لفتا.. بوابة القدس الغربية وأحد مواقع التراث العالمية المهددة
تاريخ النشر: 7th, October 2025 GMT
لفتا قرية تقع على البوابة الغربية لمدينة القدس، وتبعد عن المسجد الأقصى المبارك بنحو 5 كيلومترات فقط. يعود تأسيسها إلى ما قبل ميلاد المسيح عليه السلام، وعلى عكس باقي القرى المجاورة لها، فشلت العصابات الصهيونية المسلحة في تدميرها رغم هجماتها المبكرة عليها قبيل نكبة 1948.
في عام 2018 صنفها الصندوق العالمي لحماية الآثار ضمن قائمة المواقع الـ25 الأكثر عرضة للخطر عالميا بسبب المخاطر التي تهدد هويتها التاريخية والمعمارية.
أقيمت قرية لِفتا فوق سفح مرتفع من جبال القدس، وتحور اسمها عبر العصور، إذ سميت في عهد الكنعانيين "تفوح"، و"تفتو" في الفترة البيزنطية، ثم "كليبستا" أثناء الاحتلال الصليبي، إلى أن استقرت على اسم "لفتا" في سجلات المحكمة الشرعية بالقدس في القرن الـ12 الميلادي.
تمتد لفتا إلى الجنوب من وادي الشامي على مساحة تبلغ 8743 دونما (الدونم يعادل ألف متر مربع)، مما جعلها ثاني كبريات قرى القدس قبل احتلالها، ويقدر ارتفاعها عن سطح البحر بنحو 700 متر.
تحدها من الشمال بيت حنينا وشعفاط والعيساوية، ومن الجنوب دير ياسين التي ارتكبت فيها العصابات الصهيونية مجزرة عام 1948، ومن الغرب بيت إكسا وقالونيا، ومن الشرق يقابلها سفح جبل الزيتون.
شكلت لفتا بموقعها الإستراتيجي بوابة القدس الغربية، إذ لا تبعد عن المسجد الأقصى سوى نحو 5 كيلومترات، كما يمر إلى الجنوب الغربي منها الطريق الرابط بين القدس ويافا المتجه نحو الساحل الفلسطيني.
كانت لفتا من أولى القرى المقدسية التي وقعت تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي عام 1948، ثم استكمل احتلالها بعد نكسة 1976، وأقام على أنقاضها مستوطنات عدة، من أبرزها: "مي نفتواح" و"جفعات شاؤول" و"روميما" و"رامات أشكول" و"راموت" و"جعفات هتحموشت".
كما أنشأ الاحتلال على أراضيها مجموعة من المؤسسات الرسمية من بينها مبنى الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، الذي أقيم على أراضي حي الشيخ بدر التابع للقرية، إضافة إلى الجامعة العبرية ومستشفى هداسا ومحطة الحافلات المركزية.
السكانعاش في القرية قبل نكبة 1948 أكثر من 2500 نسمة موزعين على نحو 600 منزل، كان معظمهم من المسلمين، في حين لم تتجاوز أعداد المسيحيين 20 فردا آنذاك.
إعلانتشير الوثائق التاريخية إلى أن سكان لفتا ينتمون إلى خمسة جذور عائلية رئيسية (تعرف محليا بالحمايل)، وهي: حمولة سعد التي كانت الأكبر من حيث العدد، وحمولة العيدة والغبن والصفران ومقبل.
أنجبت الحمايل أجيالا ما زالت تحتفظ بوثائق تعود إلى ما قبل العهد العثماني تثبت ملكيتها أراضي ومنازل القرية، ولجأت العائلات منذ التهجير إلى مناطق عدة من أبرزها القدس ورام الله والأردن.
اعتمد سكانها في معيشتهم بشكل أساسي على الزراعة، وخاصة الحبوب والخضار والأشجار المثمرة، وتشير سجلات رسمية تعود لعام 1945 إلى أن الحبوب كانت تغطي ما مساحته 3248 دونما من أراضي القرية، إلى جانب نحو 1100 دونم من أشجار الزيتون.
