بين حكمة دومينيك دو فيلبان ومغامرة إيلون ماسك
تاريخ النشر: 8th, July 2025 GMT
شرع رئيس الحكومة الفرنسية الأسبق دومينيك دو فيلبان في تأسيس حزب جديد باسم «فرنسا الإنسانية» وبدوره أعلن الملياردير الأمريكي إيلون ماسك نيته تأسيس حزب جديد في الولايات المتحدة باسم «حزب أمريكا». وقد يكون الحزب الأول انعكاسا لنضج سياسي، والثاني مغامرة جديدة أشبه بالمغامرات التي تشهدها الولايات المتحدة منذ تأسيسها.
وهكذا، في ظل الزلازل التي تضرب المشهد السياسي العالمي منذ سنوات وتفاقمت مع الحرب الروسية – الأوكرانية، ثم طوفان الأقصى والحرب الإيرانية – الإسرائيلية علاوة على عشرات النزاعات الأخرى، والحرب الباردة الآخذة في التبلور بين بكين وواشنطن، يأتي الإعلان عن تأسيس حزبين سياسيين في بلدين لهما دور كبير في العلاقات الدولية، سواء بسبب عضويتهما الدائمة وحق الفيتو في مجلس الأمن أو المشاركة في الحروب.
وعلاقة بفرنسا، منذ سنوات، يعيش المواطن الفرنسي، أو بالأحرى السياسي، حالة من التيه السياسي وفقدان الثقة في المسار الانتخابي، ومن دون بوصلة سياسية. لم يعد يؤمن بالوجوه السياسية التي تتنافس على قيادة البلاد، إذ بات المشهد يعاني من فراغ رمزي وشخصي. فرنسا، التي كانت تنجب شخصيات سياسية من طراز فرانسوا ميتران وجاك شيراك والجنرال ديغول، لم تعد قادرة على إنتاج زعماء يمتلكون رؤية أو كاريزما وطنية ودولية.
في المقابل، توالت في العقدين الأخيرين وجوه لا تعكس سوى تراجع القيم الجمهورية: هكذا نجد الرئيس المحافظ نيكولا ساركوزي، الذي طاردته الفضائح والاتهامات بالفساد والتورط في حرب ليبيا وأصبح من زوار المحاكم، ثم خلفه في الإليزيه فرانسوا هولاند، الذي لم يتجاوز دور الموظف الإداري البيروقراطي في أعلى هرم السلطة لتصبح معه رئاسة البلاد مجرد إدارة.
ثم جاء إيمانويل ماكرون الفاقد للون السياسي، والذي يبدو أقرب إلى منتج تسويقي لصالح الشركات الكبرى، منه إلى رجل دولة يحمل مشروعا اجتماعيا أو سياسيا. ووسط هذا الإحباط السياسي، يعلن دومينيك دوفيلبان تأسيس حزب جديد سيكون رئيسه الشرفي، ويحمل اسم «فرنسا الإنسانية»، كما يحمل شعارات منها «استيقظوا من السبات».
تذهب كل التحاليل والمعطيات في فرنسا إلى بدء الرئيس الحالي دومينيك دو فيلبان في الإعداد للرئاسيات الفرنسية سنة 2027، ويكفي أن خطابه مقنع لغالبية الفرنسيين، وتجعل منه استطلاعات الرأي السياسي المفضل في هذا البلد الأوروبي. خطابه السياسي يدعو إلى الأمل، وعلاقة بالعلاقات الخارجية، فهو من الأصوات التي تفهمت موقف أمم الجنوب، عندما أحجمت عن الانخراط في موقف الغرب لإدانة روسيا.
وقال «كذبنا على الجنوب في حرب العراق حول أسلحة الدمار الشامل، ولم يعد يؤمن بنا وبقيمنا». وجرّت عليه مواقفه المؤيدة لفلسطين اتهامات بمعاداة السامية، فقد كان الصوت الرئيسي، ضمن أصوات أخرى، الذي هابته الدعاية الصهيونية في فرنسا.
وخلال المواجهة الإيرانية -الإسرائيلية لم ينخرط في دعم إسرائيل، إنه سياسي يحث على فهم أعمق للإسلام والهجرة، ويحارب الأحكام المسبقة، وإذا كان الجميع يتذكر خطابه الشهير في مجلس الأمن خلال فبراير 2003 لمعارضة الحرب ضد العراق، فما زال يحمل الجينات نفسها، ويطالب بفرنسا قوية وأوروبا موحدة، لكيلا تخضع للضغط الأمريكي، وإن تطلب الأمر الانفتاح على الصين ومجموعة البريكس وأمم الجنوب. وعرض دو فيلبان أفكاره في كتابه الصادر مؤخرا «قوة الرفض» أو «القوة في قول لا».
