من المؤكد أن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية لا تؤثر فقط على مواطنيها، بل على جميع بقاع المعمورة - بما فـي ذلك قريتي الصغيرة التي أقضي فـيها إجازة العيد -، ولكن هذا لا يعني ألا أردد بيني وبين نفسي وأنا أتابع هذا التراشق المضحك بين رئيسها القويّ ومليارديرها الغنيّ: «فخار يكسّر بعضه». ولا أظنني بحاجة إلى شرح أن هذا المثل الشعبي يتردد عادةً عندما يتشاجر اثنان كلاهما مذنب أو لا يستحق التعاطف، فـيكون المعنى أن النزاع بينهما لا يهمنا فـي شيء؛ لأنهما من النوعية أو الأخلاق نفسها.
لو كنتُ مكان إيلون ماسك الآن لاستعدتُ جميع مأثورات الأدب العربي عن الجزاء من غير جنس العمل، بدءًا من بيت المتنبي الشهير: «إذا أنتَ أكرمت الكريم ملكته»، وليس انتهاء بالبيت الأشهر: «ومن يفعل المعروف فـي غير أهله...»؛ فقد وُصِفَ تبرعه لحملة الرئيس ترامب الذي ناهز ربع مليار دولار بأكبر تبرع انتخابي فـي التاريخ. ولم يكتفِ بذلك، بل أسس أيضًا قبل الانتخابات بأسابيع (فـي أكتوبر 2024) لجنة للعمل السياسي أسماها RBG BAC وتبرع لها بأكثر من عشرين مليون دولار، وعَهِد إليها بتبييض صورة ترامب أمام الناخب الأمريكي فـيما يخص قضية الإجهاض، هذا عدا الملايين العشرة التي تبرع بها لصندوق قيادة مجلس الشيوخ الجمهوري. لقد كان سببًا رئيسًا فـي عودة ترامب إلى البيت الأبيض، ثم يأتي هذا فـي النهاية ويقلب له ظهر المِجَنّ متهمًا إياه بالجنون والانحياز لمصالحه التجارية!
لكن هل كان دعم صاحب شركة «تسلا» لترامب لوجه الله أو أمريكا؟! فـي الحقيقة فإن الإجابة بالنفـي؛ فهو - مثله مثل ترامب - تاجر يؤمن أن الحياة صفقات «أعطني أُعطِك». ومثلما تبرع بــ«سخاء» لأبي إيفانكا فإن ترامب فـي المقابل رد له الجميل، ونقله – بمجرد أن صار رئيسًا - من مجرد رجل أعمال إلى وزير فـي أقوى دولة فـي العالم، بل إنه كان أقوى وزير فـي حكومة ترامب، حين كلفه برئاسة ما سُمِّيَتْ وزارة كفاءة الحكومة (DOGE)، التي وعد ماسك بأنها ستعمل على تقليص الإنفاق الحكومي، وتحسين الكفاءة من خلال إعادة هيكلة الوكالات الفـيدرالية، وتحديث التكنولوجيا. وخلال أربعة أشهر فـي هذه الوزارة فعل ماسك الأفاعيل دون أن يردعه أحد؛ فقد ألغتْ وزارته - بحكم الصلاحيات الواسعة التي منحها له الرئيس – الكثير من العقود، وقلصت العديد من البرامج المخصصة للصحة العامة، والبحث العلمي بمليارات الدولارات، وخفضت التمويل لبرامج أخرى مهمة، وحجّمت دور وكالات مثل مكتب حماية المستهلك، ووكالة التنمية الدولية. كل هذا بحجة توفـير مائة وستين مليار دولار للخزينة الأمريكية. ومع ذلك؛ فإن تحليلًا مستقلًا زعم أن هذه التخفـيضات كلفت دافعي الضرائب مائة وخمسة وثلاثين مليار دولار؛ بسبب تكاليف قانونية، وخسائر فـي الإيرادات، مذكِّرًا إيانا بالمثل الشعبي: «كأنك يا بو زيد ما غزيت»؟ بل إن الحاجة إلى إعادة توظيف موظفـين مفصولين زادت من التكاليف بدلًا من تقليلها. والأدهى والأمرّ الشكوكُ التي ظلت قائمة طوال فترة وزارة ماسك بوقوعه فـي فخ «تضارب المصالح»؛ فقد ذكر تقرير صادر عن مجلس الشيوخ أن شركاته، مثل: «تسلا»، و«سبيس إكس» جنت من قرارات وزارته، ما يزيد على مليارَيْ دولار!
