التوظيف بين مطرقة الولاءات وسندان الكفاءة
تاريخ النشر: 27th, October 2025 GMT
في إحدى الاجتماعات، دار النقاش حول التوظيف وآلية اختيار الموظفين. قال أحد المديرين بثقة:”تسعون بالمئة من موظفي الشركة تم توظيفهم من خلالي”، متجاوزًا بذلك إدارة الموارد البشرية، التي وصفها بأنها “مُعطِّلة وتعوق سير العمل”. كان المشهد كاشفًا لحقيقةٍ تتكرر في كثير من المؤسسات؛ إذ يرى بعض المديرين أن الكفاءة والقرار الفعلي بيدهم وحدهم، بينما تُعامل إدارة الموارد البشرية كعقبة بيروقراطية لا كشريك إستراتيجي في بناء الفرق.
ولا شكّ أن القرار النهائي في التوظيف هو من صلاحيات المدير العام، لكن هل يعني ذلك إلغاء دور الموارد البشرية المتخصّصة في تقييم الكفاءات وضمان العدالة والالتزام بالأنظمة؟ أين يقف الحد بين الصلاحية الإدارية والاختصاص المهني؟ وهل يمكن للمؤسسة أن تنجح حين تُختزل معايير الاختيار في أهواء الأشخاص لا في معايير الكفاءة؟
في عالم المؤسسات الحديثة، يبدو أنّ معركة التوظيف لم تعد مجرّد بحثٍ عن كفاءات بقدر ما أصبحت ساحةً خفيّة لصراع النفوذ. فحين يقرّر المدير العام أن يفرض مرشّحًا بعينه، متجاوزًا المعايير والإجراءات، تتكشّف مواجهةٌ حادّة بين منطق السلطة ومنطق الحوكمة. هنا يطلّ دور مدير الموارد البشرية بوصفه “حارس البوابة” الذي يتولّى حماية معايير الجدارة والشفافية، فيواجه ضغوطًا متزايدة من قيادات ترى أن الصلاحية التنفيذية تمنحها الحق في التعيين المباشر بعيدًا عن المسار المؤسسي المنظّم.
مدير الموارد البشرية ليس موظفًا بيروقراطيًا يعوق سير العمل، بل هو صمام أمان، يضمن استقطاب الكفاءات وحماية المؤسسة من مخاطر التوظيف العشوائي. فهو يضع المعايير الدقيقة، ويشرف على استكمال الإجراءات القانونية، ويتأكد من أنّ كل مرشّح اجتاز اختبارات القدرات والخبرة. هذا الدور ليس ترفًا تنظيميًا، بل ضرورة تحمي سمعة المؤسسة وتكفل لها الاستمرار في بيئة تنافسية قاسية. لكن، في المقابل، يقف المدير العام أو مدير القسم التنفيذي؛ باعتباره صاحب الرؤية التشغيلية الذي يعرف احتياجات فريقه اليومية، ويرى نفسه الأقدر على اختيار الشخص المناسب، بل ويعتبر أنّ نجاح العمل يمنحه سلطة القرار النهائي. في الأصل، هذا التوازن بين المعرفة التشغيلية والخبرة الإدارية مطلوب، غير أنّ الخلل يبدأ عندما تتغلب نزعة الهيمنة على صوت العقل.
تتفاقم المشكلة حين يتحول التعيين إلى وسيلة لترسيخ الولاءات الشخصية. بعض المديرين يتعاملون مع سلطة التوظيف؛ باعتبارها حصنًا يحمي موقعهم، فيسعون إلى تطعيم فرقهم بأصدقاء أو مقرّبين يضمنون ولاءهم المطلق. هذه الممارسات تبدو للوهلة الأولى خطوة لتعزيز الاستقرار الداخلي، لكنها في حقيقتها قنبلة موقوتة؛ إذ تؤدي إلى إحباط الموظفين الأكفاء الذين يرون الجهد والمعايير يتهاويان أمام المجاملة، وتزرع شعورًا بعدم العدالة يفتك بروح الفريق ويقوّض الثقة في المنظومة كلها. والأسوأ أنّ مثل هذه التعيينات قد تجرّ المؤسسة إلى مشكلات قانونية ودعاوى تتعلق بالتمييز، أو خرق أنظمة العمل، فضلًا عن الضرر الذي يلحق بسمعتها في سوقٍ يراقب أدق التفاصيل.
