حكم مصافحة المصلين بعد الصلاة شرعًا
تاريخ النشر: 30th, October 2025 GMT
الصلاة.. أثبتت النصوص مشروعية المصافحة بأصلها في الشرع الشريف، وإيقاعُها عقب الصلاة داخلٌ في عموم هذه المشروعية؛ فهي مباحة أو مندوب إليها على قول بعض العلماء، مع ملاحظة أنها ليست من تمام الصلاة، وعلى مَن قلَّد القول بالكراهة أن يُراعيَ أدب الخلاف في هذه المسألة ويتجنب إثارة الفتنة وبَثَّ الفُرقة والشحناء بين المسلمين بامتناعه مِن مصافحة مَن مَدَّ إليه يده مِن المصلين عقب الصلاة.
ومن المقرر شرعًا أنَّ المصافحة من الأفعال المسنونة التي تُغفر بها الذنوب، وتُحَط بها الأوزار؛ فعن البراء بن عازبٍ رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إِلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا» أخرجه أحمد في "المسند"، وأبو داود والترمذي وابن ماجه في "السنن"، وابن أبي شيبة في "المصنف".
وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا لَقِيَ الْمُؤْمِنَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَأَخَذَ بِيَدِهِ فَصَافَحَهُ، تَنَاثَرَتْ خَطَايَاهُمَا كَمَا يَتَنَاثَرُ وَرَقُ الشَّجَرِ» أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط"، وابن شاهين في "الترغيب"، والمنذري في "الترغيب والترهيب"، وقال بعده: "رواه الطبراني في الأوسط، ورواته لا أعلم فيهم مجروحًا".
مشروعية المصافحة بعد الصلاة:
ومن ذلك ما أخرجه الإمام مالك في "الموطأ" من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ، وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا، وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ».
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ فَسَلَّمَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ وَتَصَافَحَا كَانَ أَحِبَّهُمَا إِلَى اللهِ تَعَالَى أَحْسَنُهُمَا بِشْرًا لِصَاحِبِهِ» أخرجه الإمام البيهقي في "شعب الإيمان".
فهذه الأدلة بمجموعها تدل على مشروعية المصافحة بعد الصلاة والحث عليها، وعلى ذلك جمهور العلماء سلفًا وخلفًا:
قال الإمام ابن عبد البر في "الاستذكار" (8/ 292، ط. دار الكتب العلمية): [على جواز المصافحة جماعة العلماء من السلف والخلف، ما أعلم بينهم في ذلك خلافًا] اهـ.
وهذه الأدلة وغيرها من النصوص جاءت مطلقة، ومن المقرر في علم الأصول أنَّ الأمر المطلق يقتضي العموم البدلي في الأشخاص والأحوال والأزمنة والأمكنة، وإذا شرع الله تعالى أمرًا على جهة العموم أو الإطلاق فإنه يؤخذ على عمومه وسعته، ولا يصح تخصيصه ولا تقييده بوجه دون وجه إلا بدليل، وإلا كان ذلك بابًا من أبواب الابتداع في الدين بتضييق ما وسَّعَه الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
كما أن فِعْلَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبعض أفراد العموم الشمولي أو البدلي ليس مخصصًا للعموم ولا مقيدًا للإطلاق ما دام أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يَنْهَ عما عداه، وهذا هو الذي يعبر عنه الأصوليون بقولهم: الترك ليس بحجة؛ أي أن ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمرٍ ما لا يستلزم منه عدم جواز فعله.
حكم المصافحة بين المصلين بعد الصلاة وأقوال الفقهاء في ذلك
أما عن حكمها في خصوص فعلها بعد الصلاة فإن وُرُودَ الأمر بعموم مشروعية المصافحة بين الناس عند كلِّ لقاء، دون تقييدها بوقتٍ دون وقتٍ، يقتضي كونها سُنَّةً مشروعةً بين المصلِّين عقب الصلوات الخمس وعند كلِّ صلاةٍ، وهذا ما فهمه المسلمون وجرى عليه عملهم جيلًا بعد جيل، وتتابعوا عليه في كثير من الأعصار والأمصار من غير إنكار، وتواردت على سُنِّيَّتِهِ أقوال الفقهاء من المذاهب الفقهية المتبوعة.
