خوف دائم في إسرائيل ونتائج 7 أكتوبر
تاريخ النشر: 27th, October 2025 GMT
هناك أحداث لا تقاس بمدتها الزمنية، بل بقدرتها على إحداث تغيير لا يمكن التراجع عنه. لحظات قصيرة في ظاهرها، لكنها تعيد ترتيب الوعي الإنساني وتحول مجرى التاريخ. السابع من أكتوبر/تشرين الأول واحد من تلك الأحداث القليلة التي تجاوز تأثيرها الميدان إلى عمق إدراكنا للعالم.
في ذلك اليوم، بدت غزة المحاصرة بالجغرافيا كأنها مركز الكون كله، وما تلاه من أحداث شكل لحظة تجلٍ مزقت القناع الذي ظل يغطي وجه العالم طويلا، وكشف الحقيقة العارية للغرب ونظامه الدولي ومنظومة القيم التي أُسس عليها بعد الحرب العالمية الثانية.
فالسابع من أكتوبر/تشرين الأول لم يبدل الوقائع فحسب، بل قلب المعاني، وفتح زمنا جديدا بالكامل سيبقى أثره ممتدا لسنوات طويلة، وستنشأ أجيال جديدة في عالم ما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، عالم فقد يقينه بكل المسلمات المهيمنة على نظم التفكير، ومرجعيات القيم، وبدأ يبحث عن معنى آخر لها.
لم يكن السابع من أكتوبر/تشرين الأول فعلا عسكريا بقدر ما كان لحظة وعي تاريخي. فالشعب الفلسطيني الذي اقتُلع من أرضه في نكبة 1948، واستُبدلت ذاكرته بذاكرة مصطنعة لشعب مستعار من التاريخ الأوروبي، لم يخرج في السابع من أكتوبر/تشرين الأول ليبدأ تاريخا جديدا، بل ليعيد التاريخ إلى مساره.
لقد كان الفلسطيني طوال قرن من الزمن يعيش في نص مكتوب له من الخارج. من وعد بلفور إلى أبراهام، جرى تحويل الفلسطيني من ذات فاعلة إلى موضوع في سردية الآخر؛ يعرف بصفته أزمة معقدة أو ملفا مؤجلا أو بندا تفاوضيا.
في تلك اللحظة لم ينتظر الفلسطيني اعترافا، ولم يطلب وسيطا، بل مزق النص، وقرر أن يصنع روايته الخاصة بدمه. ومن هنا بدأت الهزة، ليس في إسرائيل فحسب، بل في العالم كله.
الغرب أمام مرآتهخرج الفلسطيني من تحت الركام ليقدم إلى البشرية مرآتها السوداء؛ رآها الجميع، ورأى فيها كل وجهه الحقيقي. لم تكن صرخة محلية في وجه الاحتلال، بل إعلان سقوط شامل لمشروع حضاري بكامله. ذلك أن العالم الحديث الذي روج لنفسه كـ"نهاية التاريخ"، وجد نفسه فجأة أمام ما لم يستطع فهمه؛ كيف يمكن لشعب محاصر وأعزل تقريبا، أن يربك أعقد منظومات القوة في العالم، وأن يهز وجدان الإنسانية بأكملها؟
إعلانارتبك العقل الغربي؛ لأن الفلسطيني لم يتصرف وفق القواعد التي وضعها له؛ لم يقبل أن يظل داخل المعادلة الأخلاقية المزيفة التي تقسم البشر إلى "ضحايا مستحقين" و"ضحايا منزوع عنهم الإنسانية".
لأول مرة، وجد الغرب نفسه عاجزا عن تبرير ازدواجيته؛ لأن الصورة لم تعد تحتمل التأويل. فمشاهد الإبادة نقلت على الهواء مباشرة، العالم كله رآها، لكن النظام الغربي نظر في الاتجاه الآخر. هنا انكشفت الحقيقة؛ أن المنظومة الغربية لا ترى في الآخر إنسانا، وأن الحضارة التي ملأت الدنيا بشعارات الإنسانية والحرية والكرامة، لا تؤمن بشيء منها إلا حين يخدم مصالحها.
لقد كشف هذا الحدث كيف يتهاوى الوعي العالمي حين يواجه اختبارا أخلاقيا حقيقيا. انتهى زمن الخداع الذي كان يبرر الوحشية بلغة القانون.
