حين تثور السينما.. السياسة العربية بعدسة 4 مخرجين
تاريخ النشر: 22nd, October 2025 GMT
يبرز في السينما العربية المعاصرة مخرجون اختاروا جعل الكاميرا سلاحا سياسيا ناعما، لا يرفع الشعارات المباشرة، بل يلتقط نبض الشارع وتناقضات الإنسان العربي وهو يواجه واقعه الأليم في أغلب أحواله.
أفلام هؤلاء المخرجين ليست مجرد حكايات عن الفقر والقهر والحرب وغيرها من معضلات العربي المعاصر، بل قراءة بصرية للسياسة من داخل مجتمعاتنا التقطتها أعين مرهفة لمخرجين يبحثون عن إجابة لأسئلة صعبة، مثل، من يملك الحقيقة؟ ومن يدفع الثمن؟
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2من الأحلام إلى اللاوعي: كيف صوّرت السينما ما يدور داخل عقل الإنسان؟list 2 of 2"فرانكنشتاين" الجديد.. هكذا أعاد ديل تورو الحياة إلى أسطورة ماري شيلي المرعبةend of listكوثر بن هنية
توظّف المخرجة التونسية كوثر بن هنية مزيجا متنوعا من الأدوات والأساليب السينمائية في نقدها السياسي والاجتماعي الجريء، متنقلة ببراعة بين الوثائقي والخيال، والميلودراما والكوميديا السوداء، لتتناول قضايا إنسانية معقدة مثل التمييز والعنف ضد النساء واللاجئين، والتطرف الديني، وصولا إلى عالم الفن المعاصر المليء بالادعاءات الزائفة.
تتميز أعمال بن هنية بطرحها أسئلة أخلاقية عميقة بدلا من تقديم إجابات جاهزة، فهي تكتب وتُخرج بنَفَس نقدي واضح، لكنها تترك للمشاهد حرية التأمل والحكم. وقد أكسبتها جرأتها في تناول الموضوعات الحساسة في السياق العربي مكانة استثنائية في السينما العالمية، بفضل قدرتها على تحويل القضايا الصعبة إلى سرد بصري مشوّق ومؤثر.
من فيلم "شلاط تونس" (2014) الذي مزج بين الوثائقي والسخرية السياسية لتسليط الضوء على ظاهرة الاعتداءات على النساء في تونس قبل الثورة، إلى "على كف عفريت" (2017) المستوحى من قصة حقيقية لفتاة تعرضت لاعتداء من رجال شرطة عام 2012، مرورا بـ"الرجل الذي باع جلده" (2020) الذي رُشّح لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم دولي واعتُبر بيانا فنيا عن الحرية والكرامة الإنسانية من خلال قصة لاجئ سوري يقبل تحويل جسده إلى لوحة فنية مقابل حقه في السفر، وصولا إلى "بنات ألفة" (2023) الذي مزج ببراعة بين الواقع والتمثيل في حكاية أم تونسية فقدت ابنتيها بعد انجرافهما نحو التطرف.
إعلانوفي عام 2024، قدّمت بن هنية فيلمها "صوت هند رجب"، مستوحية قصته من مأساة الطفلة الفلسطينية هند رجب، حيث استخدمت الفن كأداة للمقاومة والذاكرة، ليُعرض الفيلم في مهرجان فينيسيا السينمائي ويحصد جائزة الأسد الفضي، مؤكدة مرة أخرى أن السينما بالنسبة إليها ليست ترفا، بل فعل مقاومة إنسانية وجمالية في آن واحد
View this post on InstagramA post shared by Kaouther Ben Hania (@kaoutherbenhania)
إيليا سليمانتكتسب القضية الفلسطينية في أفلام إيليا سليمان طابعا مختلفا، فهو غالبا ما يستحضر النكبة كفعلٍ مؤسِّس للتشتت الفلسطيني، ويهتم بجميع الفلسطينيين.
وبدلا من تصوير الصراع العربي الإسرائيلي بما يحمله من دراما مأساوية، يستخدم الكوميديا والفانتازيا والعبث ليُظهر المفارقة بين العادي والسياسي، وبين القمع والمقاومة اليومية، وهو أسلوب يتيح له أن يُظهر بشاعة الاحتلال بطريقة غير مباشرة.
تركّز الكثير من أفلام إيليا سليمان على التفاصيل الصغيرة في حياة الفلسطيني، مثل المرور عبر الحواجز، والحياة في المدن المزدحمة، والعلاقات العائلية المتشابكة، والطبقات الاجتماعية المختلفة. ويستخدم الصمت والتعبير البصري أكثر من الحوار، مما يبرز أثر الاحتلال ليس فقط كحدث سياسي بل كمعضلة يومية يعيشها الفلسطينيون.
يمكن تتبع كل ذلك منذ أول أفلامه الروائية الطويلة "سجل اختفاء" عام 1996، الذي يظهر فيه عودته إلى فلسطين بعد غياب طويل، ليبرز شعور الفلسطيني بغياب الهوية، ويستخدم بناء غير خطي للتعبير عن الانقسام والتشتت في الواقع الفلسطيني.
أما في "يد إلهية" عام 2002 فنشاهد كوميديا سوداء تميل إلى السريالية في رسم الحياة تحت الاحتلال، بمشاهد عبثية تعكس القمع اليومي الذي يتعرض له الفلسطينيون، وتسخر من حالة الاحتلال؛ فالشخصية الرئيسية صامتة إلى حد كبير، وموقفها راصد أكثر من كونه مشاركا.
بينما "الزمن الباقي" (2009) يغطي فترات تاريخية مهمة منذ عام 1948 من خلال ذكريات العائلة والرسائل اليومية، بأسلوب يجمع بين الهدوء والسخرية والتمثيل الرمزي للحياة اليومية تحت الاحتلال.
