أنور الخنجري

alkhanjarianwar@gmail.com

حينما بدأت البعثة التبشيرية الأمريكية عملها في مسقط أواخر القرن التاسع عشر، لم يكن التعليم سوى وسيلة من وسائلها لتثبيت النفوذ وبسط التأثير الثقافي والديني، وبذلك، يُنسب إليها إنشاء أول مدرسة "حديثة" في البلاد عام 1893 على يد القس بيتر زويمر، أول راعٍ للكنيسة في مسقط، والمسؤول الأول عن البعثة هناك، وهو شقيق المبشّر المعروف صموئيل زويمر.

لقد جاء هذا الجهد التعليمي متزامنًا مع سعي البعثة لترسيخ حضورها الديني والمجتمعي، من خلال الدخول في نقاشات عقائدية في الأسواق والقرى، وبيع نسخ "الإنجيل" عبر مكتبة عُرفت باسم "مكتبة الكتاب المقدس"، وكانت في السوق الداخلي بمسقط. شكّلت هذه المكتبة آنذاك، بالإضافة إلى مستشفيات البعثة في مسقط ومطرح لاحقًا، منبرًا للحوار بين السكان المحليين والمبشرين الأجانب الذين تعاقبوا على إدارة البعثة في مسقط، وعلى رأسهم القس زويمر وآخرين مثل جيمس كانتين، وديكاسترا، وكابنجا وغيرهم.

ومع مرور الزمن، تحوّلت هذه الجهود إلى إنشاء مدرسة داخلية لإيواء أبناء العبيد المحررين والتي تحولت لاحقًا إلى صرحٍ تعليمي معروف باسم "مدرسة الأمانة"، قبل أن تأخذ منعطفًا جديدًا في الثمانينيات، لتتحوّل إلى مؤسسة معنية بحوار الأديان. في هذا المقال، نسلط الضوء على هذه الرحلة الطويلة التي تتقاطع فيها السياسة والدين والتعليم والمجتمع، في قلب العاصمة العمانية – مسقط.

حملت المدرسة في بداياتها اسم "مدرسة أولاد الرقيق المحررين"، إذ استُقبل فيها ثمانية عشر طفلًا تم تحريرهم من مركبين شراعيين قبالة سواحل صور بواسطة فرقاطة بريطانية تابعة للبحرية الملكية. تراوحت أعمار هؤلاء الصبية بين السابعة والثالثة عشرة، ووُضعوا مؤقتًا تحت رعاية القنصل البريطاني والوكيل السياسي في مسقط الكابتن ف. و. بيفيل، الذي سرعان ما اعتبر الأمر عبئًا على القنصلية. وهكذا توصّل إلى اتفاق مع القس بيتر زويمر لإيوائهم وإعدادهم للحياة حتى بلوغهم سن الثامنة عشرة.

طلب زويمر موافقة مجلس أمناء البعثة في نيويورك، الذي وافق على تأسيس المدرسة بشرط أن تبقى مؤقتة وألا تستقبل مزيدًا من الأطفال المحررين، الأمر الذي أثار حفيظة القس زويمر الذي عبر عن خيبة أمله من قرار المجلس الرافض لإيواء خمسين صبيًا إضافيًا تم تحريرهم في نفس العام، وبسبب ذلك، نُقل هؤلاء الأطفال إلى مؤسسات في مومباي، وهو ما وصفه زويمر لاحقًا بخطوة غير موفقة عرقلت جهود البعثة وخططها، إلا أن هذا الشرط عُدّل لاحقًا قبيل وفاة زويمر عام 1898، وبالتالي سمح للمدرسة الاستمرار في جهودها التعليمية.

عُرفت المدرسة آنذاك باسم "مدرسة بيتر زويمر"، وسعى مؤسسها إلى تزويد طلابه بالمهارات التي تتيح لهم حياة مستقلة وكريمة بعد التخرج. ورغم أن التعليم بدأ باللغة الإنجليزية، إلا أن افتقار الطلبة إلى المهارات الأساسية، بما في ذلك اللغة العربية، شكّل تحديًا كبيرًا، إذ كان يُفترض بهم التفاعل مع البيئة العربية المحيطة. ومع ذلك، تشير بعض تقارير البعثة إلى تهميش واضح للغة العربية لصالح الإنجليزية، التي اختيرت لغةً للتدريس بهدف عزل الطلاب عن الثقافة والمعتقدات الإسلامية السائدة.

بعد وفاة زويمر بثلاث سنوات، أُغلقت المدرسة، ووزّع معظم طلابها على منازل محلية أو التحقوا بمحطات البعثة المختلفة. وفي عام 1904، أُعيد افتتاحها كمدرسة نهارية بعد أن كانت داخلية. ثم أُغلقت مجددًا عام 1931 بسبب تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية، قبل أن يُعاد افتتاحها عام 1939 باسم "مدرسة بيتر زويمر التذكارية"، والتي عُرفت محليًا أيضًا باسم "مدرسة البادري" (أي القس بالإنجليزية الأمريكية)، ثم لاحقًا باسم "مدرسة الأمانة"، وهو الاسم الذي احتفظت به حتى إغلاقها النهائي عام 1984.

إلى جانب هذه المدرسة، كانت هناك مدارس قرآنية تقليدية، ومدارس أهلية محدودة، أبرزها مدرسة الزواوي ومدرسة المعلم التونسي محمد علي بوذينة التي افتتحت في حي ولجات في مسقط عام 1914، ثم المدرسة السلطانية الأولى عام 1928، إلى أن جاء افتتاح المدرسة السعيدية عام 1940 في عهد السلطان سعيد بن تيمور، وأثّرت هذه المدارس بدورها على جهود البعثة في نشر التعليم المسيحي المنهجي. ورغم ذلك، استمرت "مدرسة الأمانة" في جذب عدد من أبناء مسقط ومطرح، معظمهم من أبناء العاملين في مستشفيات البعثة، وبعض أبناء الأعيان والجاليات. ومع أن المدرسة حافظت على حضورها، إلا أنها لم تنجح في تحقيق تأثير مجتمعي واسع مقارنة بما حققته المرافق الطبية أو مكتبة "الكتاب المقدس"، التي تغيّر اسمها لاحقًا إلى "مكتبة العائلة". ومع انطلاق النهضة العمانية عام 1970، وتأسيس المدارس الحكومية المجانية، فقدت المدرسة تدريجيًا جاذبيتها، إلى أن توقفت تمامًا في منتصف الثمانينيات.

بعد أكثر من 130 عامًا من التفاعل بين المجتمع العماني والبعثة التبشيرية في مدينتي مسقط ومطرح، وفي ضوء المتغيرات الثقافية والاجتماعية، تغيّر الدور التقليدي للمدرسة ليصبح أكثر تفاعلا وعالمية وأخذ يعمل منذ عام ١٩٨٧، تحت مسماه الجديد "مركز الأمانة" كمؤسسة معنية بنشر ثقافة التسامح والتآلف بين الأديان، وفي عام ٢٠٠١ تم تسجيله رسميًا كمؤسسة غير ربحية تعمل تحت إشراف رسمي لتعزيز الحوار والتعايش بين الأديان، وبناء جسور التواصل بين المسلمين والمسيحيين. يتخذ "مركز الأمانة" من المنزل القديم لطبيب مستشفى مطرح مقرًا له، في دلالة رمزية على انتقال المؤسسة من التبشير إلى التعايش.

وهكذا، تبقى قصة "مدرسة الأمانة" شاهدة على تحولات عميقة عاشتها مسقط، حيث تداخلت مشاريع التبشير مع حاجات التعليم والصحة، وتفاعل المجتمع المحلي معها بمزيج من القبول الحذر والمشاركة العملية. وبينما تغيّرت الأهداف وتبدّلت الأسماء عبر العقود، ظل الإرث الإنساني والتعليمي للمكان حاضرًا، لا بوصفه مجرد ذكرى تاريخية، بل كدرس حيّ في كيفية تحوّل المؤسسات من أدوات نفوذ إلى جسور للحوار والتفاهم في عالم يتّسع للجميع.

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

كلمات دلالية: مدرسة الأمانة البعثة فی فی مسقط لاحق ا

إقرأ أيضاً:

فريق UFORCE من دبي يحقق المركز الثالث في بطولة FIRST Tech Challenge العالمية للروبوتات في الولايات المتحدة

 

