معبر رفح بعد الحرب.. فلسطينيون عالقون بين حلم العبور والتمسك بالأرض
تاريخ النشر: 22nd, October 2025 GMT
رغم مرور أكثر من عشرة أيام على تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس، لا تزال بوابة غزة الجنوبية ــ معبر رفح ــ مغلقة، في مشهد يجسّد هشاشة التفاهمات السياسية واستمرار الصراع على إدارة الممر الذي يمثل شريان الحياة الوحيد لسكان القطاع المحاصر منذ نحو عقدين.
بعد أن سيطر الجيش الإسرائيلي على الجانب الفلسطيني من المعبر في مايو/أيار الماضي، توقفت حركة السفر والمساعدات بالكامل، وسط تبادل للاتهامات بين الأطراف الثلاثة المعنية: إسرائيل، وحركة حماس، والسلطة الفلسطينية، فيما تتوسط مصر لضمان آلية تشغيل جديدة برعاية الاتحاد الأوروبي.
منذ السابع من مايو/أيار 2024، حين اجتاح الجيش الإسرائيلي مدينة رفح التي كانت الملاذ الأخير للنازحين من شمال ووسط القطاع، أحكم قبضته على الجانب الفلسطيني من المعبر، فأُغلق تمامًا في وجه المرضى والطلاب والعالقين. وتحول بعدها إلى ساحة تجاذب سياسي بين تل أبيب والقاهرة والسلطة الفلسطينية وحركة حماس.
وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فإن إعادة فتح المعبر "مشروطة بترتيبات أمنية تضمن عدم استخدامه لأغراض عسكرية من قبل حماس"، في حين تصف الحركة هذا الشرط بأنه "ابتزاز سياسي ينسف جوهر اتفاق وقف النار".
من جهتها، أعلنت السفارة الفلسطينية في القاهرة نيتها استئناف العمل في المعبر جزئيًا لتمكين العالقين من العودة إلى غزة، غير أن إسرائيل رفضت التنفيذ وأبقت الجانب الفلسطيني مغلقًا "حتى إشعار آخر".
تشير مصادر دبلوماسية إلى أن الأطراف المعنية تبحث صيغة جديدة لإدارة المعبر، تقوم على إشراف السلطة الفلسطينية بمساندة بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية (EUBAM Rafah)، على أن تحتفظ إسرائيل بصلاحيات المراقبة التقنية عبر منظومة تفتيش وكاميرات متصلة مباشرة بوحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق (COGAT)، فيما تتولى مصر التنسيق الأمني والإشراف اللوجستي.
ووفق خطة العمل التي تم التوصل إليها خلال مفاوضات شرم الشيخ برعاية مصر وقطر وتركيا وبإشراف أمريكي، ستُفتح البوابة تدريجيًا أمام المساعدات الإنسانية أولًا، ثم أمام حركة الأفراد، مع إعطاء الأولوية للمرضى والطلاب وحملة الإقامات الأجنبية.
لكن الخطة ما زالت تواجه عقبات سياسية وأمنية، أبرزها إصرار إسرائيل على "تجريد غزة من السلاح" قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية من الهدنة، وهو ما يعطل تنفيذ البنود الميدانية حتى الآن. ويقول مراقبون إن الدولة العبريية تسعى إلى تحويل المعبر لـ"نقطة رقابة مشروطة" تضمن استمرار السيطرة غير المباشرة على القطاع دون الحاجة لوجود عسكري دائم داخله.
غزة بين الحصار والسياسةأعاد إغلاق المعبر معاناة الغزيين إلى نقطة الصفر، إذ تحول الأمل بعودة الحركة الإنسانية إلى انتظار مفتوح، فيما تتسع الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني.
ووفق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فقد سُجِّلت 47 خرقًا إسرائيليًا منذ دخول اتفاق الهدنة حيز التنفيذ، أسفرت عن مقتل 38 فلسطينيًا وإصابة أكثر من 140 آخرين في عمليات قصف مدفعي وجوي طالت مناطق مختلفة من القطاع خلال الأسبوع الأول من الاتفاق.
ويرى محللون أن استمرار هذه الانتهاكات يعكس هشاشة الاتفاق وتعدد الأطراف التي تحاول استثماره سياسيًا. وفي ظل غياب جدول زمني واضح لفتح المعبر، تتعمّق المأساة الإنسانية في قطاع يعاني من نقص حاد في الدواء والغذاء والكهرباء والمياه.
