الاختيار كلمة بسيطة في شكلها لكنها من أعقد ما يواجهه الإنسان في حياته. في كل يوم، بل في كل لحظة، يجد الإنسان نفسه أمام قرارات تحتاج إلى اختيار. تبدأ من أبسط الأمور، مثل: ماذا يأكل وماذا يرتدي، وصولًا إلى قرارات مصيرية تحدد مسار حياته، مثل: اختيار العمل، الشريك، الأصدقاء، وحتى المواقف.
الاختيار ليس مجرد لحظة، بل هو تراكم لتجارب، قناعات، تربية، وخبرات سابقة.
ومن أصعب أنواع الاختيار هو الاختيار بين الصح والخطأ، حين تكون الحقيقة واضحة أمامنا، لكن الإغراءات والضغوطات تجعلنا نميل إلى الطريق الأسهل، حتى وإن كان خطأ. وهنا يظهر المعدن الحقيقي للإنسان، هل سينحاز إلى القيم والمبادئ، أم سيختار المصلحة والراحة المؤقتة.
هناك أيضًا نوع آخر من الاختيار لا يقل صعوبة، وهو الاختيار بين طريقين كلاهما صحيح. مثل أن تختار بين وظيفتين جيدتين، أو أن تختار بين أمرين تحبهما بنفس الدرجة. في هذه الحالة لا يوجد صواب وخطأ واضح، بل توجد أولويات، أهداف، وتوقعات للمستقبل. ومن هنا تأتي أهمية أن يعرف الإنسان نفسه جيدًا، وأن يكون صادقًا معها.
المجتمعات أيضًا تمر باختبارات اختيار، خصوصًا في الأوقات الصعبة، عندما تكون مضطرة أن تختار بين ما هو مريح وما هو صعب، بين الحفاظ على المصالح وبين الدفاع عن المبادئ. وكل مجتمع يختار ما يعكس وعيه وثقافته وقيمه.
الاختيار مسؤولية، وكل اختيار له ثمن، فأحيانًا ندفع ثمن الخطأ بالتعب والحزن، وأحيانًا ندفع ثمن الصواب بالصبر والمواجهة. لكن في النهاية، لا شيء أثقل على القلب من الندم على اختيار لم يكن نابعًا من قناعة داخلية.
في كل مرحلة من مراحل الحياة، سنقف أمام مفترقات طرق، وسنُسأل بداخلنا: ماذا نريد؟ ومن نكون؟ وإلى أين نريد أن نذهب؟ والإجابة على هذه الأسئلة هي مفتاح الاختيار السليم.
الاختيار هو ما يصنع الإنسان، وهو ما يحدد مستقبله، وهو ما يخلق الفرق بين حياة عاشها بكرامة، وأخرى عاشها بتردد وخوف. لذا، احرص أن تختار دائمًا بما يرضي ضميرك، حتى وإن كان الطريق صعبًا، لأن الطريق الذي يبدأ باختيار سليم ينتهي دائمًا براحة ورضا.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: الاختيار العادات أن تختار
إقرأ أيضاً:
بيانُ الميدانِ يكتبُ معادلةَ الحصارِ بلغةِ النار
في إطارِ كسرِ الحصارِ الظالمِ والغاشمِ الذي يفرضه العدوُّ السعوديُّ على شعبِنا العزيزِ منذُ اثني عشرَ عامًا، وتثبيتًا لمعادلةِ “الحصارُ بالحصار”، نفذتِ القواتُ المسلحةُ اليمنيةُ عمليةً عسكريةً نوعيةً استهدفت سفينتين نفطيتين سعوديتين خالفتا قرارَ الحظرِ الصادرَ عنِ القواتِ المسلحةِ في البحرِ الأحمر.
يمانيون | علي صومل
تُعدُّ هذه العمليةُ النوعيةُ أولَ ترجمةٍ عمليةٍ لمعادلةِ “الحصارُ بالحصار”، فلها وهجُ البداية، وكلُّ بدايةٍ تكتسبُ حكايةً خاصةً مهما كان حجمُها.
