فايننشال تايمز: هل بدأ الناتو يستعد للحرب ضد روسيا؟
تاريخ النشر: 2nd, July 2025 GMT
أفاد تقرير لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية بأن البلدان الواقعة في أقصى الخاصرة الشرقية للقارة الأوروبية تعدّ العدة تحسبا لأي قرار قد تتخذه روسيا -التي تشكل لها تهديدا وخطرا داهما- لاختبار القدرات الدفاعية لحلف شمال الأطلسي (ناتو) الذي أكمل مؤخرا مناورات لقواته الجوية في فنلندا.
وقالت إنه في الوقت الذي تنشغل فيه موسكو حاليا بحربها على أوكرانيا، فإن كثيرين على طول الحدود الفنلندية الروسية يتوقعون أن يحوِّل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين انتباهه يوما ما إلى الجهة الشرقية لحلف الناتو.
وقد حذر الأمين العام للناتو مارك روته الشهر الماضي من أن موسكو قد تكون مستعدة لاستخدام القوة ضد الحلف "في غضون 5 سنوات". وقال روته في خطاب ألقاه: "دعونا لا نخدع أنفسنا، نحن جميعا على الجناح الشرقي الآن".
وفي وقت لاحق، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في خطاب ألقاه أمام قمة الحلف التي انعقدت الأسبوع الماضي في مدينة لاهاي بهولندا، إن روسيا تخطط لعمليات عسكرية جديدة على أراضي الناتو.
وفي حين طمأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب حلفاءه لدى وصوله إلى لاهاي لحضور القمة بأنه معهم "حتى النهاية"، إلا أنه كان قد أثار فزع العواصم الأوروبية قبل ساعات من ذلك بإشارته إلى أن اتفاقية الدفاع المشترك بين الحلف العسكري، المعروفة باسم المادة الخامسة، مفتوحة للتفسير.
ووفقا للصحيفة البريطانية، فقد أثارت رئاسته تساؤلات عن مدى قوة الضمانات الأمنية التي تقدمها أميركا وكذلك طول أمدها، مما وضع قدرات أوروبا الدفاعية تحت المجهر بطريقة لم يسبق لها مثيل منذ عقود.
وتُظهر صور الأقمار الصناعية نشاطا متزايدا في القواعد الروسية القريبة من الجناح الشرقي لحلف الناتو، بما في ذلك مطارات ليفاشوفو وكامينكا وأولينيا، التي كانت هدفا لهجمات الطائرات المسيرة الأوكرانية، وهو ما اعتبرته فايننشال تايمز دليلا على أن موسكو بدأت بالفعل اتخاذ خطوات لتعزيز حضورها الإقليمي.
إعلانونقلت الصحيفة عن الأمين العام للناتو القول إنه لا يتوقع أن تشنّ روسيا هجوما على المدى القريب، بينما أكد نائب رئيس أركان قوات الدفاع الفنلندية الفريق كاري نيسولا أنه لن يساوره القلق بشأن توقيت مثل هذا العمل العدواني قائلا إنه عبر مئات السنين من التاريخ، لم يكن الأمر يتعلق بما إذا كان ثمة هجوم سيقع، بل متى، ولكن في كل الأحوال "عليَّ أن أكون مستعدا كل يوم".
وتحث العديد من دول أوروبا الشرقية الأعضاء في حلف الناتو الخطى لزيادة إنفاقها الدفاعي لسد الثغرات في القدرات العسكرية تحت ضغط كل من روسيا وترامب.
التزام بدفاع جماعي
وفي قمتهم الأخيرة في لاهاي، أكد الحلفاء مجددا "التزامهم الصارم بالدفاع الجماعي"، إذ اتفقوا على زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5% من إجمالي الناتج المحلي خلال العقد المقبل، على الرغم من وجود بعض المرونة في ما يتعلق بالمبلغ الذي سيتم الالتزام به للدفاع عن خطوط المواجهة. وقد حصلت إسبانيا على استثناء مثير للجدل من خلال وعدها بتحقيق هدف الإنفاق الدفاعي لحلف الناتو بتكلفة أقل.
ونسبت الصحيفة إلى أحد مسؤولي الاستخبارات الإقليمية، من دون أن تسميه، القول: "كلنا نريد ردع روسيا من خلال إظهار القوة، وبتعزيز قدراتنا. ولكن على الجانب الآخر، ستكون هناك حسابات بوتين الخاصة في مرحلة ما تتعلق بما إذا كان يعتقد أنه قادر على تحقيق النصر. علينا أن نتأكد من أنه لا يخطئ التقدير".
ووقفت فايننشال تايمز في تقريرها على مدى استعدادات دول الناتو في الجبهة الشرقية، حيث تعد النرويج -التي تتشارك حدودا بطول 200 كيلومتر مع روسيا- نموذجا للدول الأوروبية التي تزيد إنفاقها لتعزيز قواتها العسكرية.
