علماء للجزيرة نت: البراكين هنا تسبب فيضانات في نصف الأرض الآخر
تاريخ النشر: 22nd, October 2025 GMT
ينظر العلماء للبراكين كظواهر جيولوجية قوية تترك بصماتها العميقة على المناخ من خلال تبريد الكوكب مؤقتا بسبب ما تطلقه من غيوم تحجب أشعة الشمس الواصلة إلى سطح الأرض.
فعندما يثور بركان كبير، يطلق كميات هائلة من ثاني أكسيد الكبريت إلى الجزء العلوي من الغلاف الجوي. هناك، يتفاعل هذا الغاز مع بخار الماء ويتحول إلى جسيمات كبريتات دقيقة.
هذه الجسيمات تعمل كمرايا صغيرة تعكس جزءا كبيرا من أشعة الشمس إلى الفضاء، مما يؤدي إلى انخفاض كمية الطاقة الشمسية التي تصل إلى سطح الأرض.
النتيجة هي تبريد سطحي ملحوظ، يستمر عادة من عدة أشهر إلى سنتين، لكن دراسة جديدة نشرت في دورية "نيتشر جيوساينس" تكشف أن تأثير البراكين يتجاوز هذه الآلية، وحفظت أحجيتها المناخية لقرون.
يقول غابرييلي فيلاريني، الباحث في قسم الهندسة المدنية والبيئية، في جامعة برينستون الأمريكية، والباحث المراسل في الدراسة، في تصريحات حصرية للجزيرة نت "في حين انصب اهتمام معظم الباحثين سابقا حول دور ثوران البراكين وتأثيرها على متغيرات المناخ مثل درجة الحرارة والهطول، أظهرنا نحن أن هذه الثورات البركانية تؤثر على الفيضانات على نطاق عالمي أيضا. وهو ما يجب أن نأخذه في الاعتبار عند تقييم المخاطر".
الفيضانات هي واحدة من أكثر الكوارث الطبيعية تدميرا وانتشارا في العالم، حيث تؤثر على ملايين البشر سنويا وتتسبب في خسائر اقتصادية هائلة.
ورغم أن الفيضانات تنتج عن تفاعل معقد بين التضاريس والتوسع العمراني والطقس، فإن العاملين الرئيسيين وراء معظم الفيضانات هما كمية هطول الأمطار ودرجة الحرارة، إذ يؤثران على تشبع التربة وذوبان الثلوج وجريان الماء على سطح الأرض.
تطرح الدراسة الجديدة سؤالا جوهريا حول قدرة البراكين على تبريد الكوكب وتغيير توزيع الأمطار، وهل يمكنها أن تؤثر مباشرة على شدة الفيضانات ومواقعها؟
إعلانللإجابة على ذلك، حلّل الفريق بيانات أكثر من 7 آلاف و800 محطة قياس تصريف أنهار حول العالم، ودمجوها مع محاكاة مناخية عالية الدقة باستخدام نموذج مناخي شامل طوره باحثون في جامعة برينستون لدراسة المناخ والتنبؤ به.
اعتمد الباحثون على هذا النموذج الإحصائي الدقيق الذي يتنبأ بذروة تصريف الأنهار في كل موسم، استنادا إلى متوسطات الأمطار والحرارة في الأحواض المائية. ثم طبقوا هذا النموذج على محاكاة مناخية تشمل 3 ثورات بركانية كبرى في القرن العشرين.
البراكين الـ3 هي بركان أغونغ 1963 في إندونيسيا، الذي انتشر رماده في نصف الكرة الجنوبي، وبركان سانتا ماريا 1902 في غواتيمالا، الذي تركز انتشار رماده في نصف الكرة الشمالي، وبركان بيناتوبو 1991 في الفلبين، والذي انتشر رماده بشكل متماثل بين نصفي الكرة.
هذا التنوع أتاح للباحثين مقارنة تأثيرات الثورات التي تتركّز في نصف كرة واحد مقابل تلك التي تؤثر على النصفين معا.
أظهرت النتائج أن المناطق الاستوائية هي الأكثر استجابة لثوران البراكين، حيث انخفضت شدة الفيضانات في نصف الكرة الذي حدث فيه الثوران، وارتفعت في النصف الآخر.
