساحة العالمية.

ففي عام 2015، أطلقت الحكومة الصينية مبادرة "صُنع في الصين 2025″، وهي مبادرة تمتد 10 سنوات للاستثمار في الصناعات الرئيسية، خاصة في مجال التكنولوجيا، بهدف ضمان ريادة الصين وهيمنتها على الأسواق العالمية.

ساهمت تلك الإعانات الحكومية في خفض تكاليف الإنتاج، وبالتالي استطاعت الشركات الصينية أن تُقلل من أسعار المسيرات، مما سمح لها بالتفوق على نظيراتها من الشركات الأميركية، سواء من حيث السعر أو المميزات التقنية.

في النهاية، وبينما يستمر سباق الابتكار في عالم الطائرات المسيّرة، يبقى السؤال: إذا كانت الحروب التي نراها اليوم شديدة التدمير، فكيف بحروب المستقبل؟

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حريات أبعاد الشرکات الصینیة منظومات الدفاع pic twitter com مسی رات رة على

إقرأ أيضاً:

كيف تعيد موسكو بناء قوتها العسكرية؟

ترجمة: نهى مصطفى

وصلت الحرب في أوكرانيا، التي دخلت عامها الخامس، إلى منعطف جديد. فرغم الصعوبات التي تواجهها القوات الروسية ونجاح كييف في استنزاف قدراتها، فإن مستقبل الأمن الأوروبي لا يتوقف على نتيجة الحرب وحدها. فحتى في حال هزيمة موسكو، ستظل روسيا التهديد العسكري الرئيسي في أوروبا، وستسعى إلى إعادة بناء جيشها عاجلًا أم آجلًا.

يختلف المحللون حول سرعة استعادة روسيا لقدراتها العسكرية. فبينما يرى بعضهم أن خسائرها ستؤخر إعادة البناء لسنوات، يحذر آخرون من قدرتها على استئناف سياساتها العدوانية بعد فترة وجيزة من انتهاء الحرب.

تشير الاتجاهات الحالية إلى أن روسيا قد تستعيد قدرات عسكرية كافية لتهديد أوكرانيا أو بعض دول الناتو خلال خمس إلى سبع سنوات. ومن المتوقع أن تعيد بناء جيش أكبر، مزودًا بمزيد من الطائرات المسيرة وقدرات الضرب بعيدة المدى، مع استمرار الإنفاق العسكري المرتفع. غير أن هذه العملية ستواجه تحديات مألوفة، أبرزها نقص الموارد، والطموحات المفرطة، وضعف التنفيذ، وهي عوامل دائما ما تعوق تطوير القوات الروسية.

بينما تركز الولايات المتحدة والدول الأوروبية على دعم أوكرانيا، يتعين عليها أيضًا الاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب. فحتى بعد انتهائها، سيظل الجيش الروسي قادرًا على تهديد دول الناتو، خاصة إذا تراجع الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا.

ومن المرجح أن تسعى موسكو إلى إعادة بناء قدرتها على تنفيذ مناورات هجومية واسعة النطاق، مع الحفاظ على اعتمادها على المدفعية والضربات الدقيقة، وإدماج أعداد كبيرة من الطائرات المسيرة في قواتها. ورغم استمرار تفوق الناتو، فإن الحلف لم يتكيف بعد بالكامل مع هذه التحولات، ما قد يزيد خسائره في أي مواجهة مستقبلية.

يشهد الجيش الروسي مرحلة تحول تجمع بين إرثه التقليدي ومتطلبات الحرب الحديثة. ورغم أن أي صراع مستقبلي مع الناتو سيختلف عن الحرب في أوكرانيا، فإن ضعف الأداء الروسي الحالي لا ينبغي أن يقود إلى التقليل من حجم التهديد. لذلك، تحتاج الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون إلى وضع رؤية مشتركة أكثر جدية لكيفية مواجهة روسيا في السنوات المقبلة.