وعلى الرغم من أن النرويج لا تواجه تهديدا مباشرا من روسيا -كما تزعم الصحيفة- فإن رئيس وزرائها يوناس غار ستور يقول إن جميع دول المواجهة على علم بأن روسيا تخطط لإعادة إنشاء منطقتي موسكو ولينينغراد العسكريتين المنفصلتين اللتين تم دمجهما في عام 2010.
قليلون هم الذين يعتقدون أن هجوما روسيًّا على الناتو سيبدأ من الشمال المتجمد في البر الرئيسي للنرويج. ولكن هناك مخاوف من أن تُقدم موسكو على إجراء اختبار صغير على أرخبيل سفالبارد المنزوع السلاح في القطب الشمالي، وهو إقليم نرويجي ولكنه أيضا موطن لمستوطنة روسية.
دفاع عن أول سنتيمتروثمة دولة أخرى في الناتو هي فنلندا التي عانت من ألم فقدان جزء من أراضيها لمصلحة روسيا. فعلى الرغم من صمودها أمام الاتحاد السوفياتي في حرب الشتاء بين عامي 1929 و1940، فإنها خسرت حوالي 10% من مساحتها خلال الحرب العالمية الثانية.
ولهذا السبب، ظلت فنلندا طوال 80 عاما من انتهاء تلك الحرب تستعد بثبات مرة أخرى لغزو محتمل من جهة روسيا التي تعمل على زيادة قواتها وعتادها العسكري على الحدود. لكن الفنلنديين يعتقدون أن الأمر قد يستغرق من الروس سنوات بعد أن تضع حربهم في أوكرانيا أوزارها حتى يستردوا كامل قوتهم مرة أخرى.
ورغم أن شعار الناتو الجديد -بحسب الصحيفة البريطانية- هو الدفاع عن أول سنتيمتر من أراضيه، فإن من الواضح أن التنازل في فنلندا عن بعض الأراضي مؤقتا سيكون جزءا من أي خطة دفاعية.
رغم أن شعار الناتو الجديد هو الدفاع عن أول سنتيمتر من أراضيه، فإن من الواضح أن تنازلا مؤقتا في فنلندا عن الأراضي قد يمثل جزءا من أي خطة دفاعية
ويقول يارمو ليندبيرغ، وزير الدفاع الفنلندي السابق والنائب البرلماني الحالي، إن بلاده لديها احتياطيات من جميع أنواع الوقود والزيوت تكفي 6 أشهر، وحبوب تكفي 9 أشهر تقريبا، كما أنها متعاقدة مع مجموعة من الشركات المحلية لتحويل خطوط إنتاجها لمقابلة الاحتياجات وقت الحرب إذا لزم الأمر.
إعلانكذلك يعتقد الفنلنديون أن موقعهم الإستراتيجي -الذي يمتد من القطب الشمالي حتى بحر البلطيق– يعني أن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تتخلى عنهم. وقد أوضح ترامب أنه يعتبر القطب الشمالي أمرا بالغ الأهمية لأمن بلاده، طبقا للصحيفة.
رايك: أي إخفاق في الرد بقوة على أي عدوان مستقبلي من موسكو يعني نهاية التحالف، لذلك، فإن الكثير يتوقف على مدى شعور بوتين بالجرأة طبقا للنتائج التي يحققها في حربه ضد أوكرانيا
سلام سيئ وخطر داهمأما دول البلطيق الثلاث -إستونيا ولاتفيا وليتوانيا- فإن أمرها مختلف، إذ يُنظر إليها على أنها المنطقة الأكثر عرضة لهجوم روسي محتمل.
ويعود أحد أسباب ذلك إلى التاريخ حيث كانت في أربعينيات القرن الماضي جزءا من الاتحاد السوفياتي السابق الذي ضمها إلى حدوده. ولكن السبب الغالب يكمن في صغر حجمها وموقعها المعزول، طبقا لفايننشال تايمز.
وتحذر مديرة المركز الدولي للدفاع والأمن في إستونيا، كريستي رايك، من أن أي إخفاق في الرد بقوة على أي عدوان مستقبلي من موسكو يعني نهاية التحالف، "لذلك، فإن الكثير يتوقف على مدى شعور بوتين بالجرأة طبقا للنتائج التي يحققها في حربه ضد أوكرانيا".
وقالت إن الولايات المتحدة إذا فرضت سلاما "سيئا" على أوكرانيا، فإن روسيا ستشعر بأن الحق إلى جانبها، "وسيزداد من ثم الخطر على أمننا". وأضافت أن الأمر يتلخص في سؤال أساسي واحد هو: "كيف تقيِّم روسيا مدى استعداد حلف الناتو للرد بشكل جماعي، على أي عدوان تشنه؟".
