جريدة الرؤية العمانية:
2026-07-23@23:14:31 GMT

60% من الحياة.. هل تكفي؟

تاريخ النشر: 16th, August 2025 GMT

60% من الحياة.. هل تكفي؟

 

 

 

خالد بن حمد الرواحي

مع مطلع عام 2024، دخل نظام الحماية الاجتماعية الجديد حيّز التنفيذ، موحِّدًا 11 نظامًا تقاعديًّا سابقًا. ورغم ما يحمله هذا التحول من توجهاتٍ نحو العدالة والتكافل، فقد أثار تساؤلات إنسانية، لا سيما بشأن استحقاق الأرملة لمعاش زوجها المتوفى، خاصةً عند غياب أولاد مُستحقين.

تمضي الأرملة إلى صباحٍ جديد، بلا شريك، وبلا صوتٍ يُخبرها أن الحياة ما زالت بخير.

لكن الفَقْد لا يتوقف عند العاطفة؛ بل يمتد إلى ما هو أعمق: استقرارٌ تبخّر، ومستوى معيشي انهار فجأة، بعد أن كان كفّ زوجها وحده يُعيل الأسرة ويحفظ كرامتها.

لسنواتٍ طويلة، عاشا على دخلٍ واحد، رتّبا تفاصيل الحياة، وخطّطا للغد بثقة. واليوم، لا تملك الأرملة سوى 60% من راتب تقاعد زوجها، كما نصّت المادة (113) من قانون الحماية الاجتماعية عند غياب أولاد مستحقين. لكن من قرّر أنها، حين تبقى وحدها، لا تستحق أن تحتفظ بالحياة التي بنتها معه؟ وكأن الحزن لا يكفي؛ بل يجب أن يُتبع بتقشّفٍ وأعباء جديدة.

لم يكن المعاش يومًا منحة؛ بل ثمرة عمرٍ قضاه الزوج في العمل والانضباط، وحقٌّ لا يجوز أن يُنتقص مهما تبدّلت الأنظمة. لا شيء يُعوّض الأرملة عن فقدها، لكن يمكن -على الأقل- أن نُبقي لها شيئًا من الطمأنينة التي بنت عليها حياتها.

حين يُفارق ربّ الأسرة الحياة، لا يغيب شخصٌ فحسب، بل يسقط عمود بيتٍ بأكمله. كل شيء يهتزّ: من مصروفات الكهرباء والماء، إلى الإيجار، إلى أسعار المواد الأساسية التي تتزايد بلا توقف، إلى السؤال المُرّ: "كيف نُكمل من بعده؟". في لحظة، تنتقل الأسرة من استقرارٍ مطمئن إلى قلق دائم، ومن اكتفاءٍ بسيط إلى حسابات مؤلمة آخر كل شهر.

تفتح الأرملة كشف المعاش، تبحث فيه عن شيء من الأمان… عن يدٍ كانت تسندها. فلا تجد سوى رقمٍ صامت: 60%. وكأن ما تبقّى لا يستحق أن يُصان أو يُقدَّر أو يستمر. أليست هذه الأسرة نفسها التي كانت تتلقى الراتب كاملًا حين كان الزوج حيًّا؟ ما الذي تغيّر سوى أن المصاب حلّ بها؟ أليست الآن أحوج إلى الثبات بدلًا من خفض دخلها؟

إن الأرملة التي شاركت زوجها حياته ومسؤوليته، لا تطالب برفاه، بل بالحفاظ على حياة كريمة اعتادتها معه، فهل يُعقل أن تتحوّل المصيبة إلى اثنتين: الفقد، ثم حرمانها من حقّ كانت تعيشه كل يوم؟

لا ينبغي أن يقتصر دور نظام الحماية الاجتماعية على الأحياء فقط؛ بل يجب أن يشمل الغائبين أيضًا؛ فالعدالة تُقاس بما يُقدَّم للضعفاء حين تشتدّ المحن، لا بما تُحدده اللوائح. ولعلّ التساؤل يمتد أبعد من ذلك… ولإدراك أثر هذه النسبة على حياة الأرملة، من المفيد أن ننظر في تجارب بعض الدول القريبة، التي تشترك معنا في السياق الاجتماعي والاقتصادي.