لا تقتصر إعادة بناء الجيوش على تعويض خسائر الأفراد والمعدات، بل تشمل استعادة الكفاءة القتالية والقدرة على تنفيذ العمليات العسكرية. كما أن تقييم قوة أي جيش يعتمد على طبيعة السيناريو المطروح، فالمتطلبات اللازمة لعملية محدودة تختلف عن تلك المطلوبة لخوض حرب واسعة النطاق.

وفي حالة روسيا، ينبغي أن يستند التقييم إلى قدرتها على استعادة إمكانات تنفيذ العمليات الكبرى، بما يشمل إعادة بناء التشكيلات الكبيرة، وتحسين القيادة والسيطرة، ودمج مختلف صنوف القوات، وهي جوانب كشفت الحرب في أوكرانيا عن أوجه قصور فيها. وفي المقابل، يتعين على الناتو الاستعداد أيضًا لسيناريوهات أقل اتساعًا، مثل هجمات برية محدودة مدعومة بصواريخ وطائرات مسيرة.

ومن غير المرجح أن يعود الجيش الروسي إلى هيكله السابق، وانما سيتجه إلى إعادة تنظيم قواته لتصبح أكبر وأكثر اعتمادًا على المدفعية، ووحدات البنادق الآلية، والدبابات، والطائرات المسيرة، مع زيادة أعداد المشاة. سيواصل الاعتماد على مزيج من الجنود المتعاقدين والمجندين والاحتياط، مع الاحتفاظ بجزء من قواته على الحدود مع أوكرانيا، وهو ما سيؤثر في حجم القوات المتاحة للانتشار في جبهات أخرى.

يعود جانب من الغموض بشأن مستقبل الجيش الروسي إلى أن إعادة بنائه لا تزال تدار إلى حد كبير من قبل قادة ينتمون إلى الجيل السابق، يتقدمهم رئيس الأركان فاليري جيراسيموف، الذي خلص إلى أن إخفاقات الحرب تعود إلى ابتعاد الجيش عن النموذج السوفييتي، فسعى إلى توسيع القوات وإحياء بعض الهياكل القديمة. لكن مع صعود ضباط اكتسبوا خبرتهم من الحرب الأوكرانية، فقد تتغير رؤية الجيش وهيكله في السنوات المقبلة.

رغم الخسائر البشرية والمادية الكبيرة، لا تشير المؤشرات إلى جيش منهار. توسعت القوات الروسية خلال الحرب، وارتفع عدد أفرادها، وأضيفت إلى تشكيلاتها وحدات للطائرات المسيرة والاستطلاع والحرب الإلكترونية، كما أُنشئ فرع جديد مخصص للأنظمة غير المأهولة. ومن المرجح أن يتراجع حجم بعض هذه التشكيلات بعد الحرب، لكن الجيش لن يعود إلى حجمه السابق.

في المقابل، تكبدت روسيا خسائر في المعدات، شملت آلاف المركبات المدرعة وقطع المدفعية وأنظمة الدفاع الجوي، وهي خسائر يصعب تعويض بعضها، ولا سيما الأنظمة المتطورة. وسيؤدي ذلك، على المدى القريب، إلى إضعاف قدرة الجيش الروسي على مواجهة التفوق الجوي للناتو وقدراته على تنفيذ الضربات الدقيقة بعيدة المدى.

رغم خسائرها الكبيرة، سحب الجيش الروسي خلال السنوات الأربع الماضية آلاف المركبات وقطع المدفعية من مخزوناته، وجدد أو أنتج آلاف المركبات الجديدة، فيما زودته كوريا الشمالية بأكثر من 300 قطعة مدفعية. ونتيجة لذلك، يرجح أن يمتلك اليوم العدد نفسه، أو أكثر قليلًا، من المركبات القتالية المدرعة مقارنة بما كان لديه عند بدء الحرب، مع استمرار إنتاج أكثر من200 دبابة T-90M سنويًا، ما يعني أن هذا الطراز قد يشكل نصف أسطول الدبابات الروسي خلال سبع إلى ثماني سنوات. كما تواصل روسيا إنتاج أنظمة الدفاع الجوي بأعداد كبيرة، مع تطويرها استنادًا إلى دروس الحرب.