كما أولى أهالي لفتا التعليم اهتماما كبيرا، فأسسوا مدرسة للبنين عام 1929 وأخرى للإناث عام 1945. وبلغ عدد الدارسين في صفوف الذكور عام 1940 نحو 300 طالب من القرية والجوار، وتولى إدارة المدرسة كل من عيسى أهرم وكمال الريماوي، وكان من بين المعلمين فيها صالح عدوي وفؤاد أبو السعود وفؤاد ارياحي.
حضارة عريقةتعبر الآثار المكتشفة في لفتا عن ملامح الحياة فيها قبل النكبة، إذ كشفت الأبحاث الأثرية عن أكثر من 10 مستويات تاريخية تعود إلى عصور عدة، من بينها العصر الحجري والحديدي والبرونزي.
كما تظهر علامات الحداثة في القرية في منتصف الأربعينيات من القرن العشرين، فقد ضمت مدرستين ومقهيين وناديا اجتماعيا.
وتميزت منازلها بطراز معماري فريد، بني معظمها بالحجارة بشكل دائري أو شبه دائري ليتناسب مع طبيعة المنحدرات التي تقوم عليها، ورغم الدمار الذي لحق بمباني القرية، بقيت نحو 75 منها قائمة دون أن تردم كلها.
ومن أبرز معالم القرية:
مسجد سيف الدينيتكون من غرفتين تبلغ مساحة إحداهما 60 مترا مربعا، وأطلق عليه اسم سيف الدين نسبة لأحد قادة جيش صلاح الدين الأيوبي، الذي استقر في القرية بعد انتصار المماليك في معركة عين جالوت، وأوقف ربع أراضي القرية لصالح المسجد والمقبرة.
مقبرة لفتادمر الاحتلال الإسرائيلي معظمها في نكبة 1948، ولم يبق من آثارها سوى القليل على السفح الغربي للقرية.
تتوسط القرية وتزودها بالماء طوال العام، مما منحها خضرة دائمة.
خان الظاهر بيبرسهو خان محاط بالحدائق والبساتين، يقع في الجزء الشرقي من أراضي حي الشيخ بدر، أقامه السلطان الظاهر بيبرس في القرن الثالث عشر مركزا لاستراحة المسافرين نظرا لموقع لفتا الإستراتيجي.
المدرسة الأميريةتأسست مدرسة لفتا للبنين عام 1929، وكانت تتشكل من 3 غرف تلقن التلاميذ حتى الصف الثالث، ثم توسعت لاحقا لاستيعاب الطلاب حتى الصف السابع.
معاصر الزيتونضمت لفتا أكثر من 4 معاصر للزيتون، وكان من أشهرها معصرة آل الحاج، التي كانت تمد أهلها وأهل القرى المجاورة بزيت الزيتون.
خربة كيكا والجفافة والبرجتتوزع هذه الآثار في محيط القرية، ويعود بناؤها إلى العصر الروماني.
استهدفت المنظمات الصهيونية لفتا مبكرا في نكبة 1948، وبدأت الاعتداءات عليها يوم 28 ديسمبر/كانون الأول 1947 بتنفيذ أفراد من منظمة شترين الإسرائيلية المتطرفة هجوما على مقهى المقدسي صالح عيسى مستخدمين رشاشات وقنابل يدوية، مما أسفر عن استشهاد أكثر من 5 فلسطينيين وإصابة آخرين.
إعلانوفي 11 يناير/كانون الثاني 1948 فجرت منظمة الهاغاناه منزل مختار حي الشيخ بدر في القرية، ثم دمرت بعد يومين نحو 20 منزلا وألحقت أضرارا بالباقي، مجبرة السكان على الهجرة.
رحل معظم سكان لفتا عقب الهجوم الأول على المقهى، ثم تبعهم الباقون مع تصاعد الهجمات المتتالية عليها وعلى القرى المجاورة.
أقامت الهاغاناه معسكرا في القرية عقب احتلالها، وشرعت في تدمير معالمها بالجرافات، وأنشأت على أنقاضها مستوطنة "مي نفتوح"، في حين احتلت إسرائيل ما تبقى من أراضي لفتا أثناء نكسة 1967.
في مطلع فبراير/شباط 1948 زار رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك ديفيد بن غوريون القدس، وقال "إذا دخلتم القدس عبر لفتا.. فإنكم لن تجدوا غريبا واحدا، أشعر الآن أنني في مدينة عبرية".
