عربي21:
2026-07-24@03:26:46 GMT

من المسؤول عن مأساة غزة وحرب إبادتها؟

تاريخ النشر: 26th, July 2025 GMT

من المفترض أو المطلوب لأي تحليلٍ يريد أن يكون عقلانياً أو موضوعياً أن يتجرد قدر الإمكان من العواطف، خاصةً الجياشة الهادرة منها، وما أكثرها هذه الأيام.

نطالب، ممن ينتظرون كلاماً عاقلاً، أو من أنفسنا إذا كنا جادين، ببرودة الثلج لدى التحليل، لكي نصل إلى تصوراتٍ واقتراحاتٍ تطرح حلولاً لما يحيق بنا، خاصةً إزاء مجزرةٍ ودمارٍ لا مثيل لهما، ولكي نتجنب الانسياق بدورنا في المزيد من الإثارة والتهييج، اللذين قد يؤديان إلى إشعال الأمور أكثر مما هي عليه (وإن كان يصعب تصور إمكانية هذا)، ومن ثم إلى الانزلاق إلى المزيد من التهور والدمار في دائرةٍ مفرغة.



للإنصاف، يصعب تصور هذا أيضاً في ضوء العجز العربي الشامل والتام، إلا أنني أرى فائدة محاولة التفكير بهدوء، في خضم حمّامات الدم، وفي قلب الصراع المحتدم، للتمكن من طرح الأسئلة الحقيقية، الأهم، ومن ثم محاولة الخروج من تلك الهوة أو الجُرف الذي لم نزل نتردى فيه دون أي مؤشرٍ على قاعٍ قد نصل له، فنأمل بمعاودة الصعود. أسئلةٌ مثل: كيف وصلنا إلى هذه الحال من الضعف والضعة والهوان؟ كيف نخرج من هذا الوضع؟ ما الذي نتوقعه من إسرائيل وأمريكا؟ والأهم من كل هذا هل هما المسؤولان عن هذه المجزرة؟ فإن لم يكونا فمن المسؤول؟

بدايةً لا بد من الإشارة إلى كون جيلي وما تلاه لم يعش (بل لم يشهد مثيلاً ولا شبيهاً ولو من بعيد)، جولةً من الحرب بهذا الطول بيننا وبين كيان الاحتلال مذ زف إلينا الرئيس المؤمن السادات أن أكتوبر آخر الحروب، وهو الأمر الذي لم يلبث أن كذبه الرصاص والنيران، كما حدث في اجتياح كيان الاحتلال للبنان في عملية الليطاني في 1978، على سبيل المثال، والشاهد أن المعارك لم تتوقف من حينها؛ غير أن الأكيد أنه منذ وضعت حرب 73 وتوابعها أوزارها، لم يعرف الصراع العربي الإسرائيلي جولةً بهذا الطول، أما إذا قيس الأمر بحجم الدمار والنية المعقودة على التهجير، فنحن بصدد الكارثة الثالثة بعد نكبة 48 وهزيمة 67.

الفارق الرئيسي أن العالم العربي لم يكن يوماً بهذا الموات والتشرذم؛ حتى حين كانت جل دوله لم تزل واقعةً تحت الاحتلال بشتى صيغه، بين انتدابٍ واستيطانٍ كالجزائر مثلاً، لم يكن العرب مسكونين بالهزيمة إلى هذا الحد. كانت هناك آمالٌ عريضة بالتحرر والغد الأفضل (في سياق تيارٍ عالميٍ عارم للتحرر ما بين موجة الاستقلال عقب الحرب العالمية الثانية، وتفكيك الاستعمار القديم وموجة مظاهرات الطلبة والحرب الفيتنامية)، كما كان هناك تحدٍ وإرادة وتيارات سياسية لديها رؤى وتصورات للنهوض بهذه المجتمعات وتقديم البدائل والحلول.

نظرياً، أو رسمياً على الأقل، كل الدول العربية باستثناء فلسطين، مستقلة وفي المجمل تملك الدول العربية ثرواتٍ طائلة (خاصة في مصادر الطاقة)، ولم يتغير موقعها الجغرافي، فما زالت على مفترقات الطرق الأهم في حركة التجارة العالمية، وزاد عدد سكانها وصاروا أكثر تعليماً وزاد توافر الكوادر، فما الذي حدث؟ أزعم أننا جميعاً نعلم الإجابة الحقيقية وإن لم يصرح البعض بها.