في بعض الدول الخليجية، تُعامَل الأرملة بوصفها امتدادًا طبيعيًّا للموظف المُتوفَّى، لا مجرد "مُستحِق مشروط"؛ فهناك أنظمة تقاعدية تضمن لها المعاش الكامل مدى الحياة، بغضّ النظر عن وجود أولاد؛ تقديرًا لدور الزوج، ووفاءً لعطائه، وإدراكًا لحاجة من بقي بعده. ورغم ما عُرف به وطننا العزيز من كرم اجتماعي ومبادرات إنسانية، جاء النظام الجديد ليُربك هذا المشهد، حين قيَّد استحقاق الأرملة بـ60% فقط عند غياب أبناء مُستحقِّين، كما نصّت المادة (113) من قانون الحماية الاجتماعية.

المقارنة ليست للمفاضلة؛ بل للتذكير بأن منح الأرملة حقّها الكامل ليس إسرافًا، وإنما وفاءٌ لرجلٍ رحل، وامتدادٌ لرعاية أسرةٍ لا تزال بحاجة إلى من يُمسك بيدها… ولو من بعيد. وإذا اتسعنا قليلًا في النظر، فسنجد أن مفهوم "المعيل" لا يقتصر على الزوج فقط. فليس كل من يعيل أسرةً هو زوج أو أب؛ فقد يكون ابنًا احتضن أمّه المسنّة، أو أخًا وهب شقيقته غير المتزوجة حياةً كريمة بلا حاجة. كان راتبه مصدر أمانهما وسندهما الوحيد في مواجهة الحياة.

لكن النظام الجديد، وفق ما ورد في المادة (111) من قانون الحماية الاجتماعية، لم يُدرج الأم أو الأخت ضمن الفئات التي تستحق معاش المُتوفَّى، ما يعني أن العديد من الحالات الواقعية -كأمٍّ كانت تعتمد اعتمادًا كليًا على دخل ابنها، أو أختٍ غير متزوجة وجدت في شقيقها سندًا ماليًا ونفسيًا- قد تبقى خارج مظلة الحماية، رغم هشاشتها ووضوح حاجتها. فهذا الغياب لا يعود إلى انتفاء الاستحقاق الفعلي، بل إلى غياب النص القانوني الذي يعترف به.

حين يتوقّف الراتب، لا يتوقّف الحزن؛ بل تبدأ رحلة الحاجة. ماذا تقول أمٌّ انتُزع عنها راتب ابنها؟ أو أختٌ لم يبقَ لها سوى كرامتها التي كانت تستند إلى دعم أخيها؟ العدالة لا تُقاس دائمًا بنصوص القوانين؛ بل بقدرتها على رؤية البشر كما هم: بعلاقاتهم، وبضعفهم، وبمن يعتمدون عليهم فعلًا.

ومن منظور وطني أشمل، فإن ما يدعو إليه هذا المقال لا يخرج عن إطار رؤية "عُمان 2040"؛ بل يتماهى مع روحها وأهدافها الكبرى، التي تؤكد "ضمان العيش الكريم لكافة المواطنين" وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية. فإعادة النظر في استحقاقات الأرملة أو الأم أو الأخت لا تُعد خروجًا عن الرؤية، بل ترجمة عملية لغاياتها؛ إذ إن تمكين الأسر من الاستقرار المالي بعد التقاعد أو فقد المعيل لا يتحقق بالتقيد الجامد بنصوص المواد، بل بالتأويل العادل الذي يلامس الواقع ويحتضن من هم في أمسّ الحاجة إلى الأمان الاجتماعي.

هذا النداء لا يُرفع من منبر تظلُّم؛ بل منبر إنصاف. من قلب أرملةٍ ترى راتب شريكها الذي أفنى عمره في خدمة الوطن وقد تقلّص معه كل شيء: قوتها، وطمأنينتها، وكرامتها المالية. ومن قلب أسرةٍ شعرت أن الفقد لم يكن في الشخص فقط، بل في الأمان الذي كان يمنحه.

إنَّنا لا نطلب ترفًا ولا منحة؛ بل استمرار حقٍّ كان قائمًا بالأمس. فما الذي تغيَّر؟ ومن قرَّر أن رحيل المُعيل يُعاقَب بتقليص المعاش؟ أما يكفي أنه قد رحل؟ إننا هنا لا نكتب عن حالة فردية؛ بل عن مبدأ إنساني واجتماعي يجب أن يظل حاضرًا في السياسات. نأمل أن يجد هذا الصوت أذنًا واعية وقلبًا مسؤولًا، يعيد النظر في تفسير وتطبيق المادتين (111) و(113)؛ بما يراعي الحالات الاجتماعية الواقعية التي لم تنصّ عليها القوانين صراحة، لكنها حاضرة بوضوح في مجتمعنا.