إنّ العلاقة بين المدير العام ومدير الموارد البشرية يجب أن تقوم على شراكة لا على صراع. فنجاح المؤسسة لا يتحقق بفرض طرفٍ إرادته على الآخر، بل بالتكامل بين رؤية تشغيلية تحدد الاحتياجات، وخبرة إدارية تضمن النزاهة والالتزام باللوائح. يمكن لهذه الشراكة أن تتجسد في لجان مقابلات مشتركة، أو آليات تحقق مزدوجة تمنح القرار النهائي شفافية ووزنًا مؤسسيًا يقي من المحاباة. وعندما يدرك كل طرف أن سلطته ليست مطلقة، بل محكومة بنظام يعلو على الأفراد، تصبح عملية التوظيف نقطة قوة لا ساحة صراع.
لكن الواقع يكشف أنّ بعض القيادات ما زالت تعتبر الالتزام بهذه الآليات مجرّد إبطاء لخططها أو تشكيكًا في حكمها، فيندفعون إلى التعيين المباشر بحجة الحاجة العاجلة أو الثقة المطلقة في قدرات المرشّح. غير أنّ هذه السرعة المتهوّرة لا تحمي المؤسسة من أخطاء التقدير، بل تعرّضها لفوضى لاحقة قد تكلّفها أضعاف الوقت الذي اعتقدت أنّها وفّرته. إنّ بناء فرق العمل ليس مسألة ولاء شخصي، بل مشروع إستراتيجي، يضمن بقاء المؤسسة وتطورها على المدى الطويل.
المصدر
المصدر: صحيفة البلاد
كلمات دلالية: بدر الشيباني الموارد البشریة المدیر العام
إقرأ أيضاً:
الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
منذ أكثر من 10 سنوات، عندما اندفعت عربة مدرعة أوكرانية لتحطم حاجزا نصبه "الانفصاليون" الموالون لـ روسيا في مدينة ماريوبول، تحول الضابط الشاب ميخايلو دراباتي إلى أحد رموز المقاومة الأوكرانية.
واليوم يعود الرجل نفسه إلى الواجهة، لكن في ظرف أكثر تعقيدا، بعدما اختاره الرئيس فولوديمير زيلينسكي قائدا أعلى للقوات المسلحة خلفا للجنرال أوليكسندر سيرسكي، في خطوة لا تعكس مجرد تغيير للأشخاص بقدر ما تمثل تحولا في فلسفة إدارة الحرب التي تخوضها أوكرانيا ضد روسيا.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2عزلة القوة.. "الفراغ الأمريكي" يفاقم أزمة الشرعية الإسرائيليةlist 2 of 2الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟end of listويرى تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز ، وأعده الكاتب مارك سانتورا أن تعيين دراباتي يأتي في لحظة توصف بأنها من أكثر مراحل الحرب حساسية، إذ تتزامن مع انتقال عسكري وسياسي معقد، في وقت تواجه فيه أوكرانيا حرب استنزاف طويلة أصبحت التكنولوجيا، ولا سيما الطائرات المسيرة، العامل الأكثر حسما فيها.
ويشير سانتورا إلى أن القائد الجديد البالغ من العمر 43 عاما، ينتمي إلى جيل جديد من الضباط الأوكرانيين الذين نشأوا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ويؤمنون بأن مستقبل الحرب يعتمد على الابتكار والمرونة أكثر من اعتماده على أساليب القتال التقليدية.