لم تعد الأمم المتحدة قادرة على الإقناع بأنها منصة للسلام، ولا المحاكم الدولية قادرة على الادعاء بأنها تحاكم الجميع بالمعيار ذاته، حيث بدت كأدوات انتقائية، ينحصر نطاق اشتغالها داخل "العالم الثالث"، بينما يتم تعطيلها أمام مجازر ترتكبها إسرائيل، ببساطة لأن من صنعها لم يقصد بها سوى حماية مركزه في منظومة السيطرة.
والصحف والقنوات الإعلامية الغربية، التي لطالما تغنّت بالموضوعية وبالرسالة الإنسانية وبتقديس الحقيقة، والتي ما فتئت تتباكى على ضحايا الحرب في أوكرانيا وإسرائيل من أصحاب السحن الشقراء، صمتت أمام آلاف الأطفال تحت ركام غزة، وبررت للعواصم الغربية، التي تتبجح بـ"حقوق الإنسان" و"محاربة الإرهاب"، وهي تمد الكيان بالقنابل الذكية والغبية لتسقط على رؤوس المدنيين في غزة. إنها ازدواجية لم تعد قابلة للتجميل؛ لأن العالم كله رآها بعيونه، ولأن تكنولوجيا الصورة كسرت احتكار الرواية.
والخطاب الأميركي نفسه، انكشف في تناقضاته الداخلية؛ فواشنطن التي لطالما رفعت راية "القيادة الأخلاقية" للعالم، وقدمت نفسها بصورة حامي الحقوق والحريات وراعي السلم والأمن الدوليين، بدت عارية من كل معنى؛ فحين أعلنت عن دعمها المطلق لحرب الإبادة الإسرائيلية، وأرسلت السلاح ومنعت الإدانة، أو حتى الإشارة إلى وقف إطلاق النار، لم يكن ذلك تناقضا في السياسة، بل اتساقا في الجوهر، لأن جوهر النظام الدولي الذي تقوده أميركا قائم على احتكار تعريف العدل والإنسانية، واحتكار الحق في العنف.
وبينما خرج بعض ساسة واشنطن ونخبها ليبرروا دعم حرب الإبادة بحجة أن الدفاع عن إسرائيل واجب ديني قبل أن يكون سياسيا؛ في مشهد يكشف كيف يدار العالم الحديث بخليط من الأيديولوجيا والمصالح، كان هول بشاعة الصورة القادمة من غزة أكبر من أن يغطيه الغِربال؛ إذ ارتفعت في أميركا أصوات سياسيين ومثقفين وفنانين وناشطين لم تلوثهم الدعاية الصهيونية، نقدا لهذه الحرب المجنونة، فاهتز السرد الرسمي، لم تعد أميركا تدير الحرب من الخارج بل من داخل ضميرها المنقسم، وهو صدى لموجة أوسع من مناوأة هذه الازدواجية الفاضحة في عواصم الغرب.
وهنا تجلى الانكشاف الكامل. الإمبراطورية التي ظنت نفسها حارسة النظام العالمي وجدت نفسها موضع سؤال، لا عن سياستها فحسب بل عن ذاتها.
إعلانفقد كشف السابع من أكتوبر/تشرين الأول حدود القوة الأميركية وقدرتها على إقناع العالم بشرعيتها الأخلاقية؛ بدت كإمبراطورية عجوز، تخلط بين الغطرسة والارتباك، وتتعامل مع العالم بمنطق "من ليس معنا فهو ضدنا"، دون أن تدرك أن هذا المنطق لم يعد يقنع أحدا.
لقد أدركت الشعوب الغربية- لأول مرة منذ عقود – أن النظام العالمي الحديث ليس سوى استمرارية استعمارية بأدوات جديدة. ففي اللحظة التي حاولت فيها الأنظمة الغربية طمس قضية فلسطين، كانت الشعوب الغربية تستعيدها كرمز لكل المقموعين، وتعود بها إلى البدايات، إلى أصل الصراع، حيث النكبة والاقتلاع وإحلال لفيف من الأجناس والأعراق مكان شعب ضاربة جذوره في أطناب الجغرافيا والتاريخ.
المظاهرات التي خرجت في العواصم الغربية، كانت إعلانا صارخا عن انهيار السرديات السائدة. لقد انهارت سردية "الحرب على الإرهاب" التي طالما وظفت لتبرير قتل العرب والمسلمين، وانهارت معها أسطورة الوصاية الأخلاقية التي غذت الوعي الغربي منذ الحرب العالمية الثانية.
