واشنطن تحاول اختبار قدرتها على التأثير بعد تراجع مكانتها في الإقليم، لكن بورتسودان تمتلك أوراق ضغط سياسية، عسكرية، واقتصادية، وتتحرك بثقة دولة فرضت واقعاً جديداً على الأرض

 

 

كتب – مكاوي الملك

 

أولاً.. لا تصدقوا الشائعات ولا أبواق الخيبة. دعكم من الضجيج وأبواق الدعم السريع وإعلام الإمارات. السودان تجاوز أخطر المنعطفات، وما يجري اليوم ليس ارتباكاً بل جزء من معركة كبرى يُعاد فيها رسم موازين القوة.

السودان هذه المرة في موقع الفاعل لا المفعول به. ما يحدث في واشنطن جزء من معركة سيادة كبرى، وبورتسودان تديرها بذكاء وهدوء، معركة بين عواصم كبرى تتصارع على موقعه لا على مصيره.

 

في الساعات الأخيرة تصاعدت الأحاديث حول اجتماعات تُعقد في واشنطن بشأن السودان. تنوّعت الروايات بين من يزعم وجود مفاوضات “غير معلنة” مع المتمردين وبين من يروّج لفكرة “تسوية أمريكية وشيكة”، لكن الحقيقة مختلفة تماماً عن هذه الصورة الضبابية.

 

أولاً: ما الذي يجري فعلاً في واشنطن؟

 

ما يجري ليس تفاوضاً مباشراً أو غير مباشر بين الحكومة السودانية والدعم السريع، بل نشاط دبلوماسي مكثف وضغط سياسي تمارسه واشنطن على الأطراف الإقليمية الداعمة للحرب، خاصة بعد أن بدأت الخرطوم تنسج شراكات قوية مع موسكو وطهران وبكين.

 

الولايات المتحدة أدركت أن السودان يقترب من محور الشرق، خصوصاً في ملفات حساسة مثل:

• الموانئ على البحر الأحمر

• التعاون العسكري والاستخباراتي

• مشاريع البنية التحتية والطاقة

 

هذه التحركات أثارت قلق واشنطن التي ترى في البحر الأحمر ممراً استراتيجياً بالغ الأهمية، لذلك تحاول إعادة الإمساك بخيوط الملف السوداني قبل أن تفقد تأثيرها في المنطقة.

 

ثانياً: النفي الرسمي.. خطوة محسوبة

 

أصدر مجلس السيادة الانتقالي بياناً نفى فيه وجود أي مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع الدعم السريع في واشنطن. النفي الرسمي كان مقصوداً للحفاظ على مرونة السودان السياسية ومنع إعطاء أي طرف شرعية، مع إبقاء الباب مفتوحاً لأي تحرك يخدم مصالح السودان العليا أو يضغط على الأطراف الإقليمية الداعمة.

 

هذا ما يُعرف بـ “الضغط التكتيكي” — استخدام أدوات الدبلوماسية والمعلومات لاختبار مواقف الآخرين دون الالتزام العلني بأي تفاوض أو اتفاق.

 

ثالثاً: ما بين العلن والعمق

 

في العلن، الموقف السوداني واضح: لا تفاوض قبل وقف دعم الإمارات للدعم السريع وضمان سيادة السودان كاملة غير منقوصة.

 

وفي العمق، هناك تحركات سياسية واستخباراتية دقيقة تهدف إلى:

• إحكام الضغط على داعمي الدعم السريع إقليمياً

• اختبار نوايا واشنطن بعد صمتها السابق تجاه الجرائم في دارفور والخرطوم والجزيرة

• إعادة توجيه ميزان القوى بما يخدم مصالح السودان

 

رابعاً: أمريكا تُجرب.. والسودان يُناور

 

الولايات المتحدة تحاول اختبار قدرتها على التأثير بعد تراجع مكانتها في الإقليم، لكن بورتسودان تمتلك أوراق ضغط سياسية، عسكرية، واقتصادية، وتتحرك بثقة دولة فرضت واقعاً جديداً على الأرض.

 

الجيش السوداني اليوم هو الفاعل المركزي، وقد أفشل مشاريع السيطرة على السودان التي عملت عليها بعض القوى الإقليمية والدولية عبر الدعم السريع والمرتزقة. أي تحرك أو تفاهم يجب أن يتم وفق شروط بورتسودان.