مرزاق علواشيغوص المخرج الجزائري مرزاق علواش في تفاصيل الحياة اليومية لأبطاله، عوضًا عن تقديم صراعات سياسية ضخمة بأسلوب ملحمي. فهو يتناول كوابيس البطالة، والمهاجرين غير النظاميين، وضجر الشباب من الواقع ويأسهم منه، كل ذلك ليُظهر أن السياسة ليست حدثا فقط، بل أسلوب حياة.
يوظف علواش المكان ليس كخلفية للأحداث فحسب، بل كشخصية فاعلة في النزاع السياسي، كما في فيلم "السطوح" عام 2013، الذي يتناول الثورة والدين والعنف والفساد من خلال قصص تدور فوق خمسة أسطح في خمسة أحياء مختلفة بالعاصمة الجزائرية. ينتقل الفيلم ليعرض تأثير السياسة والفساد والتشدد الديني على المهمشين في شوارع الأحياء الشعبية.
كما يستخدم السخرية والنقد غير المباشر في مواقف عادية لفحص التناقضات الاجتماعية والدينية والسياسية، مثل فيلم "باب الواد سيتي" عام 1994، الذي يدور حول فتى يعمل في مخبز تمتد ساعات عمله من الفجر، وينام خلال النهار. وعندما يرتفع صوت الإمام عبر مكبرات الصوت في حي باب الواد إلى أقصى درجة، يندفع لاقتلاع أحد المكبرات ويلقيه في البحر، فيُشعل بذلك ردود أفعال غاضبة.
إعلانويمزج مرزاق علواش بين سمات الأفلام الوثائقية والروائية، كما في فيلم "التحقيق في الجنة" (2017) و"حراقة" (2009)، الذي يتناول قصص مجموعة من الشباب الذين يهاجرون بصورة غير نظامية. فهو مخرج لا يركز فقط على النخبة، بل على الشباب الذين يفتقدون الفرص، وعلى أولئك الذين يعيشون في الضواحي المتهالكة، والذين لا يُسمع صوتهم عادة في الخطاب السياسي الرسمي.
View this post on InstagramA post shared by DRIFF (@catchthedriff)
نادين لبكي
تُعد نادين لبكي من أبرز المخرجات العربيات اللواتي استخدمن السينما كمنبر سياسي واجتماعي دون اللجوء إلى الشعارات المباشرة، خصوصا في أفلامها الأولى، حيث تتسلل السياسة عبر تفاصيل الحياة اليومية، في مشاهد بسيطة تحمل طبقات من المعنى.
في فيلم "سكر بنات" (2007) يتحول صالون تجميل في بيروت إلى مساحة رمزية لمجتمع منقسم بين التقاليد والانفتاح، حين تتقاطع مصائر نساء يحاولن التوفيق بين رغباتهن وقيود المجتمع. ويتطور هذا النهج في فيلم "هلأ لوين؟" (2011)، حيث تنتقل لبكي من نقد المجتمع إلى معالجة الانقسام الطائفي والحرب الأهلية، عبر لغة رمزية وكوميديا سوداء. نساء القرية -من الأمهات والزوجات- يقررن إيقاف حرب أهلية قبل بدئها باستخدام حِيل بدائية يغلب عليها الطابع الفكاهي، غير أن الغرض في النهاية هو الابتعاد عن الحرب التي يشعلها الرجال وتتحمل النساء أوجاعها، في إشارة واضحة إلى دور المرأة في الحفاظ على التماسك المجتمعي في مواجهة فشل المؤسسات السياسية.
View this post on InstagramA post shared by Nadine Labaki (@nadinelabaki)
وربما تميل نادين لبكي في "كفرناحوم" (2018) إلى بعض المباشرة، خصوصا في أجزاء الفيلم الأخيرة، غير أنه يبدأ بشكل درامي مؤثر عندما يقاضي طفل والديه لأنهما أنجباه في عالم قاس يواجه فيه، وهو لم ينضج بعد، الفقر والفساد وانعدام العدالة الاجتماعية. وبعيدا عن مشاهد المحاكمة الأخيرة، يفضح الفيلم -عبر الصورة- شوارع بيروت التي لا تُبالي بأطفال الشوارع، لتخلق المخرجة خطابا سياسيا من قصص يومية يمر عليها الكثيرون دون أن يبالوا بها.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: غوث حريات دراسات فی فیلم
إقرأ أيضاً:
د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.
فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.
لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.
بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.
الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.
ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.
الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.
الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.
فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.
ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.
ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.
أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.
كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.
فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.
أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.
ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.
وهناك أيضًا أمان المكانة.
ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.
فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟
الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.
ثم يأتي أمان الضعف.
وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.
أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.
فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.
في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.
لكن الأمان وحده لا يكفي.
فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.
الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.
فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.
أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.
وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.
فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.
هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.
وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.
وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.
وهناك ونس الصمت.
نعم، الصمت.
فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.
أما العنصر الثالث فهو العفوية.
العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.
العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.
العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.
فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.
كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟
من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟
فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.
العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.
والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.
ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.
ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.
ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟
ليس الشكل وحده.
ولا الكلمات وحدها.
ولا البدايات المبهرة وحدها.
الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.
فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.
هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.
ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.
بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.
وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.
يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.
ويكبر لأنه منحنا الأمان.
ويكبر لأنه كان مصدر ونس.
ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.
فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.
وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.
القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.
فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.
نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.
ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.
ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.
لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.
فالأمان يجعل القلب يستقر.
والونس يجعل الروح تبتسم.
والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.
أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.
فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.
شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.
وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.
ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .