لجريدة عمان:
2026-06-03@07:59:06 GMT

قراءة في تقرير جهاز الرقابة المالية والإدارية

تاريخ النشر: 29th, October 2025 GMT

يأتي تقرير جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة لعام (2024) تنفيذًا لمتطلبات القوانين واتباعًا لنهج الشفافية التي يمارسها الجهاز بتوضيح نتائج أعماله وإحكام رقابته على المال العام. كما أن إصدار التقارير التي يعدها الجهاز بشكل سنوي، يعتبر نهجًا متوافقًا مع معايير هيئات المراجعة، ومنها المنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة.

نسخة المجتمع من تقرير الجهاز التي صدرت حديثًا، حملت في طياتها جملة من الملاحظات والمخالفات والقيمة المالية المضافة التي استطاع الجهاز تحقيقها عن طريق متابعة استرداد أو تحصيل المستحقات المالية للدولة طرف الجهات الأخرى. بعد صدور التقرير، تفاعل جهاز الرقابة بشكل متميز مع المجتمع من خلال شرح وتوضيح ما قد يكون فيه لبس من الملاحظات والمخالفات بتنفيذ العديد من اللقاءات عبر وسائل الإعلام المختلفة التي لاقت استحسان أغلب أفراد المجتمع.

كما أن تقارير الجهاز أصبحت محط أنظار جميع الوحدات الحكومية والهيئات والشركات الحكومية والتي بمجرد ذكر اسمها والمخالفات المنسوبة إليها فهذا يعطي تقييمًا لمدى كفاءة العاملين بها بمختلف مسمياتهم ومناصبهم الحكومية.

لنأخذ أمثلة للمهام الرقابية المتعلقة بالوحدات الحكومية: هناك ملاحظات تتعلق بنظم المعلومات والتي من خلالها يتضح الضعف في آليات الاحتفاظ بالنسخ الاحتياطية للبيانات، وفي أنظمة رصد الهجمات الخارجية، مع عدم تحديد درجة الصلاحيات للشركات المنفذة للعقود التي تخص تقنية وأنظمة المعلومات.

على سبيل المثال، هناك مخالفات تقنية تتعلق بجهاز الضرائب ومنظومة إجادة التي تشرف عليها وزارة العمل؛ مثل هذه الملاحظات كان ينبغي التحوط لها منذ سنوات في ظل تسارع وتيرة التحول الرقمي. عليه، فإن الأمر يستدعي من الجهات الحكومية المشرفة على قطاع تقنية المعلومات، العمل على تحديث السياسات وأدلة العمل لتكون البرامج والتطبيقات الإلكترونية على أعلى معايير السلامة المعلوماتية للتصدي لأية اختراقات إلكترونية قد تؤثر على بيئة العمل والخدمات التي تقدم للمستفيدين بشكل منتظم ودون فقدان للمعلومات والبيانات.

الأمر الذي شدني في تقرير الجهاز، هو التغيير في بعض المهام الرقابية؛ حيث تحولت المهام من مراجعة الجوانب المتعلقة بتطبيق الأنظمة والقوانين، إلى ملاحظات تتعلق بتقييم الأداء في الوحدات الحكومية مع تغليب المصلحة العامة للمواطنين، وإن نتج من تلك الملاحظات الحاجة إلى المزيد من الموارد المالية والبشرية بالوحدات الحكومية.

من أمثلة تلك المهام الرقابية المتعلقة بتقييم كفاء إجراءات دائرة العلاج بالخارج التي تكشفت عن عدم كفاية مخصصات نفقات الإقامة اليومية للمرضى، وأيضا عدم تناسب موظفي الدائرة والحالات المستلمة. مثل تلك المهام المتعلقة برقابة الأداء من شأنها تعزيز الجودة في تقديم الخدمات الحكومية للمواطنين، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالجوانب الصحية التي لا تحتمل التأخير.

