استفزاز ودي وحميد للقوى المدنية السودانية
تاريخ النشر: 26th, May 2025 GMT
د. الشفيع خضر سعيد
ابتدرنا في مقالنا السابق استعراض الورقة البحثية التي شارك في كتابتها الباحثان الدكتور أليكس دي وال، المدير التنفيذي لمؤسسة السلام العالمي بجامعة تافتس، والدكتور عبدول محمد، الذي كان يشغل منصب رئيس هيئة موظفي الآلية الأفريقية رفيعة المستوى المعنية بتنفيذ متطلبات السلام في السودان. عنوان الورقة هو «آفاق السلام في السودان: دروس من اللجنة رفيعة المستوى التابعة للاتحاد الأفريقي» وقُدمت في ملتقى الحوار الأفريقي السنوي للسلام والأمن الذي نظمته مؤسسة ثابو مبيكي في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول 2024 بجنوب أفريقيا، وتولى مركز «فِكْرة للدراسات والتنمية» بالتعاون مع مؤسسة ثابو مبيكي، ترجمتها وإصدارها باللغتين العربية والإنكليزية بتاريخ 14 مايو/أيار 2025.
الورقة طرحت سؤالا، ذكرت في مقالي السابق أنه ربما يكون مؤلما للبعض من قياداتنا السياسية، ولكنه من المفترض أن يحفز هذه القيادات للنقاش ويدفعهم لمحاججة صحة إجابة الورقة عليه رفضا أو تقديم تبريرات مقنعة. لذلك، أعيد وأكرر السؤال والإجابة. يقول السؤال: لماذا ينتج السودان باستمرار قادة يفتقرون إلى الشجاعة والكاريزما والرؤية والمبادئ؟ وتقترح الورقة إجابة تقول: إن استمرار الاضطرابات والعنف في السودان على مدى عقود عديدة، مقرونا مع تغلغل الفساد وفرص الثراء من خلال النهب والتهريب والابتزاز، خلق بيئة يزدهر فيها الأكثر قسوة، بينما يتراجع أصحاب النزاهة والتشاور والقيم المدنية. وهذا يخلق تسلسلاً هرمياً يصعد فيه الأقل كفاءةً للسلطة، بما في ذلك في غرف المفاوضات. علاوة على ذلك، ما يجمع كل طرف متحارب ليس التزاماً مشتركاً بأيديولوجية سياسية أو انضباط مؤسسي، بل المصالح المادية، بينما يعيدون باستمرار التفاوض على ولائهم لزعمائهم المزعومين، وهذه ليست وصفة للاستقرار والسلام. وتضيف الورقة أن الأحزاب السياسية والقوى المدنية السودانية لا تملك نفوذاً مادياً كبيراً، وشرعيتها مستمدة من سجل مقاومتها للديكتاتورية. لكن منطقة الراحة الحالية لها هي الدعوة للديمقراطية بدلاً من صياغة رؤية للسلام. وتاريخيا، كان المجتمع المدني السوداني أكثر فاعلية عندما كان في طليعة تحليل المشكلة ووضع الأجندة. وكان دوره في عمليات السلام والمصالحة «جنوب-جنوب» في تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من الألفية، وإدراج حقوق الإنسان والديمقراطية في الأجندة التي أدت إلى اتفاقية السلام الشامل، من أبرز إنجازاته. فهل يمكن للأحزاب السياسية والمجتمع المدني السوداني العودة إلى هذا التقليد. أعتقد هو سؤال كبير واستفزاز حميد وودي من كاتبي الورقة، يستوجب المناقشة العميقة علها تساعد في سبر أغوار المشكلات الراهنة الممسكة بتلابيب القوى السياسية والمدنية السودانية.
إن الاضطرابات في جميع أنحاء «ساحة البحر الأحمر» وخاصة التنافس المحتدم حول هذه الساحة، هي العقبة الاستراتيجية الكبرى أمام إقامة عملية سلام موحدة وذات مصداقية في السودان
وفي فقرة أخرى، تقر الورقة بعدم وجود منصة سلام واحدة ذات مصداقية لوقف الحرب الأهلية الحالية في السودان. منبر جدة الذي انتظم بعد وقت قصير من اندلاع الحرب، كان استجابة أولية منطقية لاندلاع العنف، ولكن لم يُحقق نتائج سريعة، وكان من الأفضل الاعتراف بالفشل بدلاً من الاستمرار. لكن، بدون تعريف المشكلات الأعمق، يصبح هيكل المنبر المحدود وأجندته عائقاً. ولاحقا، تكيف منبر جدة بطريقة عشوائية، حيث دعا الاتحاد الأفريقي أولاً لإضفاء طابع أفريقي وإشراك المدنيين في سلسلة مشاورات، ثم جلب الإمارات كمراقب في مبادرة «ALPS» أو «المواءمة من أجل إنقاذ الأرواح والسلام في السودان» التي استضافتها جنيف. وفي السياق العالمي الحالي، فإن دور ونوايا القيادة الأمريكية في هذه المبادرة، يثيران شكوكاً لدى جهات فاعلة رئيسية أخرى، وخاصة الصين وروسيا. وبما أن الأزمة، جزئياً، هي تنافس يُلعب في السودان حول «ساحة البحر الأحمر» فإن الولايات المتحدة طرف في هذا التنافس. بالإضافة إلى ذلك، وحتى تكون هذه المبادرة ذات مصداقية، كان يجب أن تحدد جوهر الأزمة السودانية بدلاً من مجرد ترتيب عناصر الحل.