استغلت الحكومة الإسرائيلية موقع لفتا الإستراتيجي، فأسست المباني الحكومية والمرافق الحيوية مثل مبنى الكنيست والمشافي والجامعات والمنشآت الرياضية والفنادق.
كما طورت شبكة طرق رئيسية من أبرزها شارع رقم 1 الذي يربط القدس بالساحل الفلسطيني، وأنشأت خطوط سكة حديدية للتنقل من المدينة وإليها.
كشفت الصحف الإسرائيلية عام 2004 عن مخطط استيطاني يستهدف قرية لفتا، وضع أسسه رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون في منتصف تسعينيات القرن العشرين.
يقضي المخطط -الذي يحمل رقم 6036- بإنشاء ما يقارب 250 وحدة استيطانية فاخرة على مساحة تقدر بنحو 456 دونما من أراضي القرية، مع زعم "الحفاظ على المباني المتبقية من القرية وترميمها" أثناء التنفيذ.
وافقت الحكومة الإسرائيلية على الخطة عام 2006، مما دفع هيئة الأراضي الإسرائيلية إلى إدراج القرية في مزاد علني موجه للشركات الخاصة ضمن رؤية تستهدف جذب الأثرياء اليهود للإقامة فيها.
أوقفت المحكمة المزاد "مؤقتا" عام 2012 على خلفية ضغوط من أهالي القرية المهجرين وشخصيات إسرائيليّة يسارية، وأمرت بإجراء مسح أثري شامل للمنطقة.
أكد المسح التاريخي والجغرافي الذي شمل نحو 73 وحدة في القرية، صحة مخاوف أهلها بشأن هشاشة منشآت القرية ومنابع المياه أمام جرافات الاحتلال وأدوات البناء في حال تنفيذ المخطط.
أعادت هيئة الأراضي بعد نحو عشر سنوات طرح القرية في مزاد علني، مما دفع أهاليها المهجرين لمواجهة المخطط الاستيطاني في المحاكم مجددا.
في عام 2021 افتتح مستوطن فندقا فخما في أحد بيوت لفتا، وأطلق عليه اسم "لفتا بوتيك"، وسوّقه على أنه يقع "في قلب محمية طبيعية على مشارف القدس".
كما سيّجت السلطات الإسرائيلية حدود لفتا في العام ذاته بعد قرار أصدرته محاكم الاحتلال يمنع الاقتراب من القرية.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: غوث حريات دراسات فی القریة القریة فی من أراضی نکبة 1948 أکثر من
إقرأ أيضاً:
المخطوطات العربية في برلين.. مبادرة قطرية لإعادة كتابة تاريخ المعرفة العالمي
بعيداً عن الصورة النمطية للمخطوطات كأوراق صفراء ترقد في عتمة الأرشيف، تفتح العاصمة الألمانية برلين أبوابها اليوم لحوار من نوع آخر؛ حوار يتصدره الحرف العربي ليُثبت أن إسهامات الشرق لم تكن مجرد جسر عبور، بل حجر أساس في بناء صرح المعرفة العالمية.
ففي قاعات مكتبة برلين الحكومية، التي تحتضن واحدة من أكبر مجموعات المخطوطات الشرقية في أوروبا، انطلقت في مارس/آذار 2026 سلسلة حوارات بعنوان "المخطوطات العربية: تراث إنساني مشترك"، بمبادرة من "الديوان – البيت الثقافي العربي"، التابع لسفارة قطر في برلين، على أن تستمر حتى أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
وتتجاوز المبادرة تنظيم فعاليات ثقافية حول التراث العربي في أوروبا، لتطرح مسعى أوسع يتعلق بإعادة إدراج المخطوط العربي في النقاش المعاصر حول تاريخ العلوم وانتقال المعرفة بين الحضارات.
وفي حديثهما للجزيرة نت، يوضح مدير "الديوان – البيت الثقافي العربي" الدكتور لورنس الحناوي، ورئيس قسم المخطوطات الشرقية في مكتبة برلين الحكومية الدكتور كريستوف راوخ، كيف تحولت الشراكة إلى منصة لإعادة قراءة التراث العربي بوصفه جزءا من الذاكرة الإنسانية المشتركة.
