عربي21:
2026-06-02@21:19:17 GMT

مجازر الفاشر!

تاريخ النشر: 31st, October 2025 GMT

مجازر الفاشر!

مجازر الفاشر!.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي عالم الفن كاريكاتير بورتريه كاريكاتير الفاشر الأمم المتحدة السودان الفاشر كاريكاتير كاريكاتير كاريكاتير كاريكاتير كاريكاتير كاريكاتير سياسة سياسة عالم الفن عالم الفن عالم الفن عالم الفن عالم الفن عالم الفن سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة

إقرأ أيضاً:

الإعيسر.. من بوق الحرب إلى عبئها

الإعيسر.. من بوق الحرب إلى عبئها

أحمد عثمان جبريل

ليست المأساة في أن يخطئ وزير، ولا في أن تزلّ الكلمات من فم مسؤول وهو يحاول الدفاع عن حكومته أو تبرير خياراته.. فالأخطاء السياسية تقع كل يوم، وزلات اللسان جزء من تاريخ الحكم والإدارة.. لكن المأساة الحقيقية أن تتحول جملة عابرة إلى لحظة انكشاف كبرى، وأن يصبح رجلٌ قضى أشهراً طويلة في خدمة رواية الحرب الكذوبة، واحداً من الذين أسهموا دون أن يقصدوا، في هدم جزء من بنيانها أمام الرأي العام.

❝ من طلب السلطان بالباطل، فضحه الله بالحق.❞

—  ابن حزم

(1)

منذ اندلاع هذه الحرب اللعينة، ظل السودانيون يتعرضون لحملات تعبئة كثيفة قُدمت لهم فيها الحرب باعتبارها معركة وجود، وأنها تدور من أجل الوطن والمواطن والكرامة والسيادة.. وسُخرت المنابر والفضائيات والخطابات لإقناع الناس بأن الخراب الذي يلتهم البلاد ليس سوى ثمن ضروري لمعركة نبيلة.. لكن الحقيقة كانت تطرق الباب كل يوم عبر أرتال النازحين، وصفوف الجوعى، والمدن المدمرة، والقبور التي اتسعت أكثر مما اتسعت مساحات الحياة.

(2)

في قلب هذه المعركة الإعلامية، برز خالد الإعيسر، بوصفه أحد أكثر الوجوه التصاقاً بالرواية الرسمية.. لم يكن مجرد وزير يؤدي واجباً وظيفياً، بل تحول إلى أحد المدافعين عنها، والمسوّقين لها، والحريصين على إعادة إنتاجها في كل مناسبة.. ولذلك لم يكن مستغرباً أن يُنظر إليه باعتباره أحد (الأبواق) التي راهنت على خطاب الحرب، وجعلت منه سلماً للصعود السياسي داخل معسكر البلابسة.

(3)

لكن الروايات المصنوعة تحت ضغط الحرب تخاف الحقيقة أكثر مما تخاف خصومها.. ولهذا كانت لحظة ظهوره التلفزيوني وما أثارته تصريحاته بمثابة الحجر الذي أُلقي في بحيرة راكدة.. فجأة خرج إلى السطح ما حاولت الدعاية إخفاءه طويلاً.. وفجأة وجد الناس أنفسهم أمام اعتراف يفتح الباب واسعاً أمام السؤال الذي ظل مطروحاً منذ اليوم الأول:” إذا كانت القناعة الوطنية وحدها هي المحرك، فلماذا يطل المال من خلف الستار؟ وإذا كانت الرواية بهذه الصلابة، فلماذا أربكتها جملة واحدة؟”.

(4)

هنا لم تكن الصدمة في حديث الوزير وحده، بل في رد الفعل الذي أعقبه.. فالذين ظلوا يدافعون عنه ويحتفون به ويقدمونه بوصفه صوت المعركة الإعلامي (السوخوي) انقلبوا عليه بضراوة نادرة.. وفجأة امتلأت الصحف والمنصات بالحديث عن ضعفه المهني، وفشله الإداري، وعجزه عن إدارة المؤسسات التابعة لوزارته، وتوتر علاقاته بالصحفيين، وتأخر الملفات التي تقع ضمن مسؤوليته. وكأن كل هذه الملاحظات لم تكن موجودة بالأمس، أو كأنها لم تصبح مرئية إلا بعد أن أخطأ في حق الرواية نفسها.