وبالتالي، من الممكن القول بشكل عام، بأن تقارير الجهاز أصبحت مرجعية محايدة لتحديد العجز أو النقص من الموارد البشرية التي تحتاجها الوحدات الحكومية لتأدية أعمالها بكفاءة عالية.

حسب المهام الرقابية التي قام بها الجهاز يظهر بأن مسألة تحصيل الأموال العامة ما زالت تمثل تحديًا لدى الوحدات الحكومية، وأيضا الهيئات والشركات الحكومية؛ حيث إن بعض الجهات أو الشركات تعاني من التأخير في تسديد القروض الحكومية لسنوات طويلة.

على سبيل المثال: ما نتج من مراجعة مجموعة أوكيو والقرض المستحق الذي لم يتم تسديده لمدة تصل إلى 9 سنوات، وأيضا مستحقات للحكومة عبارة عن ضرائب لبعض الخاضعين للضريبة تعود لسنوات لم يتم تحصيلها.

هذه الملاحظات تظهر الحاجة لأنظمة متابعة ذات كفاءة تعمل على تتبع تحصيل الأموال العامة في الأوقات المحددة لها. وبالتالي من الممكن تصنيف التأخير في تحصيل الأموال لمدد طويلة دون مانع قانوني بأنه نوع من الإهمال في تنفيذ الأعمال المسندة للموظفين أو التقسيمات الإدارية، مع التطلع بأن يُسهم قانون تحصيل المستحقات الحكومية الذي صدر هذا العام في تسريع تحصيل تلك الأموال العامة بكفاءة أفضل.

من خلال قراءة وتحليل مجمل ملاحظات الجهاز الرقابية فإن بعضها كان من الممكن تداركها ومنع حدوثها ومنها، على سبيل المثال لا الحصر، عدم توريد الإيرادات نظير تأجير الجمعيات التعاونية بالمدارس لوزارة المالية بمبلغ يصل إلى (665) ألف ريال، عدم وجود مؤيدات الصرف المالية، ونقل الأدوية من المخازن الفرعية ببعض المحافظات إلى المؤسسات الصحية بوسائل غير متوافقة مع المعايير المطلوبة، وإسناد عقود بمبلغ (200) مليون دولار لمقاولين محليين باستخدام عملة غير الريال عماني، الواردة ضمن ملاحظات شركة تنمية نفط عمان، وما نتج من تقييم الأداء لدائرة الاعتراف ومعادلة المؤهلات للشهادات الصادرة من الخارج، من طول الفترة الزمنية للمصادقة والمعادلة؛ تلك الأمثلة وغيرها، قد توحي بقلة التطوير والتحسين في بيئة العمل.

فضلًا عن ذلك، هناك حاجة إلى تقييم مدى فاعلية الأنظمة والاختصاصات التي تقوم بها دوائر التدقيق الداخلي في الوحدات الحكومية. تلك الدوائر تقوم بأدوار جديرة بالاهتمام من حيث التأكد من تطبيق اللوائح والقوانين النافذة. ولكن في الجانب الآخر فإن تلك الدوائر، ومنها أصبحت مديريات عامة، ظلت لسنوات طويلة تعاني من التبعية المباشرة لرئيس الوحدة.

تلك التبعية أضعفت أعمال رقابتها الفاعلة على سير العمل في الوحدات التي تختص بمراجعتها. ولعل هناك تطويرًا في هذا الجانب وهو ما قامت به المدينة الطبية الجامعية من إحداث تغيير هيكلي بدائرة التدقيق الداخلي وإلحاق تبعيتها المباشرة بمجلس إدارة المدينة الطبية.

وبالتالي، نعتقد بأنه قد حان الوقت في ظل استمرار وتيرة المخالفات والملاحظات بالوحدات الحكومية من إحداث نقلة نوعية في اختصاصات دوائر التدقيق الداخلي بشكل يمنحها الصلاحيات ويقلل من تبعيتها لرؤساء الوحدات، مع ضرورة تأهيل العاملين بتلك الدوائر تأهيلا مهنيا.