في الوقت نفسه، تنتج روسيا ملايين الطائرات المسيرة التكتيكية سنويًا، إلى جانب أعداد أكبر من صواريخ كروز والصواريخ الباليستية. كما ارتفع إنتاج الطائرات المسيرة الهجومية أحادية الاتجاه، إذ صنعت أكثر من 70 ألف طائرة عام 2025، وتعاقدت على إنتاج 100 ألف أخرى على الأقل في عام 2026، بينما يطلق الجيش نحو6500 طائرة شهريًا في أوكرانيا. كذلك حسنت روسيا قدراتها على تنفيذ الضربات مع تقليص الزمن بين رصد الأهداف واستهدافها.

لا يكفي قياس قوة الجيش الروسي بعدد أفراده ومعداته، بل يجب أيضًا تقييم كفاءته القتالية وكيفية استخدامه لقواته. فالجيش الروسي، رغم تفاوت مستوى وحداته، حسن أداءه خلال الحرب في مجالات تحديد الأهداف، والضربات الدقيقة، ودمج الطائرات المسيرة، وربط أنظمة الاستطلاع بالمدفعية والأسلحة الموجهة، مستفيدًا من الخبرة القتالية وإعادة تنظيم قواته.

ورغم الصعوبات التي واجهها، أثبت الجيش الروسي قدرة على التكيف، إذ تستغرق دورة استيعاب التكتيكات والتقنيات الجديدة نحو ثلاثة إلى أربعة أشهر. كما شرعت موسكو منذ أوائل عام 2023 في بناء منظومة متكاملة للتعلم العسكري، تربط بين القوات المسلحة، وقاعدة الصناعات الدفاعية، والجامعات، ومراكز الأبحاث، والشركات التكنولوجية، بهدف ترسيخ الدروس المستفادة ودعم احتياجات الحرب.

رغم التطور الذي شهدته بعض القدرات الروسية، ظل الجيش يعاني ضعفًا مزمنًا في الاستثمار في العنصر البشري، إذ اتجه إلى تفضيل التكنولوجيا على التدريب والجاهزية. وكثيرًا ما كانت التدريبات واختبارات الجاهزية شكلية، فيما بالغت القيادة في تقدير أثر الخبرات القتالية، ومنها تجربة التدخل في سوريا.

كما استخلص الجيش في بعض الأحيان دروسًا خاطئة من الحرب. فبدلًا من معالجة أوجه القصور في القيادة المشتركة، ألغى بعض هياكلها، ما أضعف التكامل بين أفرع القوات المسلحة وزاد اعتماده على ترتيبات قيادة مؤقتة في زمن الحرب.

فقد الجيش الروسي جزءًا من قدرته على تنفيذ المناورات المشتركة واسعة النطاق بعد مقتل أعداد من ذوي الخبرة. واعتمد بدلًا منهم على متعاقدين يتلقون تدريبًا محدودًا، بينما اتجه منذ عام 2024 إلى القتال بوحدات صغيرة للغاية، وأحيانًا بجندي أو جنديين فقط، في عمليات بطيئة ومكلفة. ورغم نجاحه في دمج الطائرات المسيرة مع تكتيكات المشاة الصغيرة، فإن ذلك لا يعوض خسارة القادة ذوي الخبرة في إدارة العمليات الهجومية الكبرى، وهو ما سيحد من قدرته على استثمار توسعه في الطائرات المسيرة والقدرات الهجومية خلال السنوات المقبلة.

تواجه إعادة بناء الجيش الروسي تحديات كبيرة، أبرزها نقص الكوادر البشرية. فرغم رفع الحد الأقصى لسن الخدمة إلى 30 عامًا وزيادة العدد المستهدف للقوات إلى نحو 1.5 مليون عسكري، فإن التراجع الديموغرافي، والخسائر البشرية في الحرب، ونقص العمالة الماهرة يجعل بلوغ هذا الهدف أمرًا غير مرجح. كما يحتدم التنافس بين الجيش وقطاع الصناعات الدفاعية على استقطاب العمال في ظل معدل بطالة لا يتجاوز 2.2%.