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات ترجمات فایننشال تایمز
إقرأ أيضاً:
وسط انسداد أفق السلام بالسودان.. المدنيون يدفعون الثمن الأكبر للحرب
تتصاعد المأساة الإنسانية في السودان مع دخول الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع عامها الرابع، متسببة في واحدة من أعمق الأزمات الإنسانية في العالم، وسط تبادل حاد للاتهامات بين طرفي النزاع وعجز المبادرات الدولية والإقليمية عن انتزاع هدنة توقف نزيف الدماء وتنقذ المدنيين.
وشهدت منطقة "بربر" جنوب مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان هجوما جديدا شنته قوات الدعم السريع، أسفر عن مقتل 15 مدنيا وإصابة آخرين. ووصفت حكومة الولاية الهجوم بأنه "اعتداء غادر" استهدف مدنيين عزلا، ويمثل انتهاكا سافرا للقانون الدولي الإنساني والأعراف والقيم.
وبالتزامن مع ذلك، حذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) من التداعيات الوخيمة لتصاعد الصراع في ولاية شمال كردفان، مشيرا إلى أن تعطل خدمات المرافق الصحية تسبب في تضرر نحو نصف مليون شخص بالمنطقة.
تضليل الشعب السوداني
وفي قراءة للكلفة الباهظة للعمليات العسكرية على حياة المدنيين، اعتبر المحلل السياسي والخبير الإستراتيجي المعتصم الرشيد، في مداخلة مع برنامج "ما وراء الخبر"، أن الحديث عن مجرد "قتال بين طرفين" يحمل تضليلا، مؤكدا أن الشعب السوداني يخوض معركة دفاع شرعي عن أرضه وعرضه ضد مجموعات معتدية تتلقى دعما ماليا وعسكريا خارجيا.
واتهم الرشيد أطرافا دولية وإقليمية بتوفير السلاح، واصفا قوات الدعم السريع بـ"البندقية المأجورة"، ومشددا على أن الحل يبدأ بوضع المتمردين للسلاح.
في المقابل، صرح الدكتور فتحي أبو عمار، الأكاديمي السوداني ورئيس تحرير صحيفة "الوسط السودانية"، بأن قيادة الجيش هي من تتحمل مسؤولية إطالة أمد الحرب والتلكؤ في الذهاب إلى السلام بذرائع واهية.
وأوضح أبو عمار أن قوات الدعم السريع تملك رؤية للذهاب إلى سلام غير مشروط ونقاش كافة الملفات على طاولة الحوار، بينما يضع الجيش شروطا تعجيزية تحت مسمى "الانسحاب" هي في جوهرها طلب بالاستسلام. وفي الوقت ذاته، شدد على إدانته لأي قتل أو انتهاك يستهدف المدنيين من أي طرف كان.
التدخل الخارجي
من جانبه، أكد أليكس دي فال، مدير مؤسسة السلام العالمي، أن السودان يعيش أعمق أزمة إنسانية حاليا، حيث تواجه معظم المناطق خطر المجاعة فضلا عن موجات نزوح ولجوء هي الأكبر عالميا. وأضاف أن الطرفين يستخدمان التجويع كسلاح في الحرب ويمنعان وصول المساعدات الإنسانية للمحتاجين والنازحين.
إعلانوأرجع دي فال استعصاء الحل واستمرار النزاع إلى الدعم والتدخل الخارجي الذي يتلقاه الطرفان؛ موضحا أنه بالرغم من نفي إحدى دول الجوار تقديم المساعدة لقوات الدعم السريع، إلا أن الواقع يؤكد وجود إسناد لوجستي كبير لهذه الميليشيات أدى لتكرار انتهاكات دارفور وتهديد مناطق كردفان، في حين تتلقى القوات المسلحة إسنادا وتجهيزات من قوى أخرى. وأكد أن وقف هذا التدفق العسكري الخارجي يعد الشرط الأساسي لإيقاف الحرب.
وحول المبادرات المطروحة -ومنها المبادرة الأمريكية للهدنة الإنسانية لمدة 90 يوما بقيادة المستشار مسعد بولس- أشار المشاركون إلى أنها اصطدمت بشروط ومواقف متصلبة من الطرفين، فضلا عن غياب الإرادة الدولية والمحاسبة الفعالة من جهات مثل محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية تجاه مرتكبي الجرائم.
ومع تضرر موسم الحصاد والتغيرات المناخية التي تهدد بتعميق الأزمة الغذائية، حذر الخبراء من أن استمرار التراشق بالاتهامات العبثية والهروب من التفاوض المباشر سيزيد من معاناة الشعب السوداني، داعين كافة الأطراف المتصارعة إلى الاستجابة لنداء العقل وقبول الواقع والالتفات الحقيقي لمعاناة المدنيين قبل فوات الأوان.