تواصل الورقة وتقول إن دولا ومنظمات أخرى أطلقت مبادرات سلام للسودان، كل منها سعى ظاهرياً لسد ثغرة في عملية جدة، لكن من الصعب الهروب من الاستنتاج أن كل مبادرة كانت تهدف أساساً إلى إثبات صلة جهة رعايتها وإبطال مفعول مبادرة منافسة. فمبادرة «الإيقاد» عانت من غياب قيادة سياسية موحدة في المنطقة، ونتيجة لذلك، غياب تعريف مشترك للمشكلة، وركزت فقط على جمع القائدين حول أجندة وقف إطلاق النار، وهو ما لم ينجح. كما أن المبادرة لم تشمل دولاً غير أعضاء في الإيقاد مثل مصر ودول الخليج. أما المبادرة المصرية، فقد شملت جميع الدول المجاورة وذهبت إلى أبعد من غيرها في استكشاف الأجندة السياسية الأوسع، إلا أنها ركزت أيضاً على قضايا الإغاثة الإنسانية، وأعباء اللاجئين على الدول المجاورة، مما أقعدها عن التقدم. وتقول الورقة إن «العملية الموسعة» للاتحاد الأفريقي وُلدت كملحق لمنبر جدة وكمحاولة لجعله أكثر شمولاً، ولتأكيد الحاجة إلى «حل أفريقي» رغم أن مشكلة السودانية ليست أفريقية بحتة، وصراحة، بدا وكأن مفوضية الاتحاد الأفريقي كانت مدفوعة بالحاجة إلى إثبات أهميتها! أما عملية المنامة، فكان يمكن أن تكون فعالة لولا أن واجهتها مشاكل عديدة بعضها خارجي مثل افتقارها إلى دعم السعودية، وبعضها داخلي يتعلق برؤى القيادات العسكرية السودانية. وهكذا، وكأن المبادرات تلغي بعضها البعض.
إن الاضطرابات في جميع أنحاء «ساحة البحر الأحمر» وخاصة التنافس المحتدم حول هذه الساحة، هي العقبة الاستراتيجية الكبرى أمام إقامة عملية سلام موحدة وذات مصداقية في السودان، وبالتالي استراتيجية للاستقرار الإقليمي تشمل جنوب السودان والدول المجاورة الأخرى. فبينما لا تستطيع دول الإقليم منفردة تحديد تسوية سياسية شرعية في السودان، فإن بعضها يمكنه منع التقدم نحو مثل هذه التسوية، إضافة إلى أن السودان يحتل مرتبة منخفضة في قائمة الأولويات الاستراتيجية بالنسبة للعديد من القوى الإقليمية والعالمية. وهذا الانخفاض في الأولوية يعني عدم بذل جهد كافٍ لإيجاد استراتيجية مشتركة لحل الكارثة السودانية. وسنواصل استعراض الورقة.
نقلا عن القدس العربي
المصدر
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: فی السودان
إقرأ أيضاً:
تعايش وسلام اجتماعيين: رؤية سيوسولوجية.. (10)
تعايش وسلام اجتماعيين: رؤية سيوسولوجية.. (10)
دعبدالناصر علي الفكي
أستاذ جامعي ومدير مركز تنمية التعايش الاجتماعي
تقدّم الرؤية السوسيولوجية النقدية لفهم أزمة التعايش الاجتماعي ومعوقات السلام في السودان مقاربة تتجاوز القراءات السياسية الضيقة واتفاقيات المصالحات السطحية، لتتشعب في تحليل البنى الاجتماعية والثقافية المستترة والظاهرة التي تنتج وتعيد إنتاج الصراع، من خلال مقاربة مفهوم الخوف بتمظهراته المتعددة بوصفه العائق الأكبر أمام تحقيق السلام المجتمعي المستدام. فـ”سوسيولوجيا الخوف” ليست مجرد انفعال تلقائي ولحظي، بل هي أداة ممنهجة سياسياً واجتماعياً يتم توظيفها بوعي لصناعة الكراهية وتعزيز الانقسامات، إذ عبر استغلال مخاوف الجماعات المختلفة – سواء كانت مخاوف وجودية مرتبطة بالبقاء، أو اقتصادية تتعلق بالكسب، أو هوياتية تتصل بالعرق والثقافة – يتم إعادة تشكيل وعي الأفراد والجماعات بشكل يحول دون قدرتهم على رؤية الآخر المختلف كشريك حقيقي في بناء الوطن والسلام.