(5)

والحقيقة التي يجب ان تقال، أن المشهد كله بدا كاشفاً أكثر مما بدا صادماً.. فقد ظهر الوزير كما لو أنه اكتشف متأخراً أن الولاء في مثل هذه المعسكرات ليس عقداً دائماً، وأن من يصفق لك اليوم قد يكون أول من يطالب برأسك غداً.. فحين كان لسانه يعمل لصالح السردية كان بطلاً قومياً، وحين أفلتت منه عبارة أحرجت السردية ذاتها، أصبح فجأةً هدفاً مشروعاً للتجريح والتقريع والنبش في الماضي والحاضر معاً.

(6)

لكن المأساة الأكبر، أن هذه الواقعة لم تكشف هشاشة موقع الوزير فحسب، بل كشفت طبيعة العلاقة بين الدعاية والحقيقة.. فالحروب التي تحتاج إلى هذا القدر من الحراسة الإعلامية، تظل خائفة من كلمة، ومرعوبة من سؤال، ومضطربة أمام أي رواية مغايرة.. ولذلك جاءت العاصفة التي ضربت الإعيسر، لتؤكد أن الأزمة لم تعد في خصوم الحرب وحدهم، بل تسللت إلى داخل المعسكر الذي ظل يحتكر الحديث باسمها.

(7)

ولعل أكثر ما يثير الأسى، أن الذين يتبادلون اليوم الاتهامات، كانوا حتى الأمس القريب يقفون في خندق واحد. بعضهم صنع هذه الصورة، وبعضهم روّج لها، وبعضهم دافع عنها بضراوة.. ثم ما إن وقع الخلاف؛ حتى تحولت دفاتر الأسرار إلى منشورات، وتحولت المجاملات إلى لوائح اتهام.. وهنا تتبدى المعضلة الأخلاقية والسياسية معاً؛ لأن الأوطان لا تُدار بمنطق التواطؤ حيناً والفضح حيناً آخر، وإنما تُدار بالشفافية التي لا تتغير بتغير المواقع.

(8)

ولهذا، فإن أول ما ينبغي على الوزير فعله الآن هو أن يحفظ ما تبقى من ماء وجهه السياسي، وأن يقدم استقالته.. نعم استقالته وفورا؛ ليس لأن خصومه يطالبون بذلك، ولا لأن حلفاءه تخلوا عنه؛ بل لأن المنصب العام يفقد معناه حين يصبح صاحبه عاجزاً عن الدفاع عن نفسه أمام الذين كانوا أقرب الناس إليه.. فالاستقالة في هذه اللحظة ليست هزيمة، بل قد تكون آخر ما تبقى من فضيلة المسؤولية السياسية في مشهدٍ يكاد يخلو من الفضائل.

(9)

ولو أن هناك كلمة يجب نقولها ثم نمضي، فإننا نقول:” أن القضية في جوهرها أكبر من خالد الإعيسر وأكبر من منصبه.. ما يعني أن السؤال الذي ينبغي أن يشغل السودانيين جميعاً ليس ماذا قال الوزير، بل ماذا كشف قوله؟ وإذا كانت كل هذه الاتهامات التي يتبادلها أهل المعسكر الواحد صحيحة، فأين كانوا حين كان الرجل جزءاً من واجهة المشروع؟ ولماذا صمتوا عنها كل هذا الوقت؟ وإذا كانت غير صحيحة، فلماذا تُستدعى الآن بهذه القسوة؟ وكيف يمكن أن يطمئن شعب أنهكته الحرب إلى جماعات لا تقول الحقيقة إلا عندما تختلف، ولا تكشف الأوراق إلا عندما تتصارع؟ وكيف يُؤتمن على وطن كامل، من يجعل الولاء للحكاية أهم من الولاء للحقيقة؟”.

عند هذه النقطة تحديداً، لا يعود خالد الإعيسر سوى تفصيل صغير في مشهد أكبر؛ مشهد حرب أكلت أبناءها، ورواية بدأت تنهار تحت ثقل تناقضاتها، ووطن ما زال يدفع وحده فاتورة الجميع.. إنا لله ياخ.. الله غالب.

الوسومأحمد عثمان جبريل ابن حزم الحرب السوخوي السودان السودانيون خالد الإعيسر

مقالات مشابهة