إسرائيل: انكشاف الصورة وحدود القوة والوظيفةتحت ثقل المشهد وبشاعته، تحطمت صورة "الضحية الإسرائيلية" في وعي الشعوب الغربية؛ أخطر جبهة تستمد منها قوتها. لم يعد ممكنا إقناع العالم بأن من يملك أقوى الجيوش هو من يحتاج الحماية، فإسرائيل التي قدمت نفسها لعقود على أنها " الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" و"ضحية الإرهاب"، ظهرت فجأة على حقيقتها ككيان استعماري إحلالي قائم على الاقتلاع والإبادة والتطهير العرقي، يمارس حربه على المدنيين في بث حي على الهواء، ويستند إلى دعم أعمى من المنظومة الغربية التي لا ترى في الفلسطيني إلا مادة للفناء.
لقد انكشف للعالم هوية إسرائيل المشوهة؛ فاشية حديثة متجسدة في مجتمع يعيش متلازمة الاضطهاد والاصطفاء في آن واحد، بين عقدة "الشعب المهدد بالزوال" وعقيدة "الشعب المختار" الذي لا يدان.
وبات العالم أكثر وعيا بجوهر الكيان الصهيوني، بوصفه نموذجا مضادا للإنسانية، متلبسا بازدواجية مرضيّة تتغذى على الخوف والكراهية، وعلى أيديولوجيا استئصالية تنزع الإنسانية عن الآخر وتبرر قتله باسم الخلاص.
لقد انكشف للجميع أن هذا الكيان لا يعرف كيف يعيش من دون عدو، ولا يستطيع أن يرى العالم إلا من خلال الحروب؛ أي أن وجوده يتغذى من العنف الذي يبرره.
وبالمقابل اكتشفت إسرائيل حدود قوتها، وأن الردع لم يعد ممكنا في مواجهة إرادة مؤمنة بتحقيق العدالة، فبعد عامين من الحرب، لم تستطع كسر غزة ولا إخضاع مقاومتها، واضطرت في نهاية المطاف للتفاوض مع من أقسمت على القضاء عليه.
وحين انكشفت إسرائيل كقوة فقدت قدرتها على الردع، صار سؤال الوجود والوظيفة ملحا أكثر من أي وقت مضى. فإسرائيل، التي نشأت كوظيفة استعمارية وذراع متقدمة للمركز الغربي في الشرق، تحولت من قوة تحمي الغرب إلى كيان يحتاج الحماية منه، من رأس حربة إلى عبء أمني وسياسي يجر حلفاءه إلى الحروب والأزمات السياسية والأخلاقية والدبلوماسية.
لقد بدت إسرائيل بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول منظومة مترهلة مثقلة بالغرور والعجز البنيوي، ليس فقط في الميدان، بل في العقل الذي يدير الميدان؛ إذ تحول "الأمن" إلى عقيدة خائفة تعيش داخل هوس وجودي دائم، وترى في التهديدات حالة تسلسلية تبدأ في غزة ولا تنتهي في الإقليم.
وبذلك، كشف السابع من أكتوبر/تشرين الأول أن "القلعة الأمنية" التي طالما قدستها إسرائيل هي في حقيقتها وهم مؤسس على الخوف لا على القوة، وأن بنية الدولة التي بنيت حول "جيش لا يقهر" تخفي تحتها مجتمعا هشا، منقسما، متوترا، مأزوما في هويته وذاكرته.
بهذا المعنى، دخلت إسرائيل بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول مرحلة القلق الوجودي، لا من بوابة الهاجس الأمني فحسب، بل من عمق الأسئلة التي باغتتها؛ ماذا بعد؟ كيف يمكن لكيان يقوم على الخوف أن يطمئن؟ وكيف يمكن لمجتمع يعيش على الحرب أن ينعم بالاستقرار؟ إنها أسئلة تتجاوز الأمن إلى معنى الاستمرار والوظيفة.
إعلانإن مستقبل إسرائيل لم يعد وعدا بالتفوق كما كانت تروج، بل اختبارا قاسيا للبقاء في ظل تآكل القدرة على إقناع العالم بجدوى وجودها كـ"قلعة" للغرب في الشرق، في زمن تتهاوى فيه القلاع من داخلها.
ومع ذلك، لا يعني هذا التحول أن إسرائيل ستتراجع عن مشروعها العدواني؛ بل على العكس، فإسرائيل الخائفة أكثر خطرا على المنطقة والإقليم بل وعلى العالم، لأن كيانا يعيش على الخوف لا يتورع عن إشعال الحروب كلما واجه سؤال الوجود والبقاء.