على الرغم من حيطتي وتحفظي على ما يكتبه الصحافي الراحل هيكل، إلا أنني أجدني لا أتفق معه في شيء بالقدر نفسه حين كان يذكر (نقلاً عن لسان كيسنجر، إذا لم تخني الذاكرة) بأن السادات لم يكن يجيد استخدام أوراقه.

وكان هو أيضاً (السادات) من أشاد بالشاه قبل سقوطه في إحدى محاوراته مع أحمد بهاء الدين، حين قال، إن الشاه هو الأفطن والأحكم، إذ أدرك أن كل الأوراق مع أمريكا (فجلس على حجرها وتعلق بجلبابها) في استعارةٍ بتشبث الطفل بأمه.

لقد وصلنا إلى ما وصلنا إليه نتيجة خيار استراتيجيٍ واعٍ بالتسليم لأمريكا، بالاصطفاف معها وفي محورها، «بالجلوس على حجرها» والتسليم أو التنازل طوعاً عن كل الأوراق المهمة لها؛ حتى فزاعة الإسلام السياسي، التي كان أمثال مبارك يلعبون بها، لم تكن أكثر من تحسين شروط القران المقرر سلفا.
نسلم في القضايا المصيرية كلها مقابل أن تصبح أمريكا/إسرائيل، الضامن لبقاء النظام
لقد سقطت كل المشاريع الكبرى كالتنمية والنهوض إلخ (بفرض أنها وجدت أصلاً) وصار المشروع الأساسي (إن لم يكن الوحيد) للأنظمة هو بقاء النظام نفسه والطبقة المتحلقة حوله والمستفيدة منه؛ نحن لم نزل نعيش في ظل، وندفع ثمن، رثاثة ورداءة البورجوازية العربية المسكونة بالغرب والمهووسة حد الانسحاق به؛ ربما كان من الأدق أو على الأقل الجائز أن ننظر لعبد الناصر بشخصه (وأحياناً بتوابعه وإن بصورةٍ أقل) كجملةٍ اعتراضية ومحاولة للإفلات من هذا الوضع البائس والتبعية التي كانت البورجوازية المصرية والعربية بوجهٍ عام مستسلمةً مستمتعةً به تجاه رأس المال الغربي، إلا أنها ما لبثت أن تسللت ثم سيطرت مرةً أخرى.

لقد كان التسليم والهزيمة خياراً واعياً للأنظمة العربية، معادلة مفادها: نسلم في القضايا المصيرية كلها مقابل أن تصبح أمريكا/إسرائيل، الضامن لبقاء النظام، أو على الأقل ألا تتآمرا على إسقاطه (أحسب النتيجة واحدة على اختلاف الصياغة والآلية)؛ هذا بالطبع في الخطوط العريضة بما يتحمل ويتيح مساحة للخلاف في صغائر الأمور هنا وهناك.

ما أن نتقبل هذا الطرح أو الفرضية، فإن كل تصرفات وتوجهات الأنظمة تصبح مفهومةً ومنطقية، إذ تصير السيطرة على الشعوب ومنعها من الانجراف الصادق والمفهوم والنبيل في دعم الحق والنضال الفلسطينيين، هي الهم والشغل الشاغل للأنظمة، كما يصبح التناقض الرئيسي بين الأنظمة والشعوب لا مع إسرائيل، فبحساب المكسب والخسارة (من وجهة نظر الأنظمة كالمصري وبعض الأسر الحاكمة في الخليج) فإن تصفية القضية الفلسطينية والكتلة البشرية الفلسطينية، يصبح الخيار الأسهل والأرخص بالنسبة لها، وكما كان رابين يود أن يستيقظ فيجد غزة قد غرقت في البحر فإن هؤلاء «القادة» العرب (مع التجاوز في استخدام الكلمة والإقرار بأن كلمة أخرى قريبة هي الأدق والأليق) ربما يتمنون أن يستيقظوا فيجدوا الفلسطينيين نسلاً وسلالةً قد تبخروا كـ»فلسطينيين» وذابت هويتهم وتلاشت تماماً.

أن تكون هذه منحة من السماء لهم ونهايةً للصداع بزوال صاحب الحق، ومن ثم نهاية المطالبة به وزوال جهة الادعاء؟ ربما يكون هذا الكلام قاسياً، إلا أننا في وقتٍ ومنعطفٍ لم نعد نملك فيه رفاهية تخفيف نبرة الكلام. كما أننا لا نجد تفسيراً آخر لكيف أن هذه الأنظمة والدول تقف عاجزةً تماماً عن وقف هذه المجزرة وإيصال رغيفٍ، أو مجرد كسرة خبز، دون موافقة كيان الاحتلال الإجرامي (الأمر الكفيل بإثارة الجنون) إلا بأنها سلمت كل أوراقها وإرادتها تماماً.

