الجزيرة:
2026-06-03@03:40:23 GMT

ماذا سيحدث في تركيا بعد انسحاب العمال الكردستاني؟

تاريخ النشر: 30th, October 2025 GMT

ماذا سيحدث في تركيا بعد انسحاب العمال الكردستاني؟

أجرينا حوارا مطولا، يُمكن وصفه بالتفصيلي، مع مسؤول أمني رفيع المستوى تابع من كثب مجريات الأمور منذ البداية، وذلك قبل يوم واحد فقط من إعلان حزب العمال الكردستاني (PKK) انسحابه من تركيا. وقد كان الرجل يبدو مرتاحا، وسعيدا باستمرار مشروع "تركيا بلا إرهاب".

في الواقع، قد لا يدرك القرّاء خارج تركيا مدى أهمية وتأثير قرار حزب العمال الكردستاني بترك السلاح والانسحاب من تركيا، وهو التنظيم الذي أرهق البلاد لأكثر من أربعين عاما.

فإنهاء إرهاب تسبب في مقتل عشرات الآلاف من الأبرياء، ونزع السلاح من يد تنظيم دموي، وتهيئة مناخ للسلام، ليست أمورا سهلة في تركيا، خصوصا في مجتمع وطني حساس شهد آلاف القتلى على يد تنظيم لطالما وُصف بأنه "قاتل الأطفال".

صحيح أن الشعب التركي يدعم عملية السلام، لكنه لا يزال لا يثق بالتنظيم. أما من يجلس أمامي الآن، فهو الشخص الذي يدرك هذه الحقيقة أكثر من أي أحد، ويشعر بثقلها على كاهله بعد الرئيس رجب طيب أردوغان. ذلك أنه يدرك تماما أن فشل هذه المحاولة الثانية لإنهاء الإرهاب سيُحمَّل له شخصيا، كما أن إخفاقها سيُلحق ضررا بالغا بالبلاد، ولهذا يسير بحذر بالغ في إدارة هذا المسار.

ماذا يعني انسحاب حزب العمال الكردستاني من تركيا؟

في الحقيقة، حققت تركيا نجاحا مهما في مكافحة الإرهاب، بفضل تقدمها في مجالات التكنولوجيا والصناعات الدفاعية.

فمنذ خمس أو ست سنوات تقريبا، تلقى تنظيم PKK ضربات قاسية داخل تركيا، واضطر للتراجع إلى ما وراء الحدود العراقية، بل إنه عجز عن تنفيذ أي هجمات بفضل القواعد العسكرية التركية التي أُنشئت على عمق 30 إلى 50 كيلومترا داخل الأراضي العراقية.

ومع ذلك، فإن فصيلا من داخل التنظيم، في محاولة لإثبات أن PKK لا يزال قادرا على تنفيذ عمليات، استهدف منشأة دفاعية تابعة لشركة الصناعات الجوية والفضائية التركية (TUSAŞ) العام الماضي، ما أسفر عن مقتل خمسة أشخاص. وقد فُهم هذا الهجوم على أنه محاولة لتقويض عملية "تركيا بلا إرهاب"، لكنه لم يحقق مبتغاه.

التأكيد على زعامة أوجلان

ولتجنّب تكرار مثل هذه الأعمال الاستفزازية، أعلن التنظيم سحب ما تبقى له من عناصر مسلحة داخل تركيا بشكل كامل، في إشارة واضحة إلى التزامه بالعملية الجارية. وقد شدد على ذلك القيادي البارز في PKK، صبري أوك، خلال تلاوته البيان الصحفي.

إعلان

 في البيان الذي جاء في صفحة واحدة، أشار صبري أوك إلى زعامة عبدالله أوجلان ثماني مرات. ومغزى هذا التأكيد أن الجدل الذي كان قائما على الجانب السوري من التنظيم، وتحديدا في صفوف "وحدات حماية الشعب" (YPG)، قد ابتعد لفترة عن محور: PKK/ أوجلان، متجها نحو YPG ومظلوم عبدي.