زادت روسيا إنفاقها العسكري إلى نحو 40 % من الموازنة، أي ما يعادل 8 % من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ضعف مستوى ما قبل الحرب، لكنه لا يزال أقل من الإنفاق السوفييتي في ذروة الحرب الباردة. دخل الاقتصاد الروسي مرحلة ركود منذ عام 2025، مع اتساع العجز المالي وتزايد الاقتراض، ما يجعل الحفاظ على مستويات الإنفاق العسكري الحالية أكثر صعوبة.

ينبغي لحلف الناتو أن يأخذ في الحسبان الاستثمارات الكبيرة التي ضختها روسيا في إعادة بناء قدراتها العسكرية. أنفقت موسكو مبالغ ضخمة على توسيع الإنتاج الدفاعي واستقطاب مئات الآلاف من العمال إلى قطاع الصناعات العسكرية، ومن المتوقع أن يبلغ إنفاقها الدفاعي نحو 180 مليار دولار في عام 2026، أي ما يعادل 400 إلى 500 مليار دولار وفقًا لتعادل القوة الشرائية. مكنها ذلك من مواصلة الحرب، وتوسيع إنتاجها العسكري، وتجنيد أكثر من 400 ألف جندي سنويًا منذ عام 2023.

ومع ذلك، ظلت المشكلة التقليدية للجيش الروسي تتمثل في صعوبة تحويل الطموحات العسكرية إلى قدرات فعلية. فغالبًا ما تصطدم خطط تطوير القوات بنقص الموارد، وضعف التدريب، والقيود التنظيمية، رغم استمرار تركيز العقيدة العسكرية على الجاهزية العالية، والضربات الدقيقة، والاستعداد لخوض حرب واسعة النطاق ضد الناتو. كما دفعت الحرب في أوكرانيا الجيش إلى التركيز بصورة أكبر على الحرب الموضعية بدلًا من المناورة.

لكن أوجه القصور والأداء الضعيف في أوكرانيا لا يبرران التقليل من شأن الجيش الروسي، وهو ما يدركه القادة الأوكرانيون جيدًا. كما أن تقييم قدرة أي جيش استنادًا إلى آخر حرب خاضها قد يقود إلى استنتاجات مضللة. فقد أخطأ المحللون بعد حرب جورجيا عام 2008 في تقدير وتيرة تطور الجيش الروسي، ثم بالغوا في تقدير قدراته بعد تدخله في سوريا، قبل أن تكشف حرب أوكرانيا عن نقاط ضعف. فكل حرب تفرض ظروفها الخاصة، ولا يمكن افتراض أن أي مواجهة مستقبلية بين روسيا والناتو ستسير على النهج نفسه.

رغم أن أسلوب قتال الناتو يختلف عن الأسلوب الأوكراني، فإن الحلف يواجه تحدياته الخاصة، إذ تعتمد قدراته إلى حد كبير على الدور الأمريكي في توفير القوات والدعم اللوجستي والتقني والقيادة العسكرية. وقد بنيت خططه الدفاعية على هذا الأساس، في وقت تشير فيه الولايات المتحدة إلى رغبتها في تقليص دورها في أمن أوروبا، وهو ما يفرض على الحلف إعادة النظر في استعداداته المستقبلية.

تتمتع الولايات المتحدة وحلف الناتو بتفوق في القوة الجوية والبحرية، والضربات الدقيقة، والاستخبارات، وكفاءة القوات، لكنهما يفتقران إلى الخبرة التي اكتسبتها أوكرانيا في مواجهة ساحة قتال تهيمن عليها الطائرات المسيرة والمراقبة المستمرة. وفي المقابل، أعادت روسيا تنظيم قواتها وطورت تكتيكاتها وتقنياتها للاستفادة من هذه القدرات على نطاق واسع، مع احتفاظها بترسانة نووية استراتيجية وتكتيكية تشكل عنصر ردع رئيسيًا، خاصة بعد انتهاء العمل بمعاهدة ستارت الجديدة.