هذه هي الإجابة على السؤال عنوان المقال: إن المسؤول هو تواطؤ الأنظمة العربية التي سحقت شعوبها، وبددت كل القوى السياسية ورؤاها، هو التفكك العربي وعجز الشعوب التي لم تعد تنتظر سوى تغير المزاج الغربي، حين يصل جيل الشباب الذي رأي وفهم وتألم إلى سدة الحكم بعد عقدٍ أو اثنين من الزمان، بعد أن يباد الشعب الفلسطيني لعلهم ينقذون من يتبقى منه.

المسؤول هو الهزيمة الشاملة العربية المتمثلة في فقدان أوراق الضغط التي سلمت كاملةً لأمريكا، ربما تكون إسرائيل هي التي تطلق الرصاص بالسلاح الذي توفره لها أمريكا، إلا أن الأنظمة العربية التي لم توقف ولا حتى تهدد بوقف استثماراتها أو توريدات نفطها، أو أي وسيلةٍ أخرى للضغط هي التي مهدت الطريق لهذه المأساة والاستخفاف بالدم الفلسطيني، بطبيعة الحال فإن الخروج من هذا المأزق يبدأ من حل استعصائنا العربي، لا من الرهان على رحمة الغرب وقلبه الحنون.

القدس العربي

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه الاحتلال غزة غزة الاحتلال المجاعة الموقف العربي مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة مقالات سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة إلا أن لم یکن

إقرأ أيضاً:

حيلة المناشف وقميص ميسي.. تفاصيل العملية التي أطاحت بشبكة الـ 32 مليون دولار

صادرت هيئة الجمارك وحماية الحدود الأميركية أكثر من 445 ألف قطعة مقلدة مرتبطة بكأس العالم 2026، بينها قمصان كرة قدم، خلال عمليات أمنية نُفذت في أنحاء البلاد بالتزامن مع البطولة، فيما قدرت الخسائر التي تكبدتها الصناعة بسبب هذه التجارة غير المشروعة بنحو 32 مليون دولار.

وقبيل المباراة النهائية التي أقيمت على ملعب "ميتلايف" في نيوجيرسي، أطلقت السلطات الأميركية عملية حملت اسم "صافرة النهاية"، استهدفت بيع وتوزيع المنتجات المقلدة بصورة غير قانونية.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2الفيفا يبرئ الجزائر والنمسا في تقرير الـ 104 مبارياتlist 2 of 2لامين جمال وهالاند يتصدران قائمة أغلى لاعبي العالم بعد مونديال 2026end of list

وكان قميص النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي الأكثر حضورًا بين المضبوطات.

وقال فرانك روسو، مدير العمليات الميدانية في مكتب الجمارك وحماية الحدود الأميركي بنيويورك، في تصريحات لصحيفة "ذا أتلتيك": "إنه ميسي. لقد شاهدنا الكثير من قمصان ميسي، خصوصًا مع المستوى الرائع الذي قدمه. نضبط قمصان مختلف اللاعبين، لكن الأكثر شعبية هم الأكثر حضورًا".

وفي الأكشاك المؤقتة المنتشرة قرب المناطق السياحية المحيطة بميدان "تايمز سكوير"، كانت قمصان الأرجنتين تُباع مقابل 30 إلى 40 دولارًا، مقارنة بنحو 110 دولارات للنسخ الرسمية من شركة أديداس. ومع تجمع المشجعين الأرجنتينيين في المنطقة قبل النهائي وبعد خسارة منتخب بلادهم، كان قميص ميسي رقم 10 الأكثر رواجًا.

وأقر العديد من المشجعين، عندما سألتهم الصحيفة عن قمصانهم، بأنها نسخ مقلدة منخفضة السعر، اشتروها داخل الولايات المتحدة أو عبر الإنترنت.

جماهير الأرجنتين في تايمز سكوير بنيوورك خلال نهائي مونديال 2026 بين التانغو وإسانيا (الفرنسية)مصادرات عدة في مدن أمريكية

وفي نيويورك وحدها، أسفرت عمليات ضبط 2000 طرد وتفتيش 1400 رحلة جوية وشحنة بضائع عن مصادرة 65 ألف قطعة.

