هيهات منا الذلة .. اليمن يستحضر كربلاء في معركة الصمود ومواجهة الطغاة
تاريخ النشر: 6th, July 2025 GMT
شهدت الساحات اليمنية في مختلف المحافظات، في يوم عاشوراء، خروجًا مليونيًا غير مسبوق لإحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، في مشهد جسّد وحدة الهوية الإيمانية والثورية التي يتبناها اليمنيون، ورفع المشاركون شعار “هيهات منا الذلة” في تجديد رمزي لمعاني الكرامة والرفض للظلم والوصاية، مؤكدين ولاءهم لدماء الشهداء.
يمانيون / تحليل / خاص
دلالة الحدث
هذا الحضور الكبير لا يمكن قراءته كفعالية دينية فحسب، بل يحمل أبعادًا سياسية وثقافية واجتماعية عميقة في ظل السياقات الراهنة التي يعيشها اليمن والمنطقة، فهو تأكيد على تموضع الهوية الثورية في قلب الثقافة اليمنية ، حيث يأتي إحياء عاشوراء في اليمن متداخلًا مع السياق الثوري ضد الظلم والعدوان ، فاستذكار الحسين عليه السلام ليس فقط شعيرة دينية، بل خطاب ثورة مقاومة، والجموع اليمنية حين تردد “هيهات منا الذلة”، فهي توائم بين رسالة كربلاء ومسيرة الصمود الوطني منذ سنوات العدوان.
الولاء لدماء الشهداء .. استمرارية المعركةالحشود أكدت في هتافاتها وراياتها الولاء لدماء الإمام الحسين عليه السلام ولدماء الشهداء، مما يشير إلى أن معركة اليمنيين لم تنتهِ، وأن هذه الفعالية بمثابة تأكيد على بقاء جذوة الثورة والمقاومة مشتعلة، إذ يتحول الإمام الحسين عليه السلام إلى رمز جامع للشهداء الذين سقطوا في وجه العدوان، في الماضي والحاضر.
عاشوراء .. ذكرى لكل زمان ومكانرسالة عاشوراء لا تتقيد بزمنها التاريخي ولا بموقعها الجغرافي، فهي مشروع دائم يستلهمه الأحرار في كل العصورـ وقد أعاد اليمنيون التأكيد من خلال هذه المسيرات أن ثورة الإمام الحسين هي مدرسة متجددة لمواجهة الظلم والطغيان، وأن كربلاء ليست ذكرى بل منهج حياة، يعلم الصبر والثبات والمقاومة.
في اليمن، تتحول عاشوراء إلى منصة لتجديد العهد بالمواجهة، ورسالة واضحة بأن معركة كربلاء مستمرة بصور وأشكال متعددة، في وجه الطغاة والمستكبرين، وأن دم الحسين ما زال ينطق في وجه الطغيان الحديث.
رسالة للداخل والخارج .. وحدة شعبية رغم المعاناةورغم الأوضاع الإنسانية الصعبة والمخاطر المحدقة باليمن وأبناء الشعب اليمني نتيجة المشاريع الاستعمارية في المنطقة التي يقودها العدو الصهيوأمريكي، أثبت الخروج المليوني قدرة الشعب اليمني على تجاوز الألم، وتحويله إلى طاقة روحية وجماعية، وهي رسالة للداخل بأن الشعب لا يزال متماسكًا، وللخارج بأن مشروع التركيع فشل، فالشعب لا ينسى قادته ولا قضيته.
هيهات منا الذلة .. ليس مجرد شعارهذا الشعار لم يكن مجرد عبارة موروثة، بل صرخ به المشاركون كقاعدة فكرية وسلوكية، إنه إعلان صريح بأن الشعب اليمني لا يقبل الهوان، وأن مشروع الكرامة الذي استشهد من أجله الحسين عليه السلام ، ما زال حيًا في ضمير أمة تواجه حصارًا وعدوانًا مستمرين منذ سنوات.
خاتمة:يمكن القول إن الخروج المليوني في عاشوراء اليمن لم يكن فعلاً احتفاليًا بل فعلًا مقاومًا ودرواً إيمانياً من منطلق التعبير عن الهوية ، لقد شكل تجسيدًا حيًا لثنائية “الإيمان والثورة”، وأعاد التأكيد على أن اليمن لا يزال يحمل مشروعًا يتجاوز حدوده الجغرافية، مشروعًا يقاوم الاستسلام، ويستلهم من كربلاء معاني النصر على الطغيان مهما كانت كلفة التضحيات، مستندًا إلى مدرسة لا تزول رسالتها: “كل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء.”
المصدر
المصدر: يمانيون
كلمات دلالية: الحسین علیه السلام هیهات منا الذلة الإمام الحسین مشروع ا
إقرأ أيضاً:
تعايش وسلام اجتماعيين: رؤية سيوسولوجية.. (10)
تعايش وسلام اجتماعيين: رؤية سيوسولوجية.. (10)
دعبدالناصر علي الفكي
أستاذ جامعي ومدير مركز تنمية التعايش الاجتماعي
تقدّم الرؤية السوسيولوجية النقدية لفهم أزمة التعايش الاجتماعي ومعوقات السلام في السودان مقاربة تتجاوز القراءات السياسية الضيقة واتفاقيات المصالحات السطحية، لتتشعب في تحليل البنى الاجتماعية والثقافية المستترة والظاهرة التي تنتج وتعيد إنتاج الصراع، من خلال مقاربة مفهوم الخوف بتمظهراته المتعددة بوصفه العائق الأكبر أمام تحقيق السلام المجتمعي المستدام. فـ”سوسيولوجيا الخوف” ليست مجرد انفعال تلقائي ولحظي، بل هي أداة ممنهجة سياسياً واجتماعياً يتم توظيفها بوعي لصناعة الكراهية وتعزيز الانقسامات، إذ عبر استغلال مخاوف الجماعات المختلفة – سواء كانت مخاوف وجودية مرتبطة بالبقاء، أو اقتصادية تتعلق بالكسب، أو هوياتية تتصل بالعرق والثقافة – يتم إعادة تشكيل وعي الأفراد والجماعات بشكل يحول دون قدرتهم على رؤية الآخر المختلف كشريك حقيقي في بناء الوطن والسلام.
