من أعظم المآسي الفكرية التي ابتُلي بها الإنسان أنه قد يعرف الله خالقًا، ولا يعرفه وليًّا.
يعرف أن الله خلق السماوات والأرض، وأنزل المطر، وأجرى الأنهار، وبسط الأرض، وأحيا وأمات، لكنه لا يدرك أن الذي خلق هو أولى بالطاعة، وأحق بالتسليم وَالاتباع، وأجدر بالحب، وأوجب بالولاء، وهنا تبدأ المشكلة.
فالقرآن الكريم لا يقدم الله للبشر على أنه مُجَـرّد خالق عظيم يدير الكون من بعيد فقط، بل يقدمه بوصفه الولي المطلق الذي لا تنفصل عنه الحياة في أي شأن من شؤونها يقول الله تعالى {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱستَوَى عَلَى ٱلعَرشِ يَعلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرضِ وَمَا يَخرُجُ مِنهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُم أَينَ مَا كُنتُم وَٱللَّهُ بِمَا تَعمَلُونَ بَصِير} (الحديد:٤)، والذي لا تستقيم إنسانية الإنسان إلا بالانضواء تحت ولايته.


وحين يقول الله سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ}، فإنها ليست جملة خبرية فحسب، بل إعلان إلهي يهز وجدان المؤمن، ويختبر إيمانه ويعيد ترتيب علاقته بكل شيء من حوله.
إنها تعني أن الله هو الأقرب إليك من كُـلّ قريب قال الله تعالى {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعوَةَ ٱلدَّاعِ إذَا دَعَانِ فَليَستَجِيبُواْ لِي وَليُؤمِنُواْ بِي لَعَلَّهُم يَرشُدُونَ} (البقرة:١٨٦)، والأحق بك من نفسك، والأولى بك من هواك، والأعلم بمصلحتك منك، والأرحم بك من والديك.
لماذا الله هو الولي؟
لأن الولاية ليست امتيَازا يُمنح، بل حق يثبت لصاحبه، ومن الذي يملك حق الولاية أكثر ممن خلق؟ من الذي يستحق أن يُطاع أكثر ممن أوجدك من العدم؟ من الذي يستحق أن يُتبع أكثر ممن يعلم السر وأخفى؟ من الذي يستحق أن يُسلَّم له الأمر أكثر ممن بيده ملكوت كُـلّ شيء؟ لا أحد، ولكي نفهم أبعاد هذا الحق الإلهي، لا بد أن ندرك أن (الولاية) في لغة العرب تدور حول معاني القرب والتسليم والنصرة والمحبة والتولية.
فحين يتولى اللهُ عبدَه، فإنه يقتربُ منه برحمته، ويحيطه برعايته، وينصره على مخاوفه ونفسه.
وهي ولاية ذات اتّجاهين في حياة المؤمن؛ ولاية من اللهِ لعبده بالهداية والتوفيق والتسديد، وولاية من العبد لربه بالانقياد والحب والتعظيم.
فلا يكونُ العبدُ وليًّا لله إلا إذَا ارتضى الله ربًا، والإسلام دينًا، والمنهج الإلهي دليلًا وقائدًا وبأمره مسلمًا.
إن الله لا يطالب عباده بولايته لأنه يحتاج إليهم؛ بل لأنهم هم المحتاجون إليه.
ولا يدعوهم إلى طاعته لأنه ينتفع بطاعتهم؛ بل لأن سعادتهم ونجاتهم وعزتهم لا تكون إلا في ظل هذه الولاية.
قال تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}، فالذي خلق الإنسان هو وحده الذي يعلم حقيقة هذا الإنسان، ويعلم ما يصلحه وما يفسده، وما يرفعه وما يهوي به.
ولاية لا تنقطع لحظة واحدة.
قد يغيب عنك الأب، وقد تفارقك الأم، وقد يخذلك الصديق، وقد يتخلى عنك الناس جميعًا. أما الله فلا يغيب عنك لحظة واحدة، منذ أن كنت نطفة في ظلمات الرحم وهو يتولاك، كان يخلق أعضاءك وأنت لا تشعر، وكان يهيئ رزقك وأنت لا تعلم، وكان يحفظك وأنت لا تملك لنفسك شيئًا، ثم خرجت إلى الدنيا، فوجدت الهواء جاهزًا لتتنفسه، والماء جاهزًا لتشربه، والأرض ممهدة لتعيش عليها، والشمس تشرق عليك دون أن تدفع لها ثمنًا.
أي ولاية أعظم من هذه الولاية؟ وأي رعاية أوسع من هذه الرعاية؟
ومن أسرار هذه الولاية الدائمة أنها تتجلى في أوقات المحن والأزمات أكثر مما تتجلى في أوقات الرخاء.
فحين تضيق بالمرء السبل، وتغلق في وجهه الأبواب، تتدخل الولاية الربانية لتمنح القلب سكينةً لا مبرّر مادي لها، ورضًا يربط على القلوب الوجلة.
إن حرمان الله لعبده في بعض الأحيان ليس تخلّيًا، بل هو عين الولاية؛ لأنه سبحانه يمنع بحكمته ما يضر العبد، ويعطي برحمته ما يصلحه، فالمنع منه سبحانه هو عين العطاء.