انكشاف الحضارة الغربية ومركزيتهابالعودة إلى الغرب، لا يمكن حصر تداعيات السابع من أكتوبر/تشرين الأول في انكشاف السرديات السياسية والإعلامية، إذ بدأ الغرب يكتشف هشاشة الأفكار المؤسسة لمشروعه الحضاري. فالغرب عاش لعقود في وهم الرسالة الأخلاقية؛ أنه مركز الحضارة، وأن تدخله في شؤون الآخرين يتم باسم حقوق الإنسان. وقدم الغرب نفسه للعالم باعتباره حامل مشعل التقدم، واعتبر أن مهمته تمدين الآخرين.
لكن غزة كشفت أن هذه الرسالة لم تكن سوى غطاء لامتياز القوة. فالذي يقصف مستشفى لا يمدّن أحدا، والذي يمنع الماء والدواء عن أطفال محاصرين لا يحرر أحدا، والذي يبرر كل ذلك باسم الدفاع عن النفس لا يدافع إلا عن وحشيته.
والطلاب الذين خرجوا في جامعات أميركا وأوروبا يهتفون لفلسطين لم يكونوا مجرد متعاطفين، بل كانوا يعلنون- من حيث لا يدرون – موت السردية الغربية.
هكذا، تحول "الوعي الغربي" ذاته إلى ساحة معركة؛ فالسابع من أكتوبر/تشرين الأول لم يسقط الأقنعة فقط، بل عرى البنية الفلسفية التي تستبطن مركزية الذات الغربية التي تقود النظام العالمي وتهيمن عليه.
فهذه الذات لا تمارس العدالة إلا من داخل منطق السيطرة، أي من موقع القوي الذي يمنحها حين يشاء ويحجبها حين يشاء. فقد ظهرت الإنسانية الغربية كما هي، إنسانية مشروطة بلون الدم وجغرافيا الهوية وتوازن القوى؛ أو كما عبر عنها المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد؛ إنسانية انتقائية تعري شعارات التنوير والحرية الغربية، باعتبار أن إطار اشتغالها محصور داخل المعسكر الغربي، بينما يَستثني منها الشعوب المستعمرة.
كما أن الضمير الغربي بدأ يخرج من أَسر السردية التوراتية التي غذته لعقود؛ فمنذ الحرب العالمية الثانية، رُسمت في الغرب معادلة أخلاقية تقول إن اليهود هم الضحية المطلقة، وإن أي نقد لإسرائيل هو إنكار للمحرقة وعداء للسامية. لكن مشاهد غزة نسفت هذه المعادلة من جذورها؛ فحين ترى الضحية تمارس دور الجلاد، لا يعود التاريخ قابلا للاستعمال كسلاح.
لم يكن الفلسطيني بحاجة إلى نظريات ليثبت ذلك؛ فقد فعله بدمه. حين وقف العالم مترددا أمام مشاهد الإبادة، أدرك الكثير أن منظومة القيم التي بنيت عليها الحضارة الغربية ليست سوى واجهة زجاجية تخفي ماكينة القهر القديمة ذاتها.
لقد أعاد السابع من أكتوبر/تشرين الأول تعريف المفردات الكبرى: المقاومة، الإرهاب، الاستعمار، الحرية، الديمقراطية، حقوق الإنسان، القانون، السياسة، الأخلاق، والإنسان نفسه. وأعاد السؤال إلى جذره الأول: ما معنى أن تكون إنسانا في عالم لا يرى فيك إلا أداة أو تهديدا؟
ما بعد الخداع الحضاريلقد فرض السابع من أكتوبر/تشرين الأول على العالم أن يرى نفسه من جديد، وأن يواجه السؤال الذي تهرب منه قرنا كاملا؛ هل يمكن بناء حضارة بلا ضمير؟
وهو سؤال يقودنا إلى محاكمة الحداثة ذاتها؛ فالإنسان الغربي الذي بنى حضارته على فكرة العقلانية والحرية اكتشف أنه يعيش داخل بنية "العقل الأداتي"؛ كما عبرت عنه المدرسة النقدية (فرانكفورت)، ذلك النمط من التفكير الذي يلفق حلولا مباشرة للمشاكل دون تساؤل عن مضمون هذه الحلول وغاياتها، وما إذا كانت إنسانية أو معادية للإنسان، إنها بتعبير طه عبدالرحمن آفة اللاعقلانية واللاأخلاقية التي تلبّست العقل الغربي، الذي ينتج الأدوات لا المعاني، ويقيس كل شيء بالمنفعة بمعزل عن القيمة.