وإذن ظن ماسك - على ما يبدو - أن إضافته القوة السياسية إلى قوته الاقتصادية ستجعل منه أقوى رجل أعمال فـي العالم، غير أنه اكتشف مع الوقت أنه وقع فـي حفرة كان فـي غنى عنها. الملياردير - الذي «يلعب» بالمال كيفما شاء - تزامن توليه الوزارة مع تراجع أداء شركاته، خاصة «تسلا» التي شهدت انخفاضًا فـي المبيعات بنسبة 71%. كما أنه فقد الكثير من شعبيته عند المواطن الأمريكي؛ لأنه بدا عدوًّا لكل ما من شأنه تحسين حياة هذا المواطن من صحة عامة، وبحث علمي، وغيرهما من الخدمات التي قلص الإنفاق عليها، ثم جاءت الضربة القاضية من مشروع قانون الإنفاق الضخم الذي دعمه ترامب، وسماه «مشروع قانون كبير وجميل» («One Big Beautiful Bill»). وقد وصفه ماسك بأنه «تشويه مقزز»؛ لأنه يزيد العجز الفـيدرالي بمقدار ثلاثة تريليونات دولار، ما يجعل جهود وزارته فـي تقليص الإنفاق الحكومي أشبه بهشيم تذروه الرياح. ولأن ترامب لا يحب أن يُقال له إلا «آمين»، ويغضب ممن يخالفه الرأي؛ فقد غضب من انتقاد ماسك، ووصفه بأنه «فقد صوابه»، بل هدده بإلغاء العقود الحكومية مع شركاته، ليرد ماسك باتهام الرئيس بالتورط فـي قضية «جيفري أبستين» (وهي قضية شهيرة تورط فـيها كثير من الشخصيات العامة فـي أمريكا وخارجها بالاستغلال الجنسي لقاصرات)، وأنه يرفض لهذا السبب نشر ملفاتها علنًا.
وبينما يواصل الرئيس القويّ، والملياردير الثريّ التراشق أمام وسائل الإعلام؛ يتفرج العالم، ونحن معهم مبتسمين ومرددين: «فخار يكسّر بعضه».
سليمان المعمري كاتب وروائي عماني
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
1.3 مليار دولار كلفة تطوير إستاد "بنك أوف أمريكا"
تعلن مجموعة "تيمبر للرياضة والترفيه" عن تحول استثماري يرفع الكلفة الإجمالية لمشروع تطوير ملعب "بنك أوف أمريكا" إلى "1.3 مليار دولار".
موقع "Sports Business Journal" الاقتصادي، يؤكد أن شركة "تيمبر" ستنفق نحو "500 مليون دولار" إضافية عما كان متوقعاً في البداية لتجديد إستاد بنك أوف أمريكا، مما يرفع الكلفة الإجمالية للمشروع من "800 مليون دولار" إلى "1.3 مليار دولار". وفي المقابل تظل حصة مدينة شارلوت المحددة بـ"650 مليون دولار" كما هي دون تغيير".
Tepper Sports & Entertainment will spend an additional $500M on the Bank of America Stadium renovation, increasing the total project cost from $800M to $1.3B ????️
Charlotte's $650M contribution remains unchanged.
MORE: https://t.co/xjvsVXNLFP pic.twitter.com/zMZstE0BLp
ويتابع الموقع: "جاء هذا الإفصاح الخميس بالتزامن مع طرح المجموعة الأكثر شمولاً حتى الآن من التصاميم الهندسية والفنية للمشروع، الذي بدأ تنفيذه بالفعل ومن المتوقع الانتهاء منه بحلول 2030". وتتولى شركة "HOK" تصميم وإخراج المشروع معمارياً. وتظهر التصاميم الهندسية هيكلاً جديداً يُكشف عنه لأول مرة، وهو موقع مخصص للفعاليات الموسيقية يتسع لـ"4,400 مقعد" يقع في الجانب الشمالي الشرقي من الإستاد، بالإضافة إلى ذلك يخطط المهندسون لإجراء تغييرات على الواجهة الخرسانية للإستاد البالغ "30 عاماً"، لاستبدالها بأسوار زجاجية، ومساحات فاخرة في الهواء الطلق، وتوسعة الممرات العلوية للمقاعد".
وأعلن "بنك أوف أمريكا" عن تمديد عقد حقوق تسمية الإستاد لسنوات طويلة، ليؤكد استمرار اقتران اسم البنك بالمنشأة الرياضية. وتأتي هذه الخطوة بعد عقد قصير الأجل أبرمه الطرفان 2023 أثناء إعداد خطط التطوير الشاملة بالتنسيق مع المدينة، تمهيداً لإبرام هذا الاتفاق الممتد فور اعتماد الخطة النهائية.