كما قال تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شيئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}، وقال تعالى: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ}، وقال سبحانه:{وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}، إن الإنسان يعيش غارقًا في ولاية الله قبل أن يعرفها، ومحاطًا بعناية الله قبل أن يدركها.
الولاية ليست مُجَـرّد محبة
يختزل البعضُ الولاية في مُجَـرّد مشاعر الحب، والحب جزء منها، لكنه ليس كُـلّ حقيقتها، فالولاية تعني التسليم لله، وتعني الثقة المطلقة بالله، وتعني تقديم أمر الله على كُـلّ أمر، وتعني أن يكون حكم الله فوق كُـلّ حكم، وهدي الله فوق كُـلّ هدى، ورضا الله فوق كُـلّ رغبة، فالذي يتولى الله حقًا لا يجعل هواه قائدًا له، ولا يجعل شهوته حاكمة عليه، ولا يجعل الناس ميزانًا للحق والباطل، بل يجعل الله هو المرجع الأعلى في حياته كلها.
ولهذا قال سبحانه: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أنفسهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، فالإيمان الحقيقي هو ثمرة الولاية الحقيقية، وحين تتحول الولاية إلى واقع معاش، فإنها تثمر في النفس التحرّر الكامل من عبودية الخلق، فالذي يتولى الله حقًا لا يذل لغيره، ولا يرجو رزقًا من سواه، ولا يخشى في الحق لومة لائم؛ لأنه يأوي إلى ركن شديد.
الولاية تجعل للمؤمن بوصلة أخلاقية ثابتة لا تتأثر بتقلبات المصالح ولا بضغط المجتمعات، فيصبح معيار الخطأ والصواب عنده مستمدًّا من وحي الولي الخبير، لا من أهواء البشر المتقلبة.
الله ولي المؤمنين، ولم يقل القرآن إن الله ولي المؤمنين بمعنى الحماية فقط، فقد قال: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ}.
إنها ولاية بناء وصناعة وتغيير، ولاية تنقل الإنسان من الجهل إلى المعرفة، ومن الضعف إلى القوة، ومن التبعية إلى الحرية، ومن الضياع إلى الهداية، ومن الخوف إلى الطمأنينة.
فالإنسان بلا ولاية الله يعيش تائهًا مهما امتلك من أسباب القوة، ويعيش فقيرًا مهما ملك من الأموال، ويعيش مظلمًا مهما أحاط نفسه بالأضواء؛ لأن النور الحقيقي هو نور الله، والهداية الحقيقية هي هداية الله.
لماذا يجب أن نتولى الله؟
لأن كُـلّ شيء منه،  وجودك منه، وحياتك منه، ورزقك منه، وقوتك منه، وعلمك منه، وهدايتك منه، ومصيرك إليه.
فأي جحود أعظم من أن ينتفع الإنسان بكل ما أعطاه الله، ثم يجعل ولاءه وطاعته وخضوعه لغير الله؟
وأي ظلم أكبر من أن يأكل من رزق الله، ويتنفس هواء الله، ويعيش في ملك الله، ثم لا يرى لله حق الولاية عليه؟
ولهذا كان أعظم نداء في القرآن هو العودة إلى الله وليًّا وقائدًا وهاديًا ومعبودًا.
خطورة اتِّخاذ أولياء من دون الله
إن المأساة الحقيقية تكمن في أن الإنسان إذَا تخلّى عن ولاية الله، أَو غفل عنها، فلن يعيش في فراغ، بل سيبحث غريزيًّا عن «أولياء» آخرين يتولاهم ويسلّم لهم زمام أمره.
قد يتولى الإنسان ماله، أَو منصبه، أَو رجلًا قويًّا يرجو حمايته، أَو حتى يتولى هواه ونظريات بشرية قاصرة.
وهنا يقع في فخ الخِذلان؛ لأن كُـلّ ولاية غير ولاية الله هي ولاية هشة، واهية كبيت العنكبوت.
قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أولياء كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}.
فكل مستند إلى غير الله ساقط، وكل معتز بغير الله ذليل، وكل من طلب النصرة والشفاء والهداية من غير وليه الحق، فقد ضل ضلالًا بعيدًا ووضع نفسه في موطن الضياع.
إذن.. حين يفهم الإنسان معنى ولاية الله، يدرك أنه لا يوجد في هذا الوجود من هو أولى به من الله.
لا أحد أعلم به من الله، ولا أحد أرحم به من الله، ولا أحد أصدق منه وعدًا، ولا أحد أكمل منه حكمة، ولا أحد أعظم منه قدرة.
لذلك كانت ولاية الله ليست خيارًا من بين خيارات متعددة، بل هي الحقيقة الوحيدة التي تستحق أن تُتبع، والطريق الوحيد الذي يستحق أن يُسلك.
فالله سبحانه ليس وليَّنا لأنه الأقوى فقط، ولا لأنه الخالق فقط، بل لأنه الكامل المطلق الذي لا يأتي من ولايته إلا الخير، ولا يأتي من هدايته إلا النور، ولا يأتي من القرب منه إلا العزة والكرامة والفلاح.
{فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُـلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