في حالة ثوران أغونغ مثلا، ازدادت نسبة محطات القياس التي سجلت انخفاضا في ذروة الفيضانات في نصف الكرة الجنوبي بنحو 25% في السنة الأولى بعد الثوران، في حين شهد نصف الكرة الشمالي زيادة تدريجية في ذروة الفيضانات وصلت إلى 20% بحلول السنة الثالثة.
هذه الأنماط لم تكن مصادفة، بل ترافقت مع تحوّل كبير في موقع حزام المطر الاستوائي المعروف باسم منطقة التقارب بين المدارين، والذي يُعد أهم نظام هطول مطري على الأرض.
يشرح فيلاريني "بسبب الاختلافات المتزايدة في درجات الحرارة بين نصفي الكرة الأرضية نتيجة للقوة البركانية، ينقل التدفق عبر خط الاستواء الهواء الرطب من أحد نصفي الكرة الأرضية إلى مناطق الرياح الموسمية، ويعزز هطول الأمطار في نصف الكرة الأرضية المقابل". وهو ما يفسر التناقض بين نصفي الأرض.
ويضيف "هذا التباين الكبير في درجات الحرارة بين نصفي الكرة الأرضية يحرك منطقة التقارب بين المدارين بعيدا عن نصف الكرة الأرضية الذي حدث فيه الثوران البركاني، مما يؤدي إلى المزيد من هطول الأمطار في نصف الكرة الأرضية المقابل".
لكن عندما غطي الرماد البركاني نصفي الكرة معا، كما حدث مع ثوران بيناتوبو عام 1991، ظهرت استجابة مختلفة تماما. تشير الدراسة إلى أن الهطول الاستوائي تراجع في كلا النصفين، مما أدى إلى انخفاض الفيضانات على نطاق واسع بدلا من مجرد نقلها من نصف الكرة إلى النصف الآخر.
يقول فيلاريني "هذا يرجع إلى آلية اقتران الرياح الموسمية بالصحراء. فحين تضعف حركة الهواء الصاعدة فوق مناطق الرياح الموسمية نتيجة الثوران، فيؤدي إلى هبوط الهواء فوق المناطق القاحلة المجاورة، فتزيد الأمطار هناك".
بعبارة أخرى، يصبح المشهد العالمي أكثر تعقيدا، إذ تتلقى مناطق جافة مزيدا من الأمطار والفيضانات، في حين تتعرض مناطق استوائية مكتظة بالسكان إلى جفاف مؤقت.
هذه الدراسة لها آثار عميقة على فهمنا للمخاطر المناخية. ففي الوقت الذي تركز فيه معظم خطط إدارة الكوارث على الفيضانات الناتجة عن تغير المناخ بشري المنشأ، تكشف الدراسة أن الطبيعة ذاتها قادرة على إعادة تشكيل خريطة المخاطر فجأة، عبر حدث بركاني ضخم واحد، ليصبح النشاط البشري المدمر للبيئة متهما بريئا مؤقتا.
إعلانكما أن النتائج تثير أسئلة مهمة حول خطط الهندسة الجيولوجية التي تقترح ضخ جسيمات في الغلاف الجوي لتبريد الكوكب ومكافحة الاحترار العالمي. يقول فيلاريني "عملنا يشير إلى أن هناك آثارا تمتد إلى ما وراء مجرد تغييرات في درجة الحرارة والهطول".
وهذا يعني أن أي تدخل اصطناعي لتبريد الكوكب قد يؤدي إلى تغييرات غير متوقعة في أنماط الفيضانات والجفاف.
ويضيف "أود القول إن واحدة من أكثر النتائج المفاجئة كانت مرتبطة بتأثير خصائص السحابة البركانية المختلفة على الفيضانات على النطاق العالمي". أي أن مدى تأثير خصائص السحابة البركانية نفسها، مثل حجم الجسيمات وتوزيعها بين نصفي الكرة، يؤثر على شكل الفيضانات على المستوى العالمي.