ونظر لجسامة بعض المخالفات المتعلقة بأنظمة التعاقد والمشتريات قام الجهاز بإحالة بعض العاملين بالشركات الحكومية للادعاء العام للتحقيق معهم في المخالفات التي شابت الوحدات التي يعملون بها.

على سبيل المثال، المخالفات الجسيمة عند فحص عقد إدارة المرافق المتكاملة في شركة تنمية نفط عمان، وأيضا المخالفات الناتجة عن فحص الشركة الوطنية للصناعة الدوائية؛ تلك المخالفات تمثلت في الأخطاء الجسيمة ومنها تجاوزات من قبل الإدارة التنفيذية واستغلال الوظيفة لتحقيق منافع شخصية، والتزوير في المستندات.

أيضا فإن بعضًا من المخالفات تحتمل عدم وضوح الصلاحيات لكبار المسؤولين التنفيذيين وآليات التعاقد والشراء والتفويضات المالية. وقد تكون المخالفات المالية والإدارية لشركة خط أسياد المتمثلة في شراء سفينة مستعملة وصرف مبالغ لصيانتها في غير التوقيت الزمني في مفاوضات الشراء، دليلا على ذلك.

من الجوانب المهمة التي تكشفت في تقرير الجهاز ضعف تطبيق مبادئ الحوكمة والرقابة الداخلية وأيضا العمل دون وجود خطط استراتيجية وعدم متابعة تلك الخطط عن طريق مؤشرات الأداء السنوية، حسب ما تم ضبطه في فحص ومراجعة مؤسسة خدمة الأمن والسلامة حيث لم تقم المؤسسة بعمل أية مؤشرات لقياس الأداء لمدة تزيد على (34) عاما.

أعتقد بأننا لسنا بحاجة إلى تعيين مسؤول حكومي يعمل بالذكاء الاصطناعي كما حدث في ألبانيا ليكون له دور أساسي في إحكام قوانين المناقصات، والعقود، والعمل، والحد من حالات التجاوزات المالية واستغلال المنافع الخاصة؛ لأن اتباع نهجنا وقيمنا الإسلامية هو الروبوت الذي يتوقد في ضمير كل موظف أو مسؤول حكومي بأن يؤدي دوره بأمانة ونزاهة متجنبًا استغلال الأموال العامة.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الوحدات الحکومیة على سبیل المثال الأموال العامة

إقرأ أيضاً:

من النول إلى الخشبة: قراءة في العرض الهندي رقصة النسيج

أتاح لي مهرجان بغداد الدولي للمسرح في دورته السادسة، ومهرجان الدّن الدولي في دورته الخامسة 2025م فرصة مشاهدة العرض الهندي (نيثي- رقصة النسيج)، الذي يُعدُّ حسب مخرجة العمل ومصممة رقصاته وممثلته Rima Kallaingal (ريما كلينغال) مشروعًا يتصل بقضية تمكين المرأة اجتماعيا واقتصاديا في المجتمع المحلي في ولاية كيرالا، حيث يقف وراء العمل حادثة الفيضانات التي أغرقت الولاية في عام 2018م، ما أدّى إلى تضرر الحرفيين والنسيج والأدوات اليدوية التي تدخل في صناعته.

منذ اللحظات الأولى لمشاهدتي العرض، لم أخفِ إعجابي به، وظللت منشغلة بالتفكير في فكرته وبنيته الجمالية، ورشاقة أجساد الراقصين، وتساءلت هل هناك مشروع ثقافيّ يقف وراء هذا الجهد؟ ما الرسالة التي يود العمل قولها؟ وما القضية التي يريد لفت أنظار المتفرجين في العالم كله إليها؟

حتما كان هناك فريق من الفنانين الذين تعاونوا في إنجاز هذا العرض، وعلى رأسهم المخرجة نفسها، فهي إلى جانب احتراف التمثيل، تعمل منتجة أفلام، ومسؤولة أكاديمية (مامانغام) لتعليم الرقص المعاصر، وهي نقطة تؤشر على قدرة امتلاك الجسد المسرحي عناصر استمراره، ودلالة على أهميّة أن يمتلك الفنان والمؤدي مشروعًا فنيًا جماليًا يعمل على تنميته واستدامته.