لذلك، ينبغي أن يستند التخطيط الدفاعي إلى طبيعة الحروب المقبلة، التي قد تلعب فيها الطائرات المسيرة والتقنيات الناشئة دورًا أكبر من الأسلحة التقليدية. ورغم استمرار أهمية التفوق الجوي، فإن الناتو قد يواجه صعوبة في التعامل مع أسراب الطائرات المسيرة الروسية والأنظمة الهجومية منخفضة التكلفة، كما أن قواته البرية لا تزال بحاجة إلى تعزيز دفاعاتها الجوية وقدراتها على مواجهة الطائرات المسيرة. ويبقى السؤال المطروح هو مدى قدرة مفاهيم الناتو الحالية على مواجهة جيش روسي اكتسب خبرة واسعة في استخدام هذه التقنيات.

نتيجة لذلك، قد تتكبد جيوش الناتو خسائر أكبر في أي مواجهة مستقبلية، خاصة أن كثيرًا منها محدود الحجم ولا يستطيع تحمل خسائر كبيرة في المراحل الأولى من الحرب. وقد أظهرت المناورات المشتركة مع وحدات الطائرات المسيرة الأوكرانية أن قوات الحلف لا تزال تفتقر إلى الخبرة في القتال داخل ساحة معركة تهيمن عليها الطائرات المسيرة وأنظمة الاستطلاع والضربات الدقيقة، كما أنها لم تتكيف بعد مع دور هذه الأنظمة في دعم المناورة أو تعطيلها. ولذلك، يمثل الجيش الروسي اليوم تهديدًا مختلفًا عن ذلك الذي بدأ الحرب في عام 2022.

لمواجهة هذا التحدي، يحتاج مخططو الدفاع في الولايات المتحدة وأوروبا إلى استيعاب دروس الحرب الأوكرانية بصورة أفضل، وعدم الاكتفاء بالتركيز على التكنولوجيا، بل إعادة هيكلة القوات بما يضمن دمجها بفاعلية في العمليات القتالية. ويتطلب ذلك اتخاذ قرارات صعبة بشأن توزيع الموارد، وتوسيع قدرات الطائرات المسيرة، والحرب الإلكترونية، والدفاع الجوي، وبناء منظومة دفاعية متكاملة قادرة على مواجهة أسراب الطائرات المسيرة منخفضة التكلفة. وبينما تتحدث دول الناتو عن تعزيز الجاهزية، فإن تنفيذ الإصلاحات والاستثمارات اللازمة لا يزال أبطأ من وتيرة التحديات التي تواجهها.

• مايكل كوفمان زميل أول في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي.

• الترجمة عن Foreign Affairs

مقالات مشابهة

  • الجيش الأميركي يبدأ ضربات على أهداف عسكرية في إيران
  • تقارير : سماع دوي انفجارات في شيراز جنوب إيران
  • رسوم الأدوية الجنيسة.. اختبار جديد للمنافسة الأمريكية الصينية
  • "فولكس فاغن" تراهن على السوق الصينية بتقنيات القيادة الذاتية
  • الانفجار الكبير يقترب.. سلاح الجو الإسرائيلي يستعد لشن هجوم على إيران
  • من فرنسا إلى أستراليا بلا توقف.. إيرباص تختبر أطول رحلة عالميا
  • كيف تعيد موسكو بناء قوتها العسكرية؟
  • وصول طائرة “المعلا ” التابعة لشركة فلاي عدن الى مطار عدن الدولي
  • رويترز تكشف معلومات جديدة وخطيرة عن حمولة الطائرة الإيرانية التي وصلت اليمن.. طهران ارسلت كمية من الذهب وعتاد عسكري ونحو 20 خبيراً من الحرس الثوري
  • سلاح الجو الملكي الأردني يسقط 4 طائرات مسيرة قادمة من إيران