قال العلامة الطحطاوي الحنفي في "حاشيته على مراقي الفلاح" (ص: 530، ط. دار الكتب العلمية): [وكذا تُطلب المصافحة؛ فهي سُنَّة عقب الصلاة كلها، وعند كل لُقِيٍّ] اهـ.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: الصلاة اداء الصلاة المصافحة بعد الصلاة أثناء الصلاة النبی صلى الله علیه وآله وسلم بعد الصلاة
إقرأ أيضاً:
هل تأخير الصلاة بسبب العمل عذر شرعي؟ أمين الفتوى يجيب
كشف الدكتور محمد عبد السميع، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، عن الأحكام الشرعية المتعلقة بكيفية المحافظة على أداء الصلوات المكتوبة في مواقيتها المحددة في ظل ظروف وأعباء العمل، مشيراً إلى المعاناة التي يواجهها بعض الموظفين وأصحاب المهن نتيجة تعارض أوقات عملهم مع مواقيت الفروض، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تأخيرها أو فواتها بالكامل.
وأوضح أمين الفتوى، في مقطع فيديو تم بثه عبر القناة الرسمية لدار الإفتاء المصرية على منصة يوتيوب، الأبعاد الزمنية للصلوات كما حددها الشرع الشريف، مبيناً أنه عند فرض الصلاة نزل أمين الوحي سيدنا جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم ليعلمه مواقيتها وحدودها الزمانية قائلاً له إن الوقت يمتد من هذا إلى هذا.
وضرب عبد السميع مثالاً توضيحياً بصلاة الظهر التي تبدأ في تمام الساعة 12:10 مساءً وينتهي وقتها بحلول أذان العصر في تمام الساعة 3:30 مساءً، مؤكداً أنه يجوز شرعاً أداء صلاة الظهر في أي وقت يشاء ضمن هذه المساحة الزمنية الممتدة من بداية الأذان وحتى دخول وقت الفريضة التالية، وينطبق هذا الحكم المرن على بقية الصلوات الخمس.
وأضاف ممثل دار الإفتاء المصرية أن الإسراع والتبكير في أداء الصلاة فور أذانها يعد أمراً مستحباً وفضيلة يثاب عليها العبد بشكل كبير، ولكن في حال وجود ارتباطات مهنية أو أعمال حالت بين الشخص وبين الصلاة في أول الوقت، فإن تأخيرها إلى نص الوقت أو آخره قبل الأذان التالي لا يترتب عليه أي إثم شرعي على العامل.
مبطلات الصلاة
وعلى صعيد آخر، استعرض أمين الفتوى والفقهاء باقة من أبرز مبطلات الصلاة التي يجب على المسلم الحذر منها لضمان صحة عبادته، وجاء في مقدمتها القهقهة، والمقصود بها الضحك بصوت مرتفع ومسموع داخل الصلاة، وهو أمر اتفق على إبطاله للصلاة جمهور فقهاء المذاهب الأربعة من الأحناف والمالكية والحنابلة، بخلاف الابتسامة الخفيفة التي لا صوت لها فإنها لا تؤثر على صحة الصلاة.
كما تشمل المبطلات كثرة الحركة والعبث أثناء الصلاة، حيث ذهب عامة الفقهاء إلى أن الحركات المتتابعة والكثيرة كالمشي لخطوات عديدة تبطل الصلاة، مستثنين من ذلك الحركات اليسيرة والمشروعة مثل تحرك المصلي لسد فجوة أو فرجة في الصف الأمامي.
وتتسع دائرة المبطلات لتشمل ترك ركن من أركان الصلاة أو شرط من شروط صحتها عمداً، ومثال ذلك الصلاة بلا وضوء أو تعمد التوجه إلى قبلة خاطئة مع العلم بالاتجاه الصحيح، مستشهداً بما ورد في الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه بشأن الرجل الذي دخل المسجد وصلى بطريقة خاطئة، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم ارجع فصل فإنك لم تصل، وعقب الإمام النووي على ذلك بتوضيح أن الأفعال الخارجة عن جنس الصلاة إن كانت كثيرة أبطلتها بلا خلاف وإن كانت قليلة لم تبطلها.