عن تجربة معالجة نفسية في غزة
تاريخ النشر: 28th, May 2025 GMT
في خيمة صغيرة في دير البلح، على بعد أمتار من خطوط المواجهة، تجلس رُؤى شاهين (23 عامًا) وهي ترتّب أوراقًا مثقلة بالحزن، تشبه تمامًا القصص التي تحملها. ليست أوراقًا عادية، بل شهادات لجراح نفسية مفتوحة، ترافقها من المخيم إلى عيادتها المؤقتة، ومن جلسة استماع إلى جلسة بكاء.
"أُعالج الآخرين بينما أُصارع وجعي الخاص"، تقول الأخصائية النفسية التي تخرّجت الأولى على دفعتها من جامعة الأقصى بمعدل 96%.
أمامها، يمر طابور من المعاناة. نساء بعيون غارقة بالسواد، أطفال لا يجرؤون على الحديث، رجال بأكتاف محنية وأصوات ترتجف. لكن أكثر ما يؤلمها، كما تقول، هو الأطفال.
"يرسمون أشلاء، ولا يلعبون إلا لعبة القصف والهرب"، تضيف. "يرون الموت أكثر مما يرون الدمى، ويتحدثون عن الشهداء أكثر من أحلامهم". وتصف رؤى مشاهد الحرب بأنها لا تسكن الذاكرة فحسب، بل تُعيد تشكيلها، تُحفر في داخل الأطفال حتى يتحوّل الخوف إلى جزءٍ من تكوينهم النفسي.
من بين القصص التي لا تغادر قلبها، تروي رؤى عن أحمد، طفل في السابعة، جُلب إليها بعد أن فقد والديه في قصف مباشر على منزله. "كان صامتًا تمامًا. لا يتكلم، لا يأكل، ولا يعرف كيف يستخدم الملعقة"، تقول. "حتى الضوء صار عدوه".
تتذكر رؤى كيف حكت زوجة عمه أنها بمجرد أن أشعلت المصباح في غرفة معتمة صرخ الطفل بشكل هستيري، فحملته باحثة عن تفسير.
بدأت رؤى جلساتها معه تدريجيًا، تسأله عن أشياء بسيطة: "شو بتحب؟ شو بتكره؟"، لتكسر جدار الصمت، ثم اقترحت عليه نشاط الرسم، علّه يُفرّغ شيئًا من داخله. لكنه لم يرسم سوى "خرابيش"، بلا معنى.
فهمت حينها أن الرسم وحده لا يكفي، فانتقلت إلى تقنية "المكان الآمن" — جعلته يُغمض عينيه ويتخيّل نفسه في مكانٍ يحبه، مع شخصٍ يشتاق إليه. "ابتسم. ضحك. وعندما سألته لماذا، قال لي: شُفت ماما وبابا".
في تلك اللحظة، عرفت رؤى أن ذاكرة أحمد ما زالت تحتفظ بصور والديه، وأن الأمل لم يمت بداخله. فتنقّلت معه بين الرسم واللعب والغناء، محاولةً تفكيك صدمة الضوء. كانت تدعوه لمشاهدة فيلم في غرفة معتمة لا يضيئها إلا التلفاز، ثم تُضيء المصباح تدريجيًا، حتى تخلّص من فوبيا الضوء المفاجئ.
"الظلام كان أمانه، لأنه جمعه بلحظاته الأخيرة مع أمه وأبيه تحت الركام"، تقول رؤى. "أما النور فكان لحظة الفقد والخذلان".
اليوم، يعود أحمد تدريجيًا إلى الحياة. يأكل، يتحدث، يضحك، ويلعب تحت الشمس. وقد يكون ذلك، كما تصف رؤى، أجمل إنجاز حققته منذ اندلاع الحرب.
فالت رؤى أن معظم الحالات النفسية التي تراها يوميًا تتمحور حول اضطراب ما بعد الصدمة، الاكتئاب، الشعور بانعدام القيمة، والانسحاب من الحياة. وتقول: "أسمع كلمات مثل: ليش عايش؟ زهقت، بكفي يا عالم، مش مصدق إنو مات، كل يوم".
لكنّ الحرب لا تترك الأطفال فقط في دائرة الخطر؛ الكبار أيضًا يعانون بصمت. "الهالات السوداء، الصوت المرتجف، الصمت الطويل، انحناءة الرأس، حتى الإهمال في النظافة الشخصية... كلها علامات لصدمات دفينة".
في ظل هذا الجحيم، لا تتوفر أدوية نفسية، ولا مهدئات، ولا دعم حقيقي. "لكننا نبتكر"، تقول رؤى بابتسامة خافتة. "نبني برامج ونُفعّل أنشطة جماعية في الخيام، ونحاول جاهدين أن نمنح الناس شعورًا أن هناك من يسمعهم".