وفي المدن الأمريكية الـ11 المستضيفة لمباريات البطولة، نفذت جهات إنفاذ قانون أخرى، بينها المركز الوطني لتنسيق حقوق الملكية الفكرية، مداهمات استهدفت الأكشاك المحيطة بالملاعب ومراكز المدن، ضمن عملية حملت اسم "اللاعب الجماعي".

إعلان

وأسفرت العمليات عن ضبط كميات كبيرة، من بينها 16 ألف قطعة في ميامي و12 ألفًا في هيوستن، إضافة إلى 16 ألف قطعة أخرى في تورونتو الكندية، إحدى المدن المستضيفة للبطولة.

وقال روسو: "كما يحدث مع سوبر بول، نشهد دائمًا زيادة هائلة في عدد هذه الشحنات ليس فقط قبل المباراة النهائية، بل حتى بعد نهايتها".

حيلة "المناشف"

وفي إحدى الشحنات التي أثارت انتباه المحققين، أظهرت بيانات الحمولة أن محتوياتها لا تتجاوز المناشف، لكن عملية التفتيش كشفت عن حقيقة مختلفة تمامًا، إذ عثر المحققون على أكثر من 2000 قطعة من المنتجات المقلدة، بينها قمصان كرة قدم مرتبطة بالبطولة.

وتكشف هذه الواقعة عن الأساليب التي تلجأ إليها شبكات تهريب المنتجات المقلدة لإخفاء طبيعة بضائعها وتضليل عمليات التفتيش الجمركي، من خلال تسجيل محتويات الشحنات على أنها سلع عادية لا تثير الشبهات.

وتزداد صعوبة التصدي لهذه التجارة بالنظر إلى حجم تدفق هذه المنتجات إلى السوق الأميركية، إذ تشير البيانات إلى أن ما بين 60 و70% من السلع المقلدة التي تصل إلى الولايات المتحدة عبر الشحن الجوي والبحري مصدرها الصين وهونغ كونغ، اللتان تُعدان من أبرز مراكز تصنيع قمصان كرة القدم المقلدة في العالم.

وتستغل هذه الشبكات الطلب الكبير على قمصان المنتخبات والنجوم، خصوصًا خلال البطولات الكبرى، لطرح نسخ أرخص من القمصان الرسمية، مستفيدة من فارق الأسعار لجذب المشجعين، قبل إدخال هذه المنتجات إلى الأسواق عبر شحنات قد تُسجل أحيانًا تحت أوصاف لا تعكس محتوياتها الحقيقية.

مصادرة أقمصة مقلدة خاصة بمنتخبات كأس العالم 2026 (مواقع تواصل)

وأكدت هيئة الجمارك وحماية الحدود الأميركية أن هدفها لا يقتصر على حماية حقوق الملكية الفكرية، بل يشمل أيضًا حماية الأمن الاقتصادي ومنع وصول عائدات هذه التجارة إلى "أيدي المنظمات الإجرامية" أو الجهات المستفيدة من العمل القسري.

وأقر روسو بصعوبة إقناع المشجعين الذين يرون أن أسعار القمصان الرسمية مرتفعة، قائلاً إن السلطات بحاجة إلى بذل جهد أكبر لتوعية الجمهور بالمخاطر، ومنها إمكانية استخدام عائدات تجارة المنتجات المقلدة في تمويل أنشطة تتراوح بين الإرهاب وغسل الأموال وغيرها من الجرائم.

مقالات مشابهة

  • ترامب: تكلفة الأضرار بالسفن ستُدفع من الأموال الإيرانية التي نسيطر عليها
  • سيناريوهات يستعرض أبرز التحديات التي تواجه الحية في رئاسة حماس
  • توكا: أزمة الكهرباء أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن الليبي
  • حيلة المناشف وقميص ميسي.. تفاصيل العملية التي أطاحت بشبكة الـ 32 مليون دولار
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • صحيفة أمريكية تكشف حجم الخسائر الثقيلة التي تعرضت لها القوات الأمريكية بسبب الهجمات الإيرانية
  • الاتحاد العربي لكرة السلة يؤجل البطولة العربية المقرر إقامتها في شهر أغسطس إلى موعد لاحق
  • وعد أم لطفليها ينتهي بفاجعة.. كيف تحولت أمسية شواء المارشميلو إلى مأساة؟