ويوضح التقرير أن دراباتي يعد أحد أبرز مهندسي إستراتيجية "خط الطائرات المسيرة" التي تقوم على إنشاء نطاق قتالي متواصل خلف خطوط المواجهة يعتمد على الطائرات المسيرة الهجومية والاستطلاعية والأبراج الآلية، بدلا من الاكتفاء بخنادق ثابتة تتعرض باستمرار للهجمات الروسية.
وقد ساعد هذا الأسلوب -حسب الصحيفة- في إبطاء التقدم الروسي، ومنح القوات الأوكرانية فرصة لاستعادة زمام المبادرة في بعض الجبهات للمرة الأولى منذ سنوات.
غير أن التغيير العسكري لم يكن منفصلا عن أزمة سياسية داخلية، إذ يلفت سانتورا إلى أن قرار زيلينسكي بإقالة وزير الدفاع الإصلاحي ميخايلو فيدوروف، الذي كان يقود عملية تحديث الجيش وتوسيع استخدام الطائرات المسيرة والأنظمة الآلية، فجر احتجاجات في كييف ومدن أخرى، بعدما اعتبر كثير من العسكريين أن الرئيس انحاز في البداية إلى سيرسكي في خلافه مع الوزير حول مستقبل الحرب.
إعلانلكن اتساع الاحتجاجات، التي تحولت من المطالبة بإعادة فيدوروف إلى الدعوة لإقالة سيرسكي، دفع زيلينسكي في النهاية إلى تغيير القيادة العسكرية وتعيين دراباتي، المعروف بتأييده لرؤية فيدوروف القائمة على التكنولوجيا واللامركزية في اتخاذ القرار.
وترى صحيفة تايمز البريطانية -في تقرير لمراسلها مارك بينيتس- أن دراباتي لم يكتسب شهرته من مكتبه، وإنما من ساحات القتال.
ويستعيد بينيتس واقعة ماريوبول عام 2014، حين أمر دراباتي سائق المدرعة باقتحام الحاجز قائلا "انطلق بأقصى سرعة".
المهمة الجديدة للجنرال دراباتي تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة
بواسطة مارك سانتورا
قائد جريءوتحول تسجيل تلك العملية إلى رمز متداول على وسائل التواصل الاجتماعي بعد إعلان تعيينه قائدا للجيش، باعتباره يجسد صورة القائد الجريء الذي يفضل المبادرة والمخاطرة على التردد.
وتضيف الصحيفة أن دراباتي واصل بناء سمعته خلال الحرب الحالية، إذ شارك في وقف التقدم الروسي نحو مدينة كريفي ريه، مسقط رأس زيلينسكي، وأسهم في تحرير خيرسون، قبل أن يتولى "قيادة القوات البرية" عام 2024، حين أعلن مباشرة عزمه على تنفيذ إصلاحات واسعة لمحاربة الفساد داخل المؤسسة العسكرية.
ورغم استقالة دراباتي بعد أشهر قليلة إثر مقتل عشرات الجنود في مراكز تدريب نتيجة ضربات روسية، معلنا أن القادة يجب أن يتحملوا مسؤولية إخفاقاتهم، فقد أعاده زيلينسكي بعد يومين فقط لقيادة القوات المشتركة، في خطوة عكست استمرار الثقة في قدراته العسكرية.
مهمات جديدة معقدةغير أن المهمة الجديدة تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يقول تقرير نيويورك تايمز، إن دراباتي يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة، إضافة إلى حماية شبكة الطاقة الأوكرانية من الهجمات الشتوية، في وقت تتراجع فيه مخزونات الذخائر الخاصة بأنظمة الدفاع الجوي، فضلا عن ضرورة وقف التقدم الروسي البطيء في إقليم دونباس.
كما يواجه القائد الجديد تحديا سياسيا لا يقل صعوبة عن التحديات العسكرية، إذ سيكون مطالبا بالحفاظ على استقلالية القرار العسكري التي يدافع عنها الإصلاحيون، وفي الوقت نفسه التعامل مع ميل زيلينسكي إلى التدخل المباشر في إدارة العمليات الميدانية.