ما الذي شدّني إلى رقصة النسيج؟

استقى العرض عناصره من منظور الرقص المعاصر أو الكوريغرافيا (فن تصميم الحركة والرقص) أدى هذا إلى تغييب اللغة واستخدام الحوار بنسب ضئيلة واضحة. إن الدرامية في المسرح الراقص المعاصر تتشكّل تعبيريًا بالأداء الجسدي، والإيماء، والموسيقى، تضافرت العناصر جميعها مع أصوات النول الطبيعية والمطر (الماء) وإيقاع أقدام المؤدين، فنجح العرض في أن يجمع من حوله الجمهور دون أي عناء.

كما لا أخفي إعجابي الشخصي بالعروض المسرحية التي تستند إلى المجاميع الكبيرة، فالعرض يعدّ فرصة جيدة لتعميق الأفكار المسرحية حول هذا الاشتغال؛ حيث الطقوس والرموز العميقة التي تقترن بالمسرح في حضارة الشرق (الصين والهند)، فلا يقدم العرض طقسا هنديا تقليديا يقوم على الرقص والإنشاد والإيماء أو تناول تصورات دينية وفلسفية معينة كما هو الحال في الدراما الهندية الكلاسيكية، لكنّه يوسع دائرة الانشقاق عن تقاليد المسرح الغربي ويمنح فضاء الكوريغرافيا- كما يذكر المعجم المسرحي- "كفن تصميم الرقص في العرض الفني والعرض المسرحي مجالا إبداعيا هامًا مع تداخل الفنون [...] يتشكّل البعد الكوريغرافي للعرض المسرحي عبر العلامات الحركية التي تنتج عن تنوعات شكل الأداء وعن حركة الجسد على الخشبة ووضعه في الفضاء المسرحي، وعن التجانس أو التعارض بين الكلام والحركة"، وقد تجلّت هذه السمات بوضوح في رقصة النسيج؛ إذ مزج العرض بين الكوريغرافيا والفيلم الوثائقي والموسيقى الحية، مستعيضًا عن البناء الحكائي التقليدي بسلسلة من اللوحات الأدائية المستمدة من مراحل صناعة النسيج اليدوي.

قدم لنا العرض رقصا يستند إلى الرقص الحديث، فغاب كما يذكر ضياء الشرقاوي (المسرح الهندي المعاصر) الأداء التقليدي المعروف من إظهار تفاصيل تركز على "الملابس والمناظر إلى حركات الرقبة والحواجب، ومختلف أوضاع الجسم في الرقصات المختلفة".

السؤال الذي يطرح نفسه بحسب باتريس بافيس: كيف انتقل النقاش بعد مشاهدة رقصة النسيج من مساءلة الحكاية والتخييل والشخصيات والطابع المحاكاتي للعرض، إلى الكيفية التي خُلق، ورُكب، ورُتب فيها العرض؟

لا يبدو هذا التحول بعيدًا عن جماليات مسرح ما بعد الدراما؛ فالعرض لا يقدّم شخصيات فردية تخوض صراعًا دراميًا متدرجًا، ولا يعتمد حبكة تنمو وفق منطق السبب والنتيجة، بل يبني معناه من تتابع اللوحات الحركية والإيقاعات الجسدية والصور البصرية. لذلك ينصرف انتباه المتفرج من سؤال: ماذا سيحدث لاحقًا؟ إلى سؤال آخر أكثر اتصالًا ببنية العرض: كيف يُنتج الجسد المعنى؟ وكيف تتجاور الحركة والموسيقى والصورة الوثائقية لتشكيل التجربة المسرحية؟