أما الآن، فيأتي هذا البيان ليعيد التأكيد على أن الزعيم الفعلي للتنظيم لا يزال أوجلان، وأن الانسحاب من تركيا جرى بأمر مباشر منه، بل وأُعلن أيضا عن إخلاء بعض الكهوف التي كانت تُستخدم كمراكز في شمال العراق.

ويمكن اعتبار هذا الإعلان انعكاسا لشخصية أوجلان النرجسية، وحرصه على ألا يفقد السيطرة على التنظيم.

البيان تضمن أيضا دعوة البرلمان التركي إلى إجراء تعديلات قانونية، وهو أمر لافت، ويدل على حاجة فعلية أكثر من كونه مطلبا. فالمقاتلون الذين ألقوا السلاح ونزلوا من الجبال، بحاجة إلى إطار قانوني يحدد كيف وأين سيعيشون. بعضهم يحمل الجنسية التركية، لكن أبناءهم وعائلاتهم المولودين في مخيم "مخمور" بالعراق لا يحملون جنسية أي بلد. فماذا سيحلّ بهم؟
ما هو وضع من يسلم نفسه من عناصر التنظيم؟ وكيف ستُعالج أوضاع المعتقلين في السجون؟ كل هذه أسئلة تستوجب تنظيما قانونيا عاجلا.

ورغم أن البيان لم يتطرق إلى مصير عبدالله أوجلان المسجون في جزيرة إمرالي، فإن الغموض لا يزال يكتنف وضعه. هل سيتم الإفراج عنه؟ هل سيغادر الجزيرة؟
ما وصلنا من معلومات يشير إلى أنه سيبقى في إمرالي، ولكن مع تحسين ظروف اتصاله بالعالم الخارجي. أما الادعاءات حول مجيئه إلى أنقرة لممارسة العمل السياسي، فهي لا أساس لها من الصحة.

الاسم الذي يسمّم العملية في سوريا

أحد أبرز أسباب الشكوك التي تراود الشعب التركي تجاه عملية "تركيا بلا إرهاب"، هو استمرار الوجود المسلح لفرع PKK في سوريا، المتمثل في YPG. فالكثير من الناس يقولون: "ما فائدة انسحاب PKK من تركيا طالما أن YPG لا تزال تحمل السلاح؟" لذلك، تتركز الأنظار الآن على وحدات YPG وقوات سوريا الديمقراطية "قسد" (QSD).
كانت تركيا تسعى لحلّ المشكلة في العراق أولا، ثم الانتقال إلى سوريا، لكن الأمور لم تسر كما خُطط لها، بل أصبحت القضيتان متداخلتين.
بل ما هو أسوأ، أن الكيان الصهيوني دخل على خط الأزمة، عبر احتلاله أجزاء من سوريا.

ففي محافظة السويداء، أقام الكيان الصهيوني علاقات مع جماعة "الهجري"، بهدف منع انخراط الدروز في النظام السوري، كما قام أيضا بالتواصل مع فصيل "باهوز أردال" داخل YPG، ساعيا لتخريب العملية برمتها.

ويبدو أن إسرائيل لا تريد التخلي عن هذه الورقة التي تستخدمها ضد تركيا، حتى ولو أدى ذلك إلى الصدام مع الولايات المتحدة.
وقد استمر ذلك حتى لقاء الرئيس رجب طيب أردوغان مع نظيره الأميركي، دونالد ترامب.

ترامب: لا تقوموا بما يزعج تركيا في سوريا

في الداخل الأميركي، هناك شريحة من المسؤولين تضع مصالح إسرائيل فوق مصلحة الولايات المتحدة نفسها. بعضهم في وزارة الخارجية، وبعضهم في وزارة الدفاع، وخصوصا في القيادة المركزية الأميركية.

وقد كانت المحاولات الإسرائيلية لتقويض عملية السلام في تركيا، بالتوازي مع سعيها لمنع اندماج YPG في النظام السوري، من المواضيع التي نوقشت خلال زيارة أردوغان إلى واشنطن.

إعلان

في نهاية الاجتماع، أصدر ترامب تعليماته بعدم اتخاذ أي خطوات في سوريا من شأنها أن تزعج تركيا. وكانت هذه الرسالة موجهة أيضا إلى إسرائيل، مفادها أن لا معادلة يمكن صياغتها سواء في فلسطين، أو في سوريا دون إشراك تركيا.