من عرض التراث إلى إعادة كتابة السردية المعرفيةيرى الحناوي أن المشروع ينطلق من مقاربة مختلفة للعلاقة الثقافية بين العالم العربي وأوروبا. فبدل تقديم الثقافة العربية بوصفها موضوعا للتعريف، أو مادة تراثية تُعرض على هامش المشهد الأوروبي، يسعى "الديوان" إلى تثبيت حضورها كشريك في إنتاج التاريخ الفكري العالمي نفسه.
ويقول إن المخطوطات العربية المحفوظة في برلين لا تمثل حالة "تراث شرقي" انتقل إلى أوروبا، بل تُشكل جزءا من الذاكرة الفكرية التي أسهمت في بناء العالم الحديث، عبر مسارات انتقال الفلسفة والطب والفلك والعلوم من العربية إلى اللغات الأوروبية.
وبذلك، تبدو المبادرة القطرية، وفق الحناوي، استثمارا بعيد المدى في الدبلوماسية الثقافية؛ إذ لا تكتفي بتقديم صورة إيجابية عن العالم العربي، بل تسعى إلى إعادة إدخاله في السردية العالمية للمعرفة بوصفه أحد صانعيها.
الأثر الثقافي خارج منطق الأرقاملا يقيس الحناوي نجاح هذه المبادرات بعدد الزوار أو الفعاليات، بل بنوعية التحول الذي تُحدثه في نظرة الجمهور الأوروبي إلى التراث العربي. ويضرب مثالا بحضور شاب ألماني إحدى جلسات السلسلة المخصصة لـ"كليلة ودمنة"، لا بدافع الفضول تجاه "الشرق"، بل لاهتمامه بما يطرحه النص من أسئلة عن السلطة والمعرفة وانتقال الأفكار.
إعلانهذا التحول، برأيه، هو المؤشر الأعمق: حين ينتقل المخطوط العربي من كونه معروضا تراثيا إلى مادة للنقاش الفكري المعاصر، ويصبح مدخلا لإعادة التفكير في المركزية الثقافية، وأصول الحداثة، وحركة الأفكار بين الشرق والغرب.
المخطوط بوصفه تاريخا حيا للأفكاريطرح الحناوي تصوراً يتجاوز النظر إلى المخطوطات بوصفها أشياء قديمة محفوظة في الأرشيف. فالمخطوط ليس كتابا صامتا، بل هو أشبه بشبكة تواصل اجتماعي قديمة؛ حيث نرى بصمات الناسخ المتعب، وتعليق القارئ الغاضب أو المعجب على الهوامش، ومسار رحلة الكتاب على ظهور الجمال أو السفن من مدينة إلى أخرى.
ومن هذا المنظور، ناقشت الجلسة الافتتاحية حول "كليلة ودمنة" مسألة لافتة، وهي أن الناسخ لم يكن دائما ناقلا محايدا، بل كان، في أحيان كثيرة، شريكا في تشكيل النص عبر الاختصار أو الإضافة أو التعليق. وتكشف هذه القراءة أن ظواهر مثل سيولة النصوص وإعادة تحريرها المستمرة، التي تُنسب عادة إلى العصر الرقمي، عرفتها الثقافة المخطوطة منذ قرون بصيغ مختلفة.
الزهراوي.. شاهد مادي على الابتكار العلميولم يقتصر هذا الحوار الحي على نصوص الأدب والسياسة كـ "كليلة ودمنة"، بل امتد بقوة ليضع أسس العلم التجريبي الحديث، وهو ما يتجلى بوضوح في المخطوطات العلمية.
من جهته، يشير راوخ إلى أن مجموعة برلين، التي تضم نحو 11 ألف مخطوطة عربية، تحتوي على نماذج مباشرة تكشف إسهام العلماء العرب في إنتاج المعرفة العلمية، لا بوصفهم ناقلين فحسب. ويضرب مثالا بمخطوطة الطبيب الأندلسي أبي القاسم الزهراوي، المعروفة بكتابه في الجراحة، والتي تتضمن رسومات تفصيلية لأدوات جراحية استُخدمت في القرن العاشر الميلادي. ويقول إن هذه الوثيقة تقدم دليلا ماديا على المستوى المتقدم الذي بلغته الحضارة العربية الإسلامية في الطب والجراحة، في مرحلة كانت أوروبا لا تزال بعيدة عن هذا المستوى العلمي.