غير أن رؤى تُحذّر من المبادرات النفسية المؤقتة للأطفال في مراكز الايواء . "إن لم تكن مستمرة، فقد تتحوّل إلى جرح جديد"، تقولها بحزم. "طفل تعلّق بكلمة أمل، ثم اختفى من حياته مَن قالها، فهذا أشد إيلامًا من الحرب".
رغم أنّها هي ذاتها بحاجة إلى علاج نفسي، إلا أن رؤى شاهين تستمد قوتها من شعور نادر بالإنجاز. "أشعر أنني أملك قيمة. أنني أُغيّر شيئًا في هذا الخراب"، تقول.
للناس، رسالتها واضحة: "ما في حدا ب غزة مش محتاج علاج نفسي. لا تتجاهلوا وجعكم، ولا تستهينوا بالأعراض، ولا تهابوا طرق أبواب الأخصائيين".
أما للعالم، فكلماتها أقسى: "ما يحدث في غزة ليس حربًا فقط. إنه عقاب جماعي. الناس هنا لا يريدون شيئًا سوى الحياة".
وبينما تُكمل رؤى جلساتها في خيمة صغيرة تفتقر لكل مقومات الراحة، تواصل تطبيب النفوس المكسورة بأدوات بدائية، وإيمان داخلي بأن الأمل نفسه مقاومة.
ملاحظة : هذا النص مخرج تدريبي لدورة الكتابة الإبداعية للمنصات الرقمية ضمن مشروع " تدريب الصحفيين للعام 2025" المنفذ من بيت الصحافة والممول من منظمة اليونسكو.
المصدر : وكالة سوا - عمرو الشيخ اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد المزيد من آخر أخبار فلسطين كيف اختفت أعياد الميلاد في غزة؟ حماس: ننتظر الرد النهائي على ما تم الاتفاق عليه مع ويتكوف الأحمد: الذكرى الـ61 لتأسيس منظمة التحرير محطة مفصلية وتجسيد لإرادة التحرر الأكثر قراءة سفارة فلسطين بالقاهرة تعلن استئناف معاملات تقديم طلبات جوازات السفر البيومترية سفير فلسطين بالقاهرة يكشف عن عدد الغزيين الذين استقبلتهم مصر منذ بدء الحرب إدانات دولية واسعة لاستهداف الاحتلال وفدا دبلوماسيا في جنين العليا الإسرائيلية: قرار إقالة رئيس الشاباك غير قانوني وشابه تضارب مصالح عاجلجميع الحقوق محفوظة لوكالة سوا الإخبارية @ 2025
المصدر
المصدر: وكالة سوا الإخبارية
إقرأ أيضاً:
حلمي طولان: جراديشار لا يقارن بوسام.. وأزمة زيزو «نفسية بحتة»
أكد حلمي طولان، نجم الكرة المصرية السابق والمدير الفني، أن النادي الأهلي كان في حاجة ماسة للتعاقد مع مهاجم قوي خلال الفترة الماضية، مشيرًا إلى أن الفريق كان يحتاج لاعبًا بإمكانيات أكبر في مركز رأس الحربة.
وقال طولان، خلال استضافته في برنامج «يا مساء الأنوار» الذي يقدمه الإعلامي مدحت شلبي عبر فضائية MBC مصر 2، إن الأهلي كان يحتاج إلى مهاجم بشكل واضح، خاصة في الموسم الماضي.
وأضاف: «جراديشار ليس مهاجم الأهلي، ولا يمتلك نفس قدرات وسام أبو علي، الذي كان يقدم إضافة هجومية أكبر للفريق.»
وأشار المدير الفني إلى أن تعاقد الأهلي مع سفيان بنجديدة ومنصف بقرار سيكون إضافة قوية للفريق، مؤكدًا أن الثنائي قد يصبح من العناصر الأساسية خلال الفترة المقبلة، خاصة مع مشاركة الأهلي في العديد من البطولات.
وتحدث حلمي طولان عن أحمد سيد «زيزو»، مؤكدًا أن تراجع مستوى اللاعب خلال الفترة الأخيرة يعود لأسباب نفسية أكثر من كونها فنية.
وأوضح: «مشكلة زيزو نفسية بحتة، رحيله عن الزمالك كان له تأثير، كما أن المقابل المالي الكبير الذي حصل عليه من الأهلي جعل جماهير الفريق تنتظر منه مردودًا أكبر، وهو ما زاد الضغوط عليه.»
واختتم طولان تصريحاته بالتأكيد على أن زيزو يمتلك الإمكانيات التي تؤهله للعودة إلى مستواه المعهود حال استعادته الثقة والتركيز.