ولم يكن اختيارُ السفنِ النفطيةِ اعتباطًا؛ فالنفطُ هو الشريانُ الاقتصاديُّ الأهمُّ للعدوِّ السعودي، واستهدافُ ناقلاتِه يحملُ رسالةً واضحةً مفادُها أنَّ من يفرضُ الحصارَ على غيرِه لن يبقى بمنأًى عن تبعاتِه، وأنَّ كلفةَ استمرارِ العدوانِ لن تظلَّ أحاديةَ الاتجاه.
وقد جاءت هذه الخطوةُ بعد سجالٍ سياسيٍّ وإعلاميٍّ حادٍّ استمرَّ يومين متواصلين، وكان المضيُّ قدمًا في تنفيذِ التهديد لا يقلُّ أهميةً عن العمليةِ ذاتِها؛ إذ إنَّ مصداقيةَ الردعِ تُبنى على الوفاءِ بالوعيد، لا على إطلاقِه فحسب.
وتمثلُ هذه العمليةُ الردَّ العمليَّ البليغَ على كلِّ بياناتِ النفاقِ والتطبيلِ المنددةِ بفرضِ الحصارِ البحريِّ على العدوِّ السعودي. فكأنَّ صنعاءَ تقولُ لأنظمةِ التطبيعِ والنفاق: كلُّ إداناتِكم تحت أقدامِنا.
كما أنها جاءت بعد تهديداتٍ فارغةٍ أطلقها الأرعنُ الجبانُ ترامب، الذي يوزعُ تهديداتِه يمنةً ويسرةً وفقَ مزاجٍ متقلبٍ كأحوالِ الطقس، وحالةٍ نفسيةٍ مضطربةٍ كأمواجِ البحر.
وما بعدَ هذه العمليةِ ليس كما قبلَها؛ فكما أنَّ بيانَ التهديدِ فتحَ مرحلةً جديدةً، فإنَّ أولَ بياناتِ التنفيذِ كتبَ السطرَ الأولَ في صفحةِ تلك المرحلة. ومن يضعْ نقاطَ الفعلِ على حروفِ القولِ، فإنه يكتبُ عنوانَ المرحلة.
لقد قيل إنَّ الكتابةَ على صفحةِ البحرِ ضربٌ من المستحيل، واليمنُ يكسرُ هذه الأسطورة، ويثبتُ أنَّه لا مستحيلَ أمامَ من يحملُ قلمَ العدالةِ وكلمةَ الحق.
ولم يكتفِ البيانُ بإعلانِ تنفيذِ العملية، بل جددَ تحذيرَه للعدوِّ السعوديِّ من ارتكابِ أيِّ حماقة، وهددَ بالردِّ في عمقِ أراضيه إن هو تجاهلَ التحذير.
وبات العدوُّ السعوديُّ اليوم بين خيارين: التكيفِ مع الحصارِ والتأقلمِ مع نتائجِه المريرة، أو الذهابِ نحو التصعيد، وحينها ستُفتحُ صفحةٌ جديدةٌ ومعادلةٌ جديدةٌ عنوانُها: “التصعيدُ بالتصعيد”.
ويدركُ العدوُّ السعوديُّ أنَّ صنعاءَ لم تُقدمْ على اتخاذِ هذا الخيارِ وتنفيذه إلا بعد الاستعدادِ الكاملِ لكلِّ تداعياتِه.
وإذ تأتي هذه العمليةُ في ظلِّ تعقدِ الوضعِ في مضيقِ هرمز، فإنَّ أيَّ حماقةٍ من العدوِّ السعوديِّ ستُضيِّقُ الخناقَ أكثر، وتُعجِّلُ بانهيارِ هيمنةِ الشرِّ في منطقةِ غربِ آسيا.
وهكذا لم تعد معادلةُ “الحصارُ بالحصار” شعارًا سياسيًّا أو ورقةَ ضغطٍ إعلامية، بل أصبحت واقعًا ميدانيًّا دخل حيِّز التنفيذ. ومنذ هذه اللحظة، لن يكون معيارُ القوةِ ما يُقال في البيانات، بل ما يُترجم على الأرض، وما يُثبت أنَّ الإرادةَ حين تقترنُ بالقدرةِ تُعيدُ رسمَ معادلاتِ الصراع، وتكتبُ عناوينَ المراحلِ الجديدة.