بالموازاة مع ما يجري في فرنسا، يفاجئ أغنى رجل في العالم، وربما في التاريخ «قارون الرقمي» حتى الآن إيلون ماسك، الجميع بإنشاء حزب سياسي أمريكي جديد، واختار له من الأسماء «حزب أمريكا»، في عملية تأميم الوطنية والوطن برمته.
ورفع شعارا مركزيا وهو إنهاء سيطرة الحزبين، الديمقراطي والجمهوري على الحياة السياسية في الولايات المتحدة. سياق التأسيس مثير للغاية، فهو جاء في أعقاب خلاف علني مذهل، أشبه بفيلم سينمائي بين ماسك والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعدما قام ساكن البيت الأبيض بسن مشروع قانون الميزانية، سماه «مشروع قانون كبير وجميل»، الذي انتقده ماسك بشدة بسبب تأثيره على العجز الفيدرالي وعدم وجود تدابير لتعزيز التحول الأخضر.
ويقدم صاحب سيارة «تيسلا» الحزب الجديد «حزب أمريكا» كبديل ضروري، مدعيا أن النظام الحزبي الحالي بالتناوب بين الجمهوري والديمقراطي هو في العمق يعمل كـ»حزب واحد» يقود البلاد إلى الخراب، من خلال الهدر المالي والفساد الإداري. ولم يتردد ترامب في إبداء الغضب، فقد هدد بقطع الدعم الفيدرالي عن شركات ماسك، بل طرح إمكانية تجريده من الجنسية الأمريكية وترحيله مثل مهاجر غير نظامي.
ويمكن تفسير القلق الذي يبديه دونالد ترامب تجاه الحزب الجديد في إطار التحضيرات للانتخابات التشريعية المقبلة، التي ستُجرى لتجديد نصف مقاعد مجلس النواب ومجلس الشيوخ. ومن المرجح أن يشكل دخول هذا الحزب تحدياً حقيقياً للحزب الجمهوري، إذ قد يؤدي إلى تقليص أغلبيته البرلمانية لصالح كل من الحزب الديمقراطي والحزب الناشئ، وهو ما من شأنه أن يُقيد قدرة ترامب على تنفيذ برنامجه السياسي.
يشكل قرار دومينيك دو فيلبان بتأسيس حزب جديد تحتاجه فرنسا والترشح من دون شك للانتخابات الرئاسية سنة 2027 نضجا سياسيا، لأنه بمثابة عودة الحكمة للمشهد السياسي الفرنسي، بعدما تراجع وأصبحت الأسماء التي تمثله هي ماكرون وماري لوبين، وهو بهذا يتقمص دور الفيلسوف الحكيم إراسموس، الذي دفع بالفكر الأوروبي. ومن جهة أخرى، يمكن رؤية تأسيس حزب أمريكا من طرف إيلون ماسك مثل ذلك الكاوبوي في فيلم «من دون رحمة» الذي مثله كلينت إيستوود الذي يعود للانتقام من الشريف الذي جسده جين هاكمان.
القدس العربي
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه فرنسا ماسك ترامب فرنسا ترامب ماسك مقالات مقالات مقالات سياسة مقالات سياسة سياسة سياسة مقالات صحافة تكنولوجيا مقالات سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تأسیس حزب جدید إیلون ماسک حزب أمریکا
إقرأ أيضاً:
المعتقل السياسي العياشي الهمامي لقيس سعيد: استقل لقد آن لمرحلتك أن تنتهي
وجه المحامي والمناضل السياسي العياشي الهمامي رسالة من داخل سجنه، دعا فيها إلى ضرورة إنهاء مرحلة " العبث" واستقالة الرئيس قيس سعيد لأنها باتت "ضرورة" في ظل الوضع الذي تعرفه البلاد .
وشدد المحامي السجين العياشي الهمامي أن المخرج من "الانقلاب" يكون باستعادة الديمقراطية ودولة القانون والمؤسسات وسراح المساجين والمعارضين.
وقال الهمامي مخاطبا الرئيس سعيد :" إن استقالتَك ليست مطلبًا سياسيًا، بل ضرورةً وطنية عاجلة، لقد فشلتَ، وفقدتَ الشرعية، واستنفدت صبر التونسيين ولم يعد استمرارك في الحكم سوى إمعانٍ في استنزاف الدولة والمجتمع، وتعميقٍ للأزمة، وتأخيرٍ للخروج منها".
وأكد" استقِل، وافتح الطريق أمام إنهاء هذه المرحلة، وإعادة الكلمة إلى الشعب، خمسُ سنوات عجاف مرّت منذ أن انقلبتَ على الدستور الذي أقسمت على احترامه، وافتككتَ كلّ السلطة بلا حسيب أو رقيب أو رادع".