 

خامساً: الدرس الأهم

 

النفي الرسمي لا يعني السكون، بل الدهاء السياسي. بورتسودان تتعامل بذكاء استراتيجي مع المشهد: لا تُغلق الباب أمام أحد، لكنها لا تسمح لأحد أن يُملي شروطه.

 

المعركة الآن على محورين:

 

1. عسكرياً: السيطرة على الأرض وتحرير المدن من الدعم السريع

 

 

2. سياسياً: إدارة التوازنات الإقليمية والدولية دون التنازل عن السيادة

 

 

 

سادساً: السودان اليوم رقم صعب

 

السودان لم يعد كما كان يُنظر إليه في السنوات الماضية؛ يمتلك عمقاً جغرافياً واستراتيجياً، موقعاً مؤثراً في ممر البحر الأحمر، جيشاً صامداً وشعباً واعياً.

 

بورتسودان اليوم تُقرر… وواشنطن تُجرب. كل خطوة تُحسب بدقة، لأن القرار الوطني أصبح في يد السودان وحده، لا في يد الداعمين أو الوسطاء.

 

الخلاصة:

• ما يجري في واشنطن ليس تفاوضاً، بل اختبار سياسي واستخباراتي.

• النفي الرسمي جزء من خطة تكتيكية للحفاظ على السيادة دون منح شرعية لأي طرف.

• السودان يُعيد رسم قواعد اللعبة الإقليمية بذكاء وثبات.

 

السيادة خط أحمر، والحكومة لا تتفاوض إلا بشروط الوطن.

السودان لا يُفاوض على أرضه، بل يُفاوض الآخرين على احترام سيادته.

أمريكاالسودانبورتسودان

المصدر

المصدر: تاق برس

كلمات دلالية: أمريكا السودان بورتسودان الدعم السریع فی واشنطن

إقرأ أيضاً:

سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

دَعْنا نراقب الشمس…

قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.

الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز.  وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.

الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.

الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.

الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.

باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط.  دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.

ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.

ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه.  وما بين الميلاد والموت  تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟

لحظةٌ لا تأتي بإشعار

ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.

تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.

في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.

بين السؤال والجواب.. ثورة

يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:

     "كيف تبرد نار النفس؟"

      فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:

     "بالاستغناء."

لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.

لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.

أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى

إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.

كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟

        قال كارل غوستاف يونغ:

       "الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،

        بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."

فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.

فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب

الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.

       "الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،

        ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."

الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟

الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ

الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.

   قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:

     "كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:

      حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."

وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.

الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر

ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.

من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.

قال إبن الرومي:

  "حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."

فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.

الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم

الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.

إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.

ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.

ذلك هو الاستغناء.

وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.

وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.

باريس

1 يونيو 2026

مقالات مشابهة

  • واشنطن : الصين التزمت الحذر .. وإمداداتها لإيران لم تغير مسار الحرب
  • وزير الخارجية الأمريكي يكشف عن أمر محبط وتحول السودان إلى صراع بالوكالة بين الإمارات والسعودية وتحديد 4 مناطق وخطة السلام
  • ﺗﺼﺎﻋﺪ اﻟﺤﺮب اﻷﻫﻠﻴﺔ ﻓﻰ اﻟﺴﻮدان.. و»اﻟﺒﺮﻫﺎن« ﻳﻄﺎرد اﻟﻤﺮﺗﺰﻗﺔ
  • القائم بالأعمال الأمريكي: ناقش مع الرئيس العراقي اتخاذ إجراءات لصون السيادة
  • بفرد خرطوش| ضبط عاطل لقيامه بمحاول سرقة شقة سكنية بالشروق
  • وزير خارجية الكويت ونظيره الباكستاني يبحثان تطورات الأوضاع الإقليمية
  •   من بيروت إلى باب المندب…إيران تهدد بفتح جبهة في المياه الإقليمية اليمنية رداً على التصعيد الإسرائيلي
  • أبل تطور ميزة جديدة لحماية آيفون من السرقة والخطف السريع
  • رئيس الوزراء السوداني يصدر قرارات وتوجيهات للجمارك والجوازات وشركات الطيران بشأن مطار بورتسودان
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