إن إجابة السؤال السابق تكمن في موضعين، الأول ينبغي لفت الانتباه إلى أن التطور في العروض المسرحية المعاصرة نقلا عن (محمد سيف: قراءات في المشهد المسرحي المغربي) تحت ما يسمى بمسرح ما بعد الدراما، تستأنس إجمالاً بإدخال جماليات أخرى كالسينما، والرقص، والسيرك، والفنون التشكيلية، والتقنيات الجديدة [...] من خلال دمج التصورات السينمائية الخاصة، لتغذية أشكال جديدة بواسطة الوسائل المسرحية التقليدية مثل تأثير المونتاج وتأطير الحدث والتركيز على مقاطع معينة أو توسيع مجال الرؤية واعتماد اللقطات القريبة والمتوسطة والبعيدة البانورامية". والموضع الثاني يتمثّل في انطلاق فكرة العرض من حادثة واقعية جرت أحداثها في قرية "شيندامنغالام" في ولاية كيرالا، ولا مجال فيها للتخييل.

تنهض خلفية العرض على كارثة الفيضان الذي دمر البيوت وأغرق الحياة بالماء، وعمال النسيج اليدوي الذين فقدوا حرفتهم. أما في العمق هناك هيمنة الآلة والمصانع الجاهزة وتعطيل حياة الأسر المنتجة، ينقلنا هذا إلى مساحة أكبر لتوسيع دائرة الحدث المسرحي، فيما تناوله الباحث أرسلان درويش في ورقته المعنونة بـ(مسرحية رقصة النسيج- الهوية الهندية والجسد المعاصر في نول الهُجنة) ضمن إشارات ثقافيّة ناقدة يطرحها حول اشتغال الجسد في فضاءات مختلفة للتعبير عن التاريخ، والثقافة، والهوية، وكأداة للتفاوض مع السلطة، كذلك إشارته بسؤال الاستفهام الاستنكاري الذي طرحته الناقدة الهندية غاياتري سبيفاك: هل يستطيع التابع أن يتكلم؟

تبدأ رحلة القماش بمرحلة تشافيتو Chavittu) بمعنى الوطء، أو الدُوس، وهي أقدم مراحل إعداد النسيج اليدوي وأكثرها التصاقًا بالحسّ الجسدي، حيث يطأ الحرفيون حزم الخيوط المبللة بأقدامهم الحافيّة في حركة إيقاعية تساعد على توزيع المادة وتقوية الألياف وتليينها بالتساوي. يتبع التشافيتو مرحلة صباغة القماش واكتسابه ألوانًا جديدة فيما يعرف بالتحوّل، يليها مرحلة الغسل فالتجفيف والصبر في انتظار أن تجف الخيوط التي جرى توزيعها في الولاية عبر الساحات متلألئة تحت الشمس، فالمرحلة الخامسة الخاصة بمدّ الخيوط في الشوارع، بعدها يبدأ عمل عجلة الشّركا أو اللف، للوصول إلى المرحلة الأخيرة ممثلة في النسج حيث تحاكي الكوريغرافيا بنية النول في أداء منضبط دقيق.

الناظر إلى تقاليد الثقافة الهندية الكلاسيكية في رقصة النسيج، يشاهدها حاضرة بوضوح في إيقاعات المؤدين، والأزياء التقليدية التي تشير إلى سمات الشخصيات وأوضاعها الاجتماعية، ولا ننسى هنا، صوت الماء المتداخل مع آلة اللف، فجميعها خلقت سينوغرافيا رمزية وجمالية آسرة لفضاء الخشبة، إضافة إلى الدمج بين الرقص والسينما الوثائقية، عندما افتتح العرض بلقطات حقيقية للفيضانات التي دمرت الولاية، وأقدام الحرفيين وحركة الخشب مع إيقاعات الموسيقى الهندية التقليدية، لكن بأسلوب معاصر.