ترامب فهم هذه الحقيقة، لكن اللوبي الموالي لإسرائيل داخل الإدارة الأميركية لم يستطع استيعابها. أما الآن، فمع إحراز تقدم في دمج YPG مع النظام السوري، باتت قدرة الكيان الصهيوني على التأثير فيها محدودة أكثر فأكثر. لكن مع ذلك، تبقى الأزمة في سوريا قائمة. وبسبب التحولات الجيوسياسية والموقع الجغرافي، من المستحيل أن يظل وجود YPG كيانا مستقلا على المدى الطويل.

تأثير نهاية الإرهاب على العراق وسوريا

قضية حزب العمال الكردستاني ليست أزمة تركية فحسب، بل هي أزمة إقليمية تشمل إيران، والعراق، وسوريا أيضا. وقد تحوّلت هذه الأزمة، على مدى سنوات طويلة، إلى ألم مزمن اعتادت عليه المنطقة، رغم أنه خلّف كوارث مهولة. فمقتل عشرات الآلاف، وتضرر حياة مئات الآلاف، ترك آثارا إنسانية مأساوية في كل بلد.

أما الخسائر الاقتصادية فهي هائلة، ولا توجد إحصاءات دقيقة لحجمها. لكن إذا علمنا أن خسائر تركيا وحدها تقدر بتريليون دولار، يمكننا أن نتخيل الفاتورة الرهيبة حين نُضيف إليها خسائر العراق، وإيران، وسوريا.

انعدام الاستقرار، وغياب الأمن، وتعطّل التنمية، والفقر، وسوء التعليم، والعشوائيات، والفوضى، كلها من نتائج هذه الأزمة.

مجرد تأمين حركة التجارة والتنقل على امتداد خط العراق- سوريا سيكون إنجازا حيويا بحد ذاته. فإذا انتهى الإرهاب تماما، وتحوّلت الموارد التي كانت تُنفق على الحرب إلى مجالات الاقتصاد والتعليم والتنمية، فإننا سنكون أمام تحوّل جذري وتاريخي. وسيكون ذلك التغيير بحجم المنطقةِ كلها، لا بلدٍ واحد فقط.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

aj-logo

aj-logo

aj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة نت على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2025 شبكة الجزيرة الاعلامية

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: غوث حريات دراسات حزب العمال الکردستانی من ترکیا فی سوریا لا یزال

إقرأ أيضاً:

ما تفسير قرار الإدارة الأمريكية بتغيير منصب توم برّاك في سوريا؟

فسّر رئيس المجلس السوري الأمريكي فاروق بلال تغيير الإدارة الأمريكية منصب السفير الأمريكي لدى تركيا توم برّاك من مبعوث أمريكي إلى سوريا إلى مبعوث رئاسي خاص إلى سوريا والعراق، بالإجراءات القانونية الأمريكية، موضحا في حديث خاص لـ"عربي21" أن استمرارية برّاك في منصبة السابق (المبعوث الأمريكي إلى سوريا) لأكثر من عام تتطلب موافقة الكونغرس الأمريكي.



وقال إن الرئيس الأمريكي فضل عدم الدخول في نقاشات مع الكونغرس الأمريكي، بتغيير اسم منصب برّاك، عبر ممارسة صلاحياته.

وكان ترامب قد أعلن عن تعيين توم برّاك مبعوثا رئاسيا خاصاً إلى سوريا والعراق، مع احتفاظه بمنصبه سفيرا للولايات المتحدة في أنقرة، مؤكدا أن الخطوة "تضمن جهود واشنطن لتعزيز التعاون الاستراتيجي مع حكومتي البلدين".

وأشاد ترامب بأداء برّاك، مشيرا إلى أن "العلاقات الأمريكية مع سوريا والعراق تنمو بشكل مضطرد".