ويرى محللون -نقل عنهم كاتب التقرير مارك سانتورا- أن نجاح دراباتي لن يقاس فقط بما يحققه على الجبهات، وإنما أيضا بقدرته على إدارة هذه العلاقة الحساسة مع الرئاسة، ومنع تحول الخلافات السياسية إلى عبء إضافي على الجيش.
نهاية مرحلةفي المقابل، تقدم كارلوتا غال في صحيفة نيويورك تايمز قراءة موازية تركز على القائد المقال أوليكسندر سيرسكي، معتبرة أن إبعاده يمثل نهاية مرحلة كاملة في تاريخ الجيش الأوكراني.
وتقول غال إن سيرسكي كان أحد أبرز القادة الذين تصدوا للهجوم الروسي منذ الأيام الأولى للغزو عام 2022، وقاد معركة الدفاع عن كييف، ثم أشرف لاحقا على توسيع استخدام الطائرات المسيرة والروبوتات في ساحة القتال.
إعلانلكن الكاتبة ترى أن إنجازاته العسكرية لم تعد كافية لحمايته من الانتقادات المتزايدة، بعدما اتهمه كثير من الضباط باتباع أسلوب قيادة شديد المركزية، والإصرار على الاحتفاظ بمواقع عسكرية أصبحت غير قابلة للدفاع، وهو ما أدى -حسب منتقديه- إلى خسائر بشرية كبيرة.
صراع بين مدرستين
وتشير غال إلى أن الخلاف بين سيرسكي ووزير الدفاع السابق ميخايلو فيدوروف لم يكن مجرد نزاع شخصي، بل كان يعكس صراعا بين مدرستين مختلفتين في إدارة الحرب، الأولى تتمسك بقيادة تقليدية تعتمد على التسلسل الهرمي الصارم، والثانية تدعو إلى منح القادة الميدانيين حرية أكبر في اتخاذ القرار، وتسريع دمج التكنولوجيا والطائرات المسيرة والأنظمة الذكية في العمليات العسكرية.
وقد أدى هذا الصراع في النهاية إلى خروج الرجلين معا من المشهد، وإن كان تعيين دراباتي يوحي بأن رؤية فيدوروف الإصلاحية ما زالت تحظى بتأييد داخل دوائر صنع القرار.
وتضيف الصحيفة أن القائد الجديد يتبنى فلسفة تقوم على منح الوحدات المقاتلة صلاحيات أوسع للاستجابة السريعة لتغيرات الميدان، مع الاعتماد بصورة أكبر على البيانات الفورية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة.
أزمة الموارد البشريةويعتقد محللون أن هذه المقاربة قد ترفع كفاءة العمليات وتزيد من قدرة الجيش على مواجهة التفوق العددي الروسي، لكنها لن تكون كافية وحدها إذا لم تعالج أوكرانيا أزمة التجنيد المزمنة ونقص الموارد البشرية.
وتتفق صحيفة تايمز البريطانية مع هذا التقييم، لكنها تضيف بعدا سياسيا أوسع، إذ ترى أن تعيين دراباتي يمثل أيضا اختبارا للرئيس زيلينسكي نفسه، لأن الأزمة الأخيرة التي اندلعت عقب إقالة وزير الدفاع كشفت حجم التوتر داخل المؤسسة الحاكمة، وأظهرت أن الحرب لم تعد الساحة الوحيدة التي يواجه فيها الرئيس تحديات متزايدة.
وتنقل الصحيفة عن المحلل السياسي فولوديمير فيسينكو قوله إن ما جرى أبرز مرة أخرى أن السياسة الداخلية أصبحت نقطة الضعف الرئيسية في رئاسة زيلينسكي، وهو أمر قد ينعكس على مستقبله السياسي عندما تسمح الظروف بإجراء الانتخابات الرئاسية المؤجلة بسبب الحرب.