هذا يعني أن جاهزية شبكات رصد الفيضانات لمراقبة التغيرات المفاجئة بعد أي ثوران بركاني كبير أمر ضروري. فبحسب الباحثين، يمكن أن تتغير شدة الفيضانات بشكل كبير لعدة سنوات متتالية بعد الثوران، مما قد يزيد من الخسائر إذا لم تُتخذ الإجراءات الوقائية. كما توصي الدراسة بدمج بيانات البراكين في نماذج الإنذار المبكر بالفيضانات، خاصة في المناطق الاستوائية والموسمية التي ثبت أنها الأكثر حساسية لمثل هذه الاضطرابات.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: غوث حريات دراسات الفیضانات على الکرة الأرضیة فی نصف الکرة
إقرأ أيضاً:
لا يمكن رؤيته بالعين المجردة.. ماذا تعرف عن أكبر شلال على الأرض؟
رغم أن الشلالات الشهيرة حول العالم مثل نياجارا أو آنجل تجذب ملايين الزوار سنويا، فإن أكبر شلال على كوكب الأرض لا يمكن رؤيته بالعين المجردة ولا سماع هديره، لأنه يقع في أعماق المحيط المتجمد الشمالي، بعيدا عن الأنظار وتحت مئات الأمتار من المياه.
ويُعرف هذا الشلال باسم “شلال مضيق الدنمارك”، ويقع بين أيسلندا وجرينلاند، حيث تتدفق عبره كميات هائلة من المياه تتجاوز 3.2 ملايين متر مكعب في الثانية، ما يجعله أكبر تدفق مائي معروف على سطح الأرض.
رغم ضخامته الاستثنائية، فإن شلال مضيق الدنمارك يظل مخفيا بالكامل تحت سطح البحر، ولا تظهر له أي علامات مرئية مثل الرذاذ أو الضجيج المرتبط بالشلالات التقليدية.
ويعود تشكل هذا الشلال البحري إلى اختلاف كثافة المياه، فالمياه الباردة والمالحة القادمة من شمال المحيط تكون أكثر كثافة من المياه الأدفأ الموجودة جنوبا، مما يدفعها إلى الغوص والانحدار على طول قاع البحر عبر حافة صخرية مغمورة، مشكلة ما يشبه شلالا عملاقا تحت الماء.
ويصل امتداد هذا الانحدار إلى نحو 11 ألفا و500 قدم، وهو ارتفاع يفوق بكثير أشهر الشلالات الموجودة على اليابسة.
وأكد علماء المحيطات وجود هذه الظاهرة خلال العقود الأخيرة باستخدام أجهزة متخصصة تقيس درجات الحرارة والملوحة وسرعة التيارات البحرية، إذ يصعب رصدها بشكل مباشر بسبب وقوعها في أعماق كبيرة.
كما كشفت القياسات وجود تدفق مستمر للمياه الكثيفة عبر قاع المحيط، وهو ما ساعد الباحثين على فهم طبيعة هذا الشلال الفريد.
ما أهمية شلال مضيق الدنمارك؟لا تقتصر أهمية شلال مضيق الدنمارك على كونه ظاهرة طبيعية مذهلة، بل يؤدي دورا محوريا في تنظيم المناخ العالمي، فالتدفق المستمر للمياه الباردة والكثيفة يسهم في تكوين تيارات المحيط الأطلسي العميقة، التي تساعد على نقل الحرارة والأكسجين والعناصر الغذائية بين مناطق مختلفة من العالم، ما يؤثر بشكل مباشر في درجات الحرارة والأنظمة البيئية البحرية.
ويحذر العلماء من أن التغيرات المناخية الحالية قد تؤثر في قوة هذا الشلال البحري، فذوبان الجليد وارتفاع كميات المياه العذبة في المناطق القطبية قد يقللان من ملوحة المياه وكثافتها، وهو ما قد يضعف حركة التدفق ويؤثر في نظام دوران المحيطات.
ويرى الباحثون أن أي تغير في هذا النظام قد ينعكس على المناخ العالمي، من خلال التأثير في درجات الحرارة ومسارات العواصف والإنتاجية البيولوجية للمحيطات.
ويبقى هذا الشلال العملاق، رغم اختفائه عن الأنظار، أحد أهم العوامل الطبيعية التي تسهم في الحفاظ على توازن مناخ الأرض وتنظيم حركة المحيطات حول العالم.