حقق فريق UFORCE، الممثل لمؤسسة Unique World Robotics (UWR) ومقرها دبي، إنجازاً دولياً جديداً بحصوله على مركز متقدم في بطولة FIRST Tech Challenge (FTC) Michiana Premier Event التي أقيمت في الولايات المتحدة، إلى جانب مشاركته في Multinational Tech Invitational (MTI)، إحدى أكثر بطولات الروبوتات العالمية تميزاً وحصرية.
وخلال منافسات بطولة FTC Michiana Premier Event، التي استضافها Century Center بمدينة ساوث بند في ولاية إنديانا الأمريكية خلال الفترة من 18 إلى 21 يونيو 2026، حصل فريق UFORCE على المركز الثالث في فئة جائزة Inspire Award، وذلك من بين 96 فريقاً من نخبة فرق الروبوتات حول العالم. وتُعد Inspire Award أعلى جائزة تحكيمية في البطولة، إذ تُمنح للفرق التي تحقق التميز في مجالات الهندسة، وتصميم الروبوتات، والبرمجة، والابتكار، والعمل الجماعي، وخدمة المجتمع.
ويضم الفريق كلاً من: آرناف بهارجاف (أكاديمية جيمس مودرن)، دروف سوريش (مدرسة الإمارات الدولية – جميرا)، زيان عبدالله زمير (مدرسة الشارقة الإنجليزية)، آرناف ميهتا (أكاديمية جيمس مودرن)، آروش بانشولي (أكاديمية جيمس مودرن)، دايفيك أناند داتواني (كلية دبي)، نيخيليش كاكار (أكاديمية دبي الدولية – البرشاء)، سري غوبتا (مدرسة نورث لندن كوليجيت دبي)، كريتين ساتيا (كلية دبي)، شوريا تشودري (كلية جميرا)، شوريا سينها (مدرسة جيمس ويلينغتون الدولية)، سريا بينوي ناير (أكاديمية جيمس مودرن)، موهنيش ساي (أكاديمية جيمس مودرن)، مونكانغ تشو (مدرسة جيمس الدولية – الخيل)، أريان ماهديف شامولي (مدرسة أمباسادور – المنخول)، وليشا داسواني (أكاديمية دبي الدولية – تلال الإمارات).
وقال بانسان توماس جورج، مؤسس Unique World Robotics ومجتمع firstrobotics.ae: “يعكس هذا الإنجاز حجم الالتزام والابتكار والمثابرة التي يتمتع بها طلابنا ومدربونا وكافة أفراد مجتمع UWR. إن تمثيل دولة الإمارات في واحدة من أبرز منصات الروبوتات العالمية والحصول على هذا التقدير بين أفضل الفرق الدولية يعد مصدر فخر لنا جميعاً.”
كما شارك فريق UFORCE في بطولة Multinational Tech Invitational (MTI)، التي أقيمت خلال الفترة من 26 إلى 28 يونيو 2026 في مركز كوسياكوف التابع لـ مختبر جونز هوبكنز للفيزياء التطبيقية بمدينة لوريل في ولاية ماريلاند الأمريكية. وتُعد البطولة واحدة من أرقى بطولات FIRST Tech Challenge الدعوية، حيث تجمع 44 فريقاً فقط من بين أكثر من 11 ألف فريق مشارك في البرنامج على مستوى العالم.
من جانبه، قال محمد مختار، مؤسس ومدرب فريق UFORCE: “تتمثل رسالتنا في تمكين الطلبة من ابتكار حلول للتحديات الواقعية من خلال الروبوتات والهندسة والابتكار. والمشاركة في بطولات عالمية مثل FTC وMTI تؤكد الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها شباب الإمارات وقدرتهم على المنافسة على أعلى المستويات.”
بدوره، قال آرناف بهارجاف، قائد الفريق: “كانت المنافسة إلى جانب أفضل فرق الروبوتات في العالم تجربة استثنائية، أسهمت في تطوير مهاراتنا التقنية وتعزيز روح العمل الجماعي والثقة بالنفس، كما حفزتنا على مواصلة الابتكار وتحقيق المزيد من الإنجازات.”
ويُعد FIRST Tech Challenge أحد أبرز برامج الروبوتات التعليمية للشباب على مستوى العالم، ويحظى بدعم مؤسسات تقنية وهندسية عالمية، من بينها Google وAmazon وNASA. ولا تقتصر فوائد البرنامج على المنافسات، بل يوفر أيضاً منحاً دراسية وفرصاً للإرشاد الأكاديمي، إضافة إلى مسارات تؤهل الطلبة للالتحاق بأرقى الجامعات العالمية في مجالات العلوم والتكنولوجيا، بما في ذلك معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) وجامعة ييل وغيرها.
ويؤكد هذا الإنجاز المكانة المتنامية لمجتمع firstrobotics.ae، المبادرة التطوعية الرائدة في دولة الإمارات، التي تجمع الطلبة وأولياء الأمور والمعلمين وقادة القطاعين الحكومي والخاص بهدف إعداد جيل جديد من المبتكرين في مجالات الروبوتات والذكاء الاصطناعي والعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.


مقالات مشابهة

  • مدرسة الصبر.. عالم بالأزهر يكشف طريق تهذيب النفس ومقاومة العجلة
  • إيران: الهجوم على ميناب جريمة حرب صارخة واستهزاء بمبادئ الإنسانية
  • فريق UFORCE من دبي يحقق المركز الثالث في بطولة FIRST Tech Challenge العالمية للروبوتات في الولايات المتحدة
  • مؤشر بورصة مسقط ينخفض 363 نقطة وقيمة التداول عند 182 مليون ريال
  • تعلن محكمة استئناف الأمانة أن على ماجد حمزه الحضور الى المحكمة
  • كشف أثري جديد بجبانة تل آثار قويسنا بالمنوفية
  • مؤشر بورصة مسقط يرتفع 5 نقاط والقيمة السوقية عند 37.17 مليار ريال
  • طرح 459 فرصة استثمارية لتعزيز التنمية وتمكين القطاع الخاص في الشرقية
  • الاتحاد العربي لكرة السلة يؤجل البطولة العربية المقرر إقامتها في شهر أغسطس إلى موعد لاحق
  • الداخلية تضبط المتهمين بسرقة محتويات مدرسة بالقليوبية