واعتبر أن" المخرج ليس الفراغ ولا الفوضى، ولا استبدال شخصٍ بآخر، ولا الانتقال من استبداد إلى استبداد آخر، المخرج هو استعادة الديمقراطية، دولةٌ يحكمها القانون لا الفرد، ومؤسساتٌ مستقلة، وقضاءٌ مستقلّ، وانتخاباتٌ تنافسية، وحرياتٌ مصونة، وسياساتٌ تعيد للدولة وظيفتها في خدمة مواطنيها، وتنمية تؤمن الرفاه للجميع".
وقال إن:" الإنقاذ يبدأ بالقطع مع سابقة الانقلاب من خلال استعادة الشرعية الدستورية وإرساء أسس دولة القانون، وإلغاء المراسيم القمعية، وإطلاق سراح المساجين السياسيين، وتعليق المحاكمات السياسية، والقطع الصريح مع الخطاب والسياسات التي غذّت العنصرية والكراهية والتمييز، وإعادة الاعتبار لقيم المساواة والكرامة الإنسانية، وتنظيم مرحلة انتقالية تستجيب للأولويات الاقتصادية والاجتماعية، وتمهّد لانتخابات ديمقراطية حرّة تعيد الكلمة إلى الشعب".
وشدد الهمامي، "لقد آن لهذه المرحلة أن تنتهي، حتى تعود الكلمة إلى الشعب، والسلطة إلى القانون، والدولة إلى مواطنيها ومواطناتها".
كما تساءل الهمامي" فماذا أنجزتَ للناس، عدا الخوف والظلم والجوع؟ وماذا حقّقتَ للبلاد، غير التفكّك والاهتراء والتأخر والفشل؟ وعدتَ الناس بالرخاء، فلم يجنوا سوى الغلاء والفقر وانسداد الأفق".
وخاطب الهمامي في رسالته سعيد قائلا:" حوّلتَ القضاء إلى أداة للقمع والتنكيل، وتصفية المعارضات، وخنقِ الصحافة والإعلام، وسجنِ المواطنين بسبب رأي أو تدوينة، وإعادة مناخ الخوف والرقابة الذاتية، خوّنتَ المجتمع المدني، وكبّلتَ العمل النقابي، وأوصدتَ أبواب الحوار، واستهدفتَ بالقمع كلّ حراكٍ شعبي أو تضامني".
وتابع" وضعتَ دستورك الفردي ورفضتَ حتى إرساء مؤسساته، فتركتَ البلاد في حالةٍ دائمة من الغموض وشبح الفراغ، أفرغتَ الانتخابات من معناها حين تلاعبت بشروطها وسجنت جلّ منافسيك، فأعدت تونس إلى عهد الانتخابات الهزلية وأغلقت باب التداول السلمي على السلطة".
وأضاف" أما السيادة التي رفعتَ شعارها، فقد فرّطتَ فيها، رهنتَ البلاد لدور حراسة الحدود الأوروبية مقابل بعض المال والاعتراف السياسي، فحوّلتها إلى سجنٍ لأبنائها وكابوسٍ لمن اضطرّ إلى العبور عبرها بحثًا عن أفقٍ أرحب، وغطّيتَ ذلك بشعارات سيادوية ونظريات عنصرية بائسة".
وزاد" جعلت من المهاجرين شماعةً لفشلك، ومنحتَ غطاءً سياسيًا لاعتداءات عنصرية طالت حتى التونسيين السود، زرعتَ الكراهية، وجعلتَ الاختلاف تهمة، والنقد جريمة، والمعارضة خيانة.
وأكد الهمامي أن حصيلة سعيد " كارثية حيث جمع بين السلطة المطلقة واللامسؤولية المطلقة، وظل يرمي بفشله على عاتق أعداء وهميين"
وأكد" الشرعية لا تأتي من احتكار السلطة، ولا تُصنع باستفتاءات صورية، ولا بانتخابات على المقاس، بل من حرية الاختيار، واستقلال المؤسسات، وسيادة القانون، والحاكم لا يبقى لأنه يرفض الرحيل، بل لأنه يقبل الاحتكام إلى شعبه.د وما كان انقلابًا على الدستور لا ينبغي أن يصبح قدرًا للوطن".
ويقبع الهمامي بالسجن منذ نهاية عام 2025 ، بعد صدور حكم ضده يقضي بسجنه 5 أعوام في ما يعرف بملف "التآمر".
وسبق أن توجه الهمامي عند اعتقاله برسالة للمعارضة والمجتمع المدني بضرورة التوحد للتصدي " للاستبداد" و" الانقلاب" واسترجاع الحرية .