Related ترامب بعد اشتباكات غزة: حماس على الأرجح لم تكن متورطة ووقف إطلاق النار ساروقف إطلاق النار في غزة.. ترامب يهدد بالقضاء على حماس إذا خرقت الاتفاقفانس يصل إلى إسرائيل.. ونتنياهو يبحث مع رئيس الاستخبارات المصرية "خطة غزة" أصوات من غزة: بين حلم السفر وإرادة البقاءرصدت "يورونيوز" شهادات عدد من سكان غزة حول رؤيتهم لإعادة فتح معبر رفح، وجاءت الأصوات متباينة بين من يرى في السفر فرصة للحياة والتعليم والعلاج، ومن يعتبر البقاء في غزة شكلاً من أشكال المقاومة والصمود في وجه النكبة المستمرة.
يبدأ حمزة صقر، طالب في الثامنة عشرة من عمره، حديثه بنبرة تجمع بين الأمل والخذلان، مستعيدًا حلمه المؤجل منذ عام 2023. يقول: "أنهيت الثانوية العامة في عام 2023 بمعدل 73% في الفرع الأدبي، وكان حلمي أن أتابع تعليمي في أوروبا، وأشارك في مؤتمرات تعليمية وثقافية، وأرى العالم من منظور أوسع. الحرب سرقت من أعمارنا، لكنها لم تسلب أحلامنا. أريد السفر لا هروبًا، بل لأعود إنسانًا يعرف العالم".
وبينما يحلم حمزة باجتياز المعبر نحو أفقٍ أوسع، يختار آخرون البقاء رغم قسوة الواقع. يقول عبد المنعم أبو صخر: "وضعي المادي والصحي صعب، لكنني سأبقى في مكاني، حتى لو فوق الركام. لن أغادر، أريد أن أعيش وأموت في وطني".
ويتقاطع موقفه مع ما يقوله عدلي عياد، الذي يرى في البقاء معنى للحياة بعد الحرب: "ولدت في هذه البلاد، فكيف لي أن أتركها وأسافر؟ لا أستطيع العيش خارجها، فهنا أعيش أفضل، حتى وسط الدمار".
ومن مدينة دير البلح في وسط القطاع، يعبّر أحمد أبو السبح عن الموقف ذاته، لكن بنبرةٍ أكثر تحديًا: "انهدم منزلي واستشهد عدد من أفراد عائلتي، وضحّيت بكثير من الأشياء. كيف أترك وطني وأرحل؟ سأموت هنا ولن أغادر. وإن سافرت يومًا، فسأسافر إلى أرضنا المحتلة، لا إلى الخارج".
لكن بين الرغبة في الرحيل والإصرار على البقاء، تظهر أصواتٌ أخرى تملي عليها الضرورة وجهتها. تقول خديجة أبو صفية، المصابة مع أطفالها الثلاثة: "أتمنى أن تُتاح لي الفرصة للسفر من أجل تلقي العلاج، فغزة تفتقر إلى الدواء والرعاية الطبية. أنا وأطفالي الثلاثة مصابون، ووضعنا صعب للغاية. أرجو أن يُفتح المعبر لنتمكن من الخروج للعلاج، وبعد أن نتعافى سنعود بالتأكيد إلى غزة".
خروقات متكررة وتصدّع في مسار الهدنةفي تصعيد جديد يهدد استقرار الهدنة الهشة في قطاع غزة، شنّ الجيش الإسرائيلي، صباح الأحد 19 تشرين الأول/أكتوبر 2025، سلسلة غارات جوية وقصفًا مدفعيًا على مناطق متفرقة من القطاع، أسفرت عن سقوط 45 قتيلًا وعشرات الجرحى، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية.
وتبرّر إسرائيل هذه الهجمات بأنها "ردّ على خرق حماس للهدنة" فيما وصفت حركة حماس القصف بأنه "محاولة لإعادة رسم موازين القوى ميدانيًا وفرض وقائع جديدة قبل أي مفاوضات لاحقة".
Related مأساة جديدة في غزة.. جثثٌ من إسرائيل بلا هوية والصحة تعجز عن كشف وجوه أصحابهاالغارديان: مشروع مدعوم من أوروبا وأمريكا في مجلس الأمن لتفويض قوة دولية في غزة تحت قيادة مصردعوة لفتح جميع المعابر لإغراق غزة بالمساعدات... برنامج الأغذية العالمي: مكافحة المجاعة ستتطلب وقتًا معبر رفح مرآة التوازنات الجديدةيرى محللون أن تكرار الخروقات خلال الأيام الأخيرة ينذر بانهيار الهدنة في أي لحظة، لا سيما أن البنود الأمنية المتعلقة بانسحاب القوات الإسرائيلية من مدينة رفح لم تُنفَّذ بعد.