التغيير في منصب توم برّاك الذي يعد من أبرز المهندسين الأمريكيين للعلاقة بين واشنطن ودمشق، أثار قراءات مختلفة، ففي حين اعتبر البعض أن الخطوة تعكس تراجعا في الاهتمام الأمريكي في الملف السوري، يرى آخرون أن التغيير يفتح المجال أمام تطور أكثر في العلاقة بين دمشق وواشنطن.

ويدل على ذلك، الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس السوري أحمد الشرع، مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليوم، الأحد، حيث جرى بحث العلاقات الثنائية وذلك بعد يوم من التغييرات في منصب توم برّاك.

علاقات غير مسبوقة

وفي هذا الاتجاه، يشير رئيس المجلس السوري الأمريكي فاروق بلال إلى التطور "غير المسبوق" في العلاقات الأمريكية السورية، ويقول: "لم نشهد هذا التطور في العلاقات منذ 60 عاما، وخلال العام الذي كان فيه توم برّاك مبعوثا أمريكيا، لمسنا مساعٍ من دمشق وواشنطن لربط المؤسسات مع بعضها، بمعنى أن وزارة الخارجية الأمريكية تتواصل نظيرتها السورية، والخزانة الأمريكية تتواصل مع وزارة المالية السورية، ويبدو أن هذا الأمر قد ألغى الحاجة لمنصب المبعوث الأمريكي إلى سوريا، واستدعى تغييرا في عنوان المنصب".

تنفيذ رؤية ترامب

وفي السياق ذاته، يشير مؤسس منظمة "سوريا طريق الحرية" (منظمة سورية أمريكية)، هشام نشواتي، إلى إشادة ترامب بأداء توم برّاك، ويقول لـ"عربي21": "بالتالي يعتبر المنصب الجديد ترفيعا لبرّاك".

أما عن أسباب التغيير في اسم المنصب، يلفت نشواتي إلى إجراءات الكونغرس التي تحدد مدة عمل المبعوث الأمريكي بنصف عام، قابلة للتمديد لفترة ثانية فقط، ويقول: "لم يتم تعيين مسؤول بديل في منصب براك أي المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، بل تم إلغاء المنصب، وجرى ترفيع برّاك".

وبحسب نشواتي، فإن كل ذلك يعني أن توم برّاك سيشرف على تنفيذ الرؤية الأمريكية في سوريا والعراق، ويقول: "باعتقادي فإن ثقة ترامب بتوم برّاك، أهلته لأن يكون الوصي على رؤية ترامب للمنطقة".



وثمة تفسير آخر للتغيير في منصب توم برّاك، على صلة بانتهاء صفة "الأزمة" التي كانت ملازمة أمريكيا للملف السوري.

والإثنين، طالب عضو الكونغرس الأمريكي جو ويلسون بإلغاء تصنيف سوريا "دولة راعية للإرهاب"، وقال: إن "التطورات الأخيرة في العلاقات الأميركية السورية تعكس توجها إيجابيا، ومنها تعيين توم برّاك مبعوثا رئاسيا لسوريا، وأضاف أن "يجب إلغاء التصنيف القديم لسورية دولة راعية للإرهاب بشكل سريع".

مقالات مشابهة

  • ماذا قالت لوباريزيان عن الدور الخفي للخليفي في إنقاذ كرة القدم الأوروبية؟
  • قرار جديد من مانشستر سيتي بشأن عمر مرموش .. ماذا يحدث؟
  • قيادية عمالية بارزة: بريطانيا خذلت الفلسطينيين وتقصّر في مواجهة إسرائيل
  • اتحاد العمال ومنظمة العمل الدولية يبحثان قضايا عمالية
  • المرجعية العليا للطائفة العلوية في سوريا ترهن استقرار المنطقة بتأمين حقوق العلويين
  • سازان..الجزيرة الخفية لـ إيفانكا ترامب
  • "حماس" ترحب باعتماد نقابات العمال الأيرلندي وفورسا سياسة شراء الأخلاقية
  • توقيف العشرات.. تركيا تشن حملة اعتقالات واسعة في بوكا
  • ما تفسير قرار الإدارة الأمريكية بتغيير منصب توم برّاك في سوريا؟
  • ترامب يعين مبعوثًا رئاسيًا خاصًا إلى سوريا والعراق.. من هو توم باراك؟