المصدر

المصدر: الثورة نت

كلمات دلالية: الذی یستحق أن ی ولایة الله قال تعالى أکثر ممن من الله من الذی ولا أحد لا أحد

إقرأ أيضاً:

فعالية حاشدة في الحوك بالحديدة بذكرى يوم الولاية

الثورة نت/..

نظمت السلطة المحلية والتعبئة العامة بمديرية الحوك بمحافظة الحديدة، مساء اليوم، احتفالية حاشدة في ساحل كورنيش المدينة بمناسبة ذكرى يوم الولاية، تحت شعار “من كنت مولاه فهذا علي مولاه”.

 

تخلل الاحتفالية بحضور وكيل أول المحافظة أحمد البشري، ووكيلا المحافظة لشؤون الخدمات محمد حليصي ومربع المدينة علي كباري، وقيادات محلية وتنفيذية واجتماعية، فقرات إنشادية ورقصات شعبية وقصائد شعرية عن فضائل الإمام علي عليه السلام، ودلالات المناسبة الإيمانية .

 

واعتبر الوكيل البشري، في كلمته بالمناسبة، يوم الولاية محطة إيمانية جامعة تُعزّز الهوية وتجدّد الانتماء لنهج الهدى، مبيناً أن هذه الذكرى تزرع في الأمة جذور القوة والتماسك والولاء الصادق لأولياء الله.

 

وأوضح أن من يحتفون بيوم الولاية يحملون وعياً عميقاً بمسؤوليتهم تجاه دينهم وأمتهم، مشيراً إلى أن ولاية الإمام علي هي امتداد لوصية النبي محمد صلى الله عليه وآله، وهي السبيل القويم لصيانة الأمة من التيه والانحراف.

 

وأكد البشري، أن الاحتفاء بيوم الولاية في قلب مدينة الحديدة وبقية المديريات، يُعبر عن اصرار شعبي على التمسك بمنهج الولاية، ويجسّد روح الانتماء الإيماني الذي يتمدّد في وعي الأجيال جيلاً بعد جيل.

 

وأوضح أن منطلقات الولاية ليست محصورة في بُعدّها التاريخي، بل تتصل ارتباطاً مباشراً بواقع الأمة اليوم، حيث تقف على مفترق طرق بين الاستجابة لأمر الله في طاعته وطاعة رسوله وأوليائه، وبين التبعية العمياء لقوى الطغيان والهيمنة.

 

وأرجع وكيل أول المحافظة، الفوضى التي تعصف بواقع الأمة، والصراعات التي تستنزف طاقاتها، إلى انحراف المسار عن الولاية، والارتماء في أحضان مشاريع التبعية السياسية والفكرية لليهود والنصارى.

 

وألقيت خلال الاحتفالية كلمتان، لنائب مدير فرع هيئة الاراضي بالمحافظة أحمد المروني والشيخ محمد العلماني أشارتا في مجملها إلى أن هذه الذكرى، التي تأتي في توقيت بالغ الأهمية، ترسخ معاني الوفاء والوعي والتحرر من القيود المصطنعة، وتفتح أمام الشعوب باب العودة الصادقة إلى قيم العدالة الربانية.

 

وعبرتا عن الاعتزاز بالاحتفاء بيوم الولاية، معتبرة هذه الذكرى لحظة تعبئة شاملة، ورسالة إيمانية تتجدد مع كل جيل، ودعوة جامعة للعودة إلى منطلقات الهداية والتكليف انطلاقا من الوعي والارتباط بمنهج الإمام علي عليه السلام.

مقالات مشابهة

  • فعالية حاشدة في الحوك بالحديدة بذكرى يوم الولاية
  • أمن حجة يحتفي بيوم الولاية
  • أمسية ثقافية في حجة إحياءً لذكرى يوم الولاية
  • ندوة وأمسية في ريمة بذكرى يوم الولاية
  • حجة .. ندوة في المحابشة بذكرى يوم الولاية
  • أمن محافظة حجة يُحيي ذكرى يوم الولاية بفعالية ثقافية
  • أمسيات في ريف حجة والشاهل والشغادرة بذكرى يوم الولاية
  • فعالية لأمن محافظة حجة بذكرى يوم الولاية
  • فعالية في مديرية مبين في حجة بذكرى يوم الولاية