وهنا تكمن الخطورة البالغة لهذه الآلية الخفية، فهي لا تقف عند حد التأثير النفسي العابر، بل تؤدي إلى تكريس التصنيفات المسبقة والصور النمطية المدركة ، يصبح الآخرون بأعراقهم وانتماءاتهم السياسية والثقافية والاجتماعية أهدافاً للوصم والتخوين والعداء الذي يتدرج في عنفه حتى يصل إلى درجة القتل والإبادة، وهي ممارسات تنسف في النهاية أساس المواطنة المتساوية وتهدد البناء الاجتماعي من الداخل. إن صناعة بناء الكراهية تتم بتغذية الخوف المدمر لا تستهدف فقط استبعاد الآخر، بل تعيد تشكيل وعي الجماعات بأكملها، فتجعلها تعيش في حالة استنفار وفزع وتجييش دائم تجاه كل ما هو مختلف، وتدفع نحو تبني مواقف متطرفة لا تميز بين العدو والصديق، وتهدّد عمليات التبادل الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، ولا تعترف بحق الآخر في الوجود المشترك، مما يغذي دوامة العنف الصراعي كبديلاً عن السلام وقبول الآخر .
ترفض الرؤية النظرة الاختزالية للحرب في السودان في لحظة محددة، بأنها ليست وليدة الخامس عشر من أبريل عام 2023 ، بل نتيجة حتمية لتراكمات تاريخية وسياسية وثقافية واجتماعية للنظم المتعاقبة منذ الاستقلال عام 1956، فهي ليست حدثاً طارئاً، بل هي إضافة سيئة أخرى في البنية المعقدة التراكمية للسياق الثقافي والسياسي السوداني المأزوم. هذه النظرة التاريخية تدعو إلى عدم الاكتفاء بمعالجة الأعراض العاجلة لإيقاف إطلاق النار، بل تتطلب مقاربة جذرية تعالج الأسباب الهيكلية المتراكمة التي أنتجت هذا الواقع المأزوم، تلك الأسباب التي ظلت لعقود تغذي مخاوف الجماعات وتعمق الانقسامات بينها، وتجعل الدولة عاجزة عن تقديم نموذج حقيقي للعدالة والمواطنة المتساوية، فتتحول إلى ساحة لتنافس النخب على السلطة والثروة على حساب المشتركات الاجتماعية الهشة أصلاً.
ولعل مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، تمثل نموذجاً يكشف هذه التحولات المأساوية للوضع الراهن؛ فهي المدينة التي اشتهرت بوصفها نموذجاً رمزياً للتسامح والتعايش وقبول الآخر، بفضل تداخلها الإثني والعرقي الفريد وتصافها الاجتماعي والثقافي، تحولت في زمن الحرب إلى مرآة مصغرة تعكس مأساة الوطن بأكمله، حيث بدأت تتجه بثقافة الحرب القذرة نحو الانهيار، وهي من المدن القلائل التي ظن الكثيرون أن معادلاتها الاجتماعية الراسخة محصنة ضد التمزق بحكم عوامل الإنتاج والتداخل الاجتماعي. المؤشرات تدلل على أن ما حدث في الأبيض لم يكن نتيجة لعوامل عارضة، بل انعكاساً لتراكمات الخوف الممنهج التي طالما غذتها السياسات الإقصائية لجماعات الحرب، فتحولت المدينة من نموذج للتنوع المتناغم إلى مسرح للاقتتال والنزوح والتهتك البنيوي، وأصيبت بعلة الحرب نحو هشاشة التعايش في غياب العدالة والاعتراف الحقيقي بالآخر، وهو ما يؤكد أن أي سلام لا يعالج جذور الخوف ويهدئ مخاوف الهوية والوجود هو مجرد هدنة مؤقتة تنتظر انفجارها في أي لحظة.
إن صناعة السلام الحقيقي في السودان لن تمر عبر الاتفاقات السياسية فقط، بل تتطلب تفكيكاً واعياً بالفكر الاستراتيجي لآليات الخوف والكراهية التي طالما غذتها النخب المتعاقبة، وصولاً إلى إعادة بناء المجتمع على أسس من العدالة والاعتراف بالآخر، وهو ما يمثل تحدياً معرفياً وسياسياً وثقافياً يتطلب جهداً مضاعفاً، لأن السلام الحقيقي لا يبنى على هدنة بين الأطراف المتنازعة فقط، بل على إعادة بناء الثقة بين الجماعات، وتفكيك عناصر المخاوف المتراكمة التي تحول دون رؤية الآخر شريكاً وليس عدواً. على الجميع أن يعمل ويسترشد بالإرادة الوطنية لإنهاء هذه الحرب العبثية المدمرة، والقيام بسلطة مدنية تعبر عن الجميع، تعيد الاعتبار للمواطنة المتساوية وتؤسس لتعايش حقيقي يليق بتنوع السودان الغني وتاريخه العريق.