إن الفعل الدرامي الحاصل في رقصة النسيج، شكّل من التغذية المتداخلة للفنون (مسرح، وسينما وثائقية، وموسيقى، وكوريغرافيا) تعمل مجتمعة على التعبير الجسدي لتقديم رؤية بصرية فوق الخشبة للتعبير عن وحدة في الزمان والمكان، فاللوحات السبع نسجت حكاية المسرحية، في خط تتابعي لم يقصِ التراتبية لكنه طورها في أداءات رشيقة وأنيقة.

إذا كنا لا نستطيع الفصل بين اللوحات، فبإمكاننا على سبيل التمثيل الإشارة إلى اللوحة الرابعة، حينما تُترك الخيوط لتجف فيكون وضعها على الحبل أشكال عدة للنساء العاملات، خاصة وهي في بيتها أو في ساحات مدّ الخيوط فنشاهد وضعيات لعُقد المرأة أو ما يشبه طوق الورد الذي يرتديه الرجال والنساء حول الرقبة في الثقافة الهندية العريقة (الجارلاند) (Garland) أو "المالا" (Mala)، ويحمل دلالات عميقة اجتماعية وروحانية ذات أبعاد رمزية غائرة في المعتقد الهندوسي. أما اللوحة السابعة، حيث يلتقي السدى واللحمة؛ الخيوط الطولية والعرضية متشابكة لتصنع النمط والشكل الذي ينتهي إلى وَحدة القماش كله ثوب الساري (Saree / Sari) الهندي التقليدي، نشاهده يملأ فضاء خشبة المسرح. وبهذه النهاية يكتمل العرض، الذي ابتدأ بالممثلات يرتدين الثوب التقليدي ليبدأن في رقصة النسيج، يتخففن من الساري وينطلقن في العمل ثم يعدن إلى ارتدائه ليحققن جمالية استثنائية للخشبة، في عرض أوصل رسالته بالأداء الراقص في سهولة ويسر.

لعل ما يمنح "رقصة النسيج" فرادتها أنها لا تكتفي بتحويل حرفة يدوية إلى موضوع مسرحي، بل تجعل من الجسد نفسه نولًا حيًا تنسج عبره الذاكرة والهوية والعمل الجماعي. وهكذا يغادر المتفرج العرض وهو لا يتذكر حكاية الفيضان فحسب، بل يتأمل أيضًا قدرة الفن على إعادة ترميم ما تهدمه الكوارث، وتحويل الألم الإنساني إلى لغة بصرية تتجاوز الحدود والثقافات.

مقالات مشابهة

  • رئيس جهاز العاشر من رمضان يقود حملة لمواجهة التعدي على المساحات المفتوحة
  • رحاب طه مشرفًا على قطاع التمويل غيرالمصرفي بـ الرقابة المالية
  • جوفمان يتولى قيادة الموساد.. ونتنياهو يؤكد مواصلة مواجهة إيران
  • أبل تطور ميزة جديدة لحماية آيفون من السرقة والخطف السريع
  • إنفوجرافيك | لماذا الغدير؟  قراءة في أبعاد الاحتفاء بيوم الولاية ودلالاته في الوعي الإيماني اليمني
  • من النول إلى الخشبة: قراءة في العرض الهندي رقصة النسيج
  • أجهزة المدن الجديدة تنفذ حملات مكبرة لإزالة المخالفات والتعديات والإشغالات
  • تفاصيل أزمة جهاز ريبيرو وحقيقة العقوبات الجديدة.. مصدر في الأهلي يكشف
  • مكافحة الجرائم المالية: محطات وقود متورطة في افتعال أزمة المحروقات بطرابلس
  • «الرقابة المالية» تقرر تخفيض مقابل خدمات مصر المقاصة لمنصات وثائق الاستثمار العقاري