لقد فضح السابع من أكتوبر/تشرين الأول مفارقة الحداثة الكبرى؛ أنها بلغت أقصى درجات العلم وأدنى درجات الحكمة، فالحضارة التي تستثمر بالذكاء الاصطناعي وتفقد قدرتها على حماية الإنسان الحقيقي لا مبرر لوجودها، والحضارة التي تمتلك كل أدوات التقنية، لكنها تفقد بوصلتها الأخلاقية هي شكل آخر من البربرية والنازية.
لذلك لم يكن غريبا أن تتحول القيم إلى شعارات وأن تختزل الإنسانية في خطاب دبلوماسي فارغ. فالحداثة التي ادعت تحرير الإنسان من الأسطورة خلقت أسطورتها الخاصة؛ أسطورة التقدم الذي يبرر كل شيء، والنتيجة أن العالم صار يملك قدرة غير مسبوقة على التدمير، لكنه فقد القدرة على الإحساس بالذنب.
إعلانوبهذا المعنى فقد بدا واضحا أن أزمة الغرب ليست سياسية ولا اقتصادية، بل أزمة روحية؛ فقد فيها الغرب علاقته بالإنسان بوصفه كائنا تدور حوله الغايات، لا بوصفه وظيفة أو أداة مسخّرة لخدمة مصالح من يمتلك القوة.
ومع هذا الانكشاف، بدأت مرحلة ما بعد الخداع الحضاري؛ لم يعد أحد يثق في حياد القيم التي بنى عليها الغرب حضارته، ولم يعد أحد يثق في نزاهة المنظومة الدولية وأدواتها المتحكمة بالعالم الحديث، بل أصبحت جدوى وجود "النظام الليبرالي العالمي" ذاته موضع تساؤل.
العالم صار أكثر وعيا، نعم، لكنه أيضا أكثر وحشية؛ لأن سقوط القناع لا يعني بالضرورة صحوة الضمير، بل أحيانا انكشاف الغريزة. ومن هنا تأتي خطورة المرحلة المقبلة؛ أن ما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول قد يكون بداية انقسام كوني جديد، لا بين الشرق والغرب فقط، بل بين الإنسان وصورته عن نفسه.
درس من فلسطينحين نقرأ التاريخ من جديد بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، ندرك أن هذا الحدث لم يكن خروجا عن المسار، بل عودة إلى جوهر الصراع الإنساني الأزلي بين الحق والباطل، وبين الحرية والهيمنة، فالفلسطيني علمنا – من تحت الركام – درسا في الكرامة لم تدرّسه أرقى الجامعات؛ علمنا أن الضعف لا يعني الاستسلام، وأن المقاومة ليست فعلا عسكريا فقط، بل فعلا وجوديا ضد العدم، وأن من يملك الإرادة ويتسلح بقضية عادلة لا يهزم، حتى لو خسر كل شيء.
ربما لهذا تبدو فلسطين اليوم كمسرح رمزي للصراع بين إنسان يعيش المعنى في كفاحه اليومي، وإنسان يختبئ خلف تقنيته ليبرر غيابه الأخلاقي. الأول يقاتل لأنه لا يملك إلا أن يكون صادقا مع ذاته، والثاني يقاتل لأنه لا يحتمل أن يرى المرآة. الطوفان بهذا المعنى ليس معركة على الأرض فقط، بل معركة على الحقيقة ذاتها؛ وعلى الحق في تعريف الإنسان.
لقد صار واضحا أن فلسطين ليست مجرد قضيةٍ إنسانية أو ملفٍ سياسي، بل البؤرة التي تتقاطع عندها الأسئلة الوجودية الكبرى؛ سؤال العدالة، سؤال الحقيقة، سؤال الإنسان. من هذه الزاوية، يمكن القول إن طوفان الأقصى لم يغير العالم لأنه انتصر عسكريا، بل لأنه جعل العالم يرى نفسه كما هو: بلا زينة، بلا أقنعة، بلا أوهام.
ويبقى السؤال: كيف يرى العالم العربي والإسلامي نفسه بعد السابع أكتوبر/تشرين الأول ؟ تلك قصة أخرى ورواية يجب أن تحكى.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة نت على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: غوث حريات دراسات على الخوف لم یعد لم تعد لم یکن ما بعد
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.