رَبُّ الأسرة حين يرحل، لا ينبغي أن تُغلق أبواب الإنصاف خلفه. وإن غاب جسده؛ فصوته لا يزال حاضرًا في احتياجات من تركهم خلفه… فلتظلّ أبواب العدالة مفتوحةً لمن كانوا يستندون إلى وجوده.

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

وزير البيئة: الحماية وسلامة المواطن تتطلب التعاون بين الأجهزة الرقابية

بحث وزير البيئة بحكومة الوحدة الوطنية محمد سيدي إبراهيم، الخميس، آليات تعزيز الرقابة على تداول المبيدات الزراعية المحظورة، خلال اجتماع عقده بمقر جهاز الشرطة البيئية، بمشاركة عدد من الجهات الرقابية والأمنية المختصة.

وقالت وزارة البيئة الليبية إن الاجتماع جاء ضمن جهود تعزيز التنسيق بين المؤسسات المعنية بحماية البيئة ودعم الأمن الغذائي، بحضور رؤساء جهاز الشرطة البيئية، وجهاز الحرس البلدي، وجهاز الشرطة الزراعية، ومصلحة الجمارك، إضافة إلى عدد من المختصين.

وناقش الاجتماع ملف المبيدات الزراعية المحظورة، وسبل إحكام الرقابة على عمليات استيرادها وتداولها واستخدامها، إلى جانب تعزيز التعاون بين الجهات المعنية لضمان تطبيق القوانين والتشريعات النافذة.

واستعرض المشاركون آليات تفعيل الحملات الرقابية المشتركة، وتكثيف عمليات التفتيش والمتابعة، بهدف الحد من المخالفات والتصدي لأي عمليات مرتبطة بإدخال أو بيع أو استخدام المبيدات التي تشكل خطرًا على صحة الإنسان والبيئة.

وأكد وزير البيئة محمد سيدي إبراهيم أن حماية البيئة وسلامة المواطنين تتطلب توحيد جهود مختلف الأجهزة الرقابية والعمل بتنسيق مشترك، مشددًا على أهمية رفع كفاءة منظومة الرقابة وتعزيز الالتزام بالتشريعات البيئية.

وأوضح الوزير أن مواجهة تداول المبيدات الزراعية المحظورة تمثل جزءًا من الجهود الرامية إلى حماية الأمن الغذائي والحفاظ على بيئة صحية وآمنة للمواطنين.

ويأتي الاجتماع ضمن برنامج وزارة البيئة لتوحيد العمل بين الجهات الوطنية المختصة، وتعزيز التعاون الرقابي في مختلف المناطق، بهدف الحد من المخاطر الناتجة عن المواد الزراعية المحظورة ودعم منظومة الحماية البيئية في ليبيا.

هذا وتشكل المبيدات الزراعية المحظورة خطرًا على صحة الإنسان والتربة والمياه، خصوصًا عند استخدامها خارج الأطر القانونية أو دون رقابة.

وتعمل العديد من الدول على تشديد إجراءات الرقابة على هذه المواد للحد من آثارها على الإنتاج الزراعي وسلامة الغذاء، وهو ما دفع ليبيا إلى تعزيز التنسيق بين الجهات البيئية والزراعية والأمنية.

آخر تحديث: 23 يوليو 2026 - 19:02

مقالات مشابهة

  • ترامب: إيران أضعف مما كانت عليه قبل 4 أشهر
  • المرحلة الثانية من صولة الفجر: هل تكسر الحماية السياسية عن شخصيات بارزة؟
  • محمد ثروت: مصر لو فازت بكأس العالم الإحتفالات كانت هتستمر لمدة شهر وهيكون فيه عيد كأس العالم
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • خبيرة أسرية : فرض شريك الحياة يزرع الندم ويهدد استقرار الزواج
  • الأطباء أكدوا أن حالتي كانت خطيرة .. الأنبا موسى يكشف تفاصيل أزمته الصحية
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • وزير البيئة: الحماية وسلامة المواطن تتطلب التعاون بين الأجهزة الرقابية
  • التنمية الاجتماعية" تطلق النسخة الثانية من "السبت البنفسجي" مع خصومات وعروض مميزة لذوي الإعاقة