وهنا تكمن الخطورة البالغة لهذه الآلية الخفية، فهي لا تقف عند حد التأثير النفسي العابر، بل تؤدي إلى تكريس التصنيفات المسبقة والصور النمطية المدركة ، يصبح الآخرون بأعراقهم وانتماءاتهم السياسية والثقافية والاجتماعية أهدافاً للوصم والتخوين والعداء الذي يتدرج في عنفه حتى يصل إلى درجة القتل والإبادة، وهي ممارسات تنسف في النهاية أساس المواطنة المتساوية وتهدد البناء الاجتماعي من الداخل. إن صناعة بناء الكراهية تتم بتغذية الخوف المدمر لا تستهدف فقط استبعاد الآخر، بل تعيد تشكيل وعي الجماعات بأكملها، فتجعلها تعيش في حالة استنفار وفزع وتجييش دائم تجاه كل ما هو مختلف، وتدفع نحو تبني مواقف متطرفة لا تميز بين العدو والصديق، وتهدّد عمليات التبادل الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، ولا تعترف بحق الآخر في الوجود المشترك، مما يغذي دوامة العنف الصراعي كبديلاً عن السلام وقبول الآخر .
ترفض الرؤية النظرة الاختزالية للحرب في السودان في لحظة محددة، بأنها ليست وليدة الخامس عشر من أبريل عام 2023 ، بل نتيجة حتمية لتراكمات تاريخية وسياسية وثقافية واجتماعية للنظم المتعاقبة منذ الاستقلال عام 1956، فهي ليست حدثاً طارئاً، بل هي إضافة سيئة أخرى في البنية المعقدة التراكمية للسياق الثقافي والسياسي السوداني المأزوم. هذه النظرة التاريخية تدعو إلى عدم الاكتفاء بمعالجة الأعراض العاجلة لإيقاف إطلاق النار، بل تتطلب مقاربة جذرية تعالج الأسباب الهيكلية المتراكمة التي أنتجت هذا الواقع المأزوم، تلك الأسباب التي ظلت لعقود تغذي مخاوف الجماعات وتعمق الانقسامات بينها، وتجعل الدولة عاجزة عن تقديم نموذج حقيقي للعدالة والمواطنة المتساوية، فتتحول إلى ساحة لتنافس النخب على السلطة والثروة على حساب المشتركات الاجتماعية الهشة أصلاً.
ولعل مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، تمثل نموذجاً يكشف هذه التحولات المأساوية للوضع الراهن؛ فهي المدينة التي اشتهرت بوصفها نموذجاً رمزياً للتسامح والتعايش وقبول الآخر، بفضل تداخلها الإثني والعرقي الفريد وتصافها الاجتماعي والثقافي، تحولت في زمن الحرب إلى مرآة مصغرة تعكس مأساة الوطن بأكمله، حيث بدأت تتجه بثقافة الحرب القذرة نحو الانهيار، وهي من المدن القلائل التي ظن الكثيرون أن معادلاتها الاجتماعية الراسخة محصنة ضد التمزق بحكم عوامل الإنتاج والتداخل الاجتماعي. المؤشرات تدلل على أن ما حدث في الأبيض لم يكن نتيجة لعوامل عارضة، بل انعكاساً لتراكمات الخوف الممنهج التي طالما غذتها السياسات الإقصائية لجماعات الحرب، فتحولت المدينة من نموذج للتنوع المتناغم إلى مسرح للاقتتال والنزوح والتهتك البنيوي، وأصيبت بعلة الحرب نحو هشاشة التعايش في غياب العدالة والاعتراف الحقيقي بالآخر، وهو ما يؤكد أن أي سلام لا يعالج جذور الخوف ويهدئ مخاوف الهوية والوجود هو مجرد هدنة مؤقتة تنتظر انفجارها في أي لحظة.
إن صناعة السلام الحقيقي في السودان لن تمر عبر الاتفاقات السياسية فقط، بل تتطلب تفكيكاً واعياً بالفكر الاستراتيجي لآليات الخوف والكراهية التي طالما غذتها النخب المتعاقبة، وصولاً إلى إعادة بناء المجتمع على أسس من العدالة والاعتراف بالآخر، وهو ما يمثل تحدياً معرفياً وسياسياً وثقافياً يتطلب جهداً مضاعفاً، لأن السلام الحقيقي لا يبنى على هدنة بين الأطراف المتنازعة فقط، بل على إعادة بناء الثقة بين الجماعات، وتفكيك عناصر المخاوف المتراكمة التي تحول دون رؤية الآخر شريكاً وليس عدواً. على الجميع أن يعمل ويسترشد بالإرادة الوطنية لإنهاء هذه الحرب العبثية المدمرة، والقيام بسلطة مدنية تعبر عن الجميع، تعيد الاعتبار للمواطنة المتساوية وتؤسس لتعايش حقيقي يليق بتنوع السودان الغني وتاريخه العريق.