يقول الباحث السياسي سامي عفيفي إن قضية معبر رفح "تجاوزت بُعدها الإنساني لتتحول إلى ملف تفاوضي يعكس موازين القوى بعد الحرب". ويوضح أن إسرائيل "تحاول فرض واقع جديد يقيّد حركة حماس حتى في الملفات المدنية"، بينما تسعى السلطة الفلسطينية "لاستعادة حضورها في غزة عبر بوابة المعبر".
ويضيف عفيفي أن مصر تواجه "معادلة دقيقة بين التزاماتها الأمنية وضغوطها الإنسانية"، فهي لا تستطيع فتح المعبر منفردة من دون توافق دولي، لكنها تدرك أن استمرار الإغلاق يهدد بانفجار الوضع.
وحتى إشعار آخر، يبقى معبر رفح مغلقًا أمام آلاف المرضى والطلاب والعائلات التي تنتظر على أمل العبور. الهدنة ما زالت معلّقة على أسلاك السياسة، فيما تتكدس الأحلام خلف بوابة من حديد، بانتظار أن يتحول اتفاق الورق إلى واقعٍ يفتح طريق الحياة من جديد.
انتقل إلى اختصارات الوصول شارك هذا المقال محادثة
المصدر
المصدر: euronews
كلمات دلالية: دونالد ترامب إسرائيل حركة حماس غزة فرنسا دراسة دونالد ترامب إسرائيل حركة حماس غزة فرنسا دراسة رفح معبر رفح قطاع غزة إسرائيل نزوح فلسطين الصراع الإسرائيلي الفلسطيني دونالد ترامب إسرائيل حركة حماس غزة فرنسا دراسة الصحة روسيا بنيامين نتنياهو بحث علمي حماية الحيوانات نيكولا ساركوزي فتح المعبر حرکة حماس معبر رفح فی غزة
إقرأ أيضاً:
وفد من حماس يبحث مع رئيس المخابرات التركية تصاعد العدوان على غزة
أجرى وفد من قيادة حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، برئاسة محمد درويش رئيس المجلس القيادي للحركة، مباحثات وصفت بالمعمقة مع رئيس جهاز المخابرات التركي إبراهيم قالن، تناولت تطورات العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وتداعيات خرق الاحتلال لبنود اتفاق وقف إطلاق النار.
وبحسب ما أعلنت الحركة، فقد ركزت المباحثات على ما وصفته بـ"تنكر الاحتلال لالتزاماته في اتفاق شرم الشيخ"، وعدم استكمال تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق، في ظل استمرار العمليات العسكرية والانتهاكات الميدانية في القطاع.
وضم الوفد كلا من خالد مشعل رئيس الحركة في الخارج، وخليل الحية رئيس الحركة في قطاع غزة، وزاهر جبارين رئيس الحركة في الضفة الغربية، حيث قدموا تقييماً شاملاً لمسار الاتفاق والتطورات المرتبطة به، مع الإشارة إلى ما وصفوه بجرائم القتل والقصف والانتهاكات اليومية التي تعرقل التقدم في المباحثات الخاصة بالمراحل اللاحقة.
وأكد وفد الحركة التزامه باتفاق وقف إطلاق النار، معرباً عن تقديره لجهود الوسطاء في كل من تركيا ومصر وقطر، من أجل وقف العدوان وتخفيف تداعياته الإنسانية، داعياً في الوقت ذاته المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف "واضح وحاسم" تجاه استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية.
كما استعرض الوفد، وفق بيان الحركة، ما يجري في مدينة القدس والمسجد الأقصى، بما في ذلك الاقتحامات المتكررة ومحاولات التهويد المتصاعدة، إلى جانب الاعتداءات المستمرة للمستوطنين في الضفة الغربية، والانتهاكات بحق الأسرى الفلسطينيين، مشيراً إلى ما اعتبره "جرائم ممنهجة" ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين.
وأعرب وفد "حماس" عن شكره للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وللجهود التي تبذلها أنقرة في إطار مساعيها لوقف الحرب على غزة وإنهاء تداعياتها، بحسب ما أفاد به بيان الحركة.