يتحدث راوخ عن مشروع "قالاموس" باعتباره أحد أهم المسارات المستقبلية للتعامل مع المخطوطات العربية. فالمنصة توثق المخطوطات العربية المحفوظة في المكتبات الألمانية، وتتيح الوصول إليها رقميا، لكنها تتجاوز الإتاحة إلى تمكين الباحثين من تصدير البيانات وتحليلها إلكترونيا.
وبذلك يستطيع الباحث، خصوصا غير الناطق بالعربية، تتبع مسارات النصوص وانتقالها بين المدن ومراكز العلم، وفهم شبكات الشروح والترجمات والتداول، بما يكشف حضور العرب في تاريخ العلوم من زاوية جديدة: لا كنصوص منفردة، بل كجزء من شبكة عالمية لتداول المعرفة.
ما الذي تضيفه الشراكة القطرية؟بحسب راوخ، تكمن أهمية التعاون مع "الديوان" في فتح هذا التراث أمام جمهور يتجاوز الدوائر الأكاديمية المتخصصة. فالمكتبة، رغم إمكاناتها البحثية، تبقى مؤسسة أرشيفية بالدرجة الأولى. أما الشراكة مع مؤسسة ثقافية عربية، فأتاحت نقل المخطوطات من فضاء الحفظ إلى فضاء الحوار العام، عبر فعاليات مفتوحة تربطها بأسئلة معاصرة حول الإنسان وتاريخ التبادل الحضاري.
ويضيف أن المخطوطات القديمة ما تزال قادرة على قول شيء جديد عن تاريخ الأفكار، وعن التداخل الثقافي بين الحضارات، إذا أُعيد تقديمها في سياق معرفي معاصر.
ما بعد أكتوبر/تشرين الأول 2026.. نحو بنية معرفية عابرة للحدودلا ينظر القائمون على المشروع إلى السلسلة الحالية باعتبارها حدثا عابرا. فالحناوي يشير إلى أن التحدي الأكبر اليوم لا يتمثل في حفظ المخطوطات مادياً، بل في منع تحولها إلى تراث معزول عن البحث المعاصر.
إعلانولهذا يجري العمل على ثلاثة مسارات رئيسية بعد انتهاء البرنامج الحالي:
الرقمنة والفهرسة: تطوير مشاريع مشتركة تربط مجموعات برلين بنظيراتها في إسطنبول، القاهرة، الدوحة، باريس ولندن.
التعاون المؤسساتي: بناء شبكة تواصل مؤسساتية بين المكتبات العربية والأوروبية، تتيح جمع أجزاء الذاكرة العربية الموزعة في مؤسسات عالمية مختلفة.
التمكين الأكاديمي: دعم جيل جديد من الباحثين القادرين على الجمع بين علوم المخطوطات، والإنسانيات الرقمية، والنظرية الثقافية.
دبلوماسية ثقافية تتجاوز الفعالياتتكشف مبادرة "الديوان – البيت الثقافي العربي" عن اتجاه متنامٍ في الحضور الثقافي القطري داخل أوروبا، يقوم على بناء شراكات معرفية طويلة الأمد مع مؤسسات أكاديمية كبرى، بدل الاكتفاء بالفعاليات الموسمية.
وفي حالة برلين، يبدو أن الرهان القطري يتجاوز حفظ التراث أو عرضه، إلى محاولة إعادة وصل المخطوط العربي بتاريخ المعرفة العالمي، وإعادة طرحه بوصفه جزءا من النقاش الراهن حول نشأة الحداثة ومسارات انتقال العلوم بين الحضارات.
بهذا المعنى، لا تدور المبادرة حول الماضي فقط، بل حول سؤال حاضر: كيف يمكن لتراث محفوظ في خزائن أوروبا أن يعود فاعلا في إنتاج المعرفة المعاصرة؟ الإجابة بدأت تتشكل اليوم في قاعات برلين: التراث لا يموت حين يغادر وطنه، بل يموت حين يتوقف عن إثارة الأسئلة.