ماذا لو لم يُقرّ قرض التعويضات لأوكرانيا؟ الاتحاد الأوروبي يدرس خططًا بديلة
تاريخ النشر: 1st, November 2025 GMT
بعد قمة لم تُسفر عن نتائج حاسمة، كلّف قادة الاتحاد الأوروبي المفوضية الأوروبية بإعداد مقترحات جديدة لتأمين احتياجات أوكرانيا المالية والعسكرية خلال العام المقبل وعام 2027. لكن ما الخيارات المحتملة أمام بروكسل؟
تتسارع وتيرة التحديات التي يواجهها الاتحاد الأوروبي في تأمين دعم مالي وعسكري مستدام لأوكرانيا، مع اقتراب نفاد المساعدات الخارجية التي تراجعت بشكل حاد بعد انسحاب إدارة ترامب.
وفي ظل هذه الظروف، حذّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من أن بلاده ستحتاج إلى تمويل جديد "منذ بداية" العام المقبل، مُعرباً عن شكوكه في قدرة كييف على تأمينه. وقال: "لا أعرف ما إذا كان ذلك ممكناً. ليس كل شيء يعتمد علينا".
ويأتي هذا التحذير وسط تعطيل بلجيكي مؤقت لخطة طموحة تقضي باستخدام الأصول المجمدة للبنك المركزي الروسي لتمويل قرض بقيمة 140 مليار يورو لأوكرانيا. وباعتبارها الحائز رئيسي بتلك الأصول، تتخوّف بلجيكا من مواجهة انتقام روسي منفرد، وتطلب ضمانات ملزمة تضمن تضامناً تاماً بين الدول الأعضاء قبل المضي قُدماً.
ورغم الدعم الواسع الذي يحظى به مبدأ القرض بين عواصم الاتحاد، لا يزال من غير المؤكد ما إذا كان بالإمكان إقناع رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي فيفر بالموافقة عليه قبل انعقاد القمة الأوروبية الحاسمة في ديسمبر/كانون الأول.
ومن المقرر أن تقدّم المفوضية الأوروبية، في الأسابيع المقبلة، ورقة خيارات تتضمّن سيناريوهات بديلة لتمويل أوكرانيا، مرتبة من الأكثر فاعلية إلى الأقل، في مسعى لسد الفجوة المالية المتوقعة.
قرض التعويضات الأصليرغم التساؤلات والمخاوف التي أثارتها الحكومة البلجيكية، تتمسّك المفوضية الأوروبية بخطّتها الأساسية: قرض التعويضات.
وبموجب المخطط المبدئي، ستتولّى شركة "يوروكلير" ــ وهي جهة إيداع مركزية للأوراق المالية مقرّها بروكسل ــ تحويل الأصول الروسية المجمدة إلى المفوضية، التي ستستخدم تلك الأموال لإصدار قرض لأوكرانيا بسقف يصل إلى 140 مليار يورو، يُصرف تدريجيًاً وفق شروط محددة.
ولا يُطلب من أوكرانيا سداد هذا القرض إلا بعد موافقة روسيا على دفع تعويضات عن الأضرار الناجمة عن الحرب. وعندئذٍ، تسدّد المفوضية المبلغ لشركة "يوروكلير"، التي بدورها تعيد الأموال إلى روسيا، مما يُكمِل الدورة المالية ويتيح، من الناحية النظرية، تجنّب أي إجراء مباشر بمثابة مصادرة.
وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، اعترفت رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين بأن الخطة "ليست بسيطة"، لكنها شدّدت على أنها "سليمة من الناحية القانونية"، مؤكدة أن جميع القضايا العالقة قابلة للحل.
ويذهب مسؤولو المفوضية إلى أن التقلّب الحاد في موازنات الدول الأعضاء سيشكّل في النهاية الحجة الأقوى لصالح اعتماد هذا الحل الجريء.
وفي هذا السياق، أعربت رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن—التي تؤيّد فون دير لاين—عن قناعتها بعدم وجود بديل: "بالنسبة لي، لا يوجد بديل لقرض التعويضات. هذا هو السبيل الوحيد للمضي قُدمًا، وأنا أؤيّد بشدة فكرة أن تتحمّل روسيا تكلفة الأضرار التي تسبّبت بها في أوكرانيا".
تتمحور إحدى الانتقادات المتكررة من بلجيكا حول اعتماد خطة المفوضية حصرياً على الأصول المودعة لدى شركة "يوروكلير" في بروكسل، والتي تُقدَّر بنحو 185 مليار يورو. ويشير هذا التقدير إلى أن الاتحاد الأوروبي سيحتاج إلى تخصيص 45 مليار يورو منها لتغطية خط ائتمان مستمر لمجموعة السبع مموَّل من العوائد غير المتوقعة، والمقرر أن ينتهي العمل به قريباً.
إلا أن المفوضية كانت قد أعلنت علناً، على مدى السنوات الثلاث الماضية، أن إجمالي قيمة أصول البنك المركزي الروسي المجمدة في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي تبلغ نحو 210 مليار يورو. ويعني هذا الفارق وجود ما يقارب 25 مليار يوروــ أكثر أو أقل ــ لم يُكشف عن موقعها بعد.
وفي تعليقٍ أدلى به رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي فيفر عقب قمة غير حاسمة، قال: "الدجاجة الأكثر بدانة موجودة في بلجيكا، ولكن هناك دجاجات أخرى في الجوار. لا أحد يتحدث عن ذلك أبداً".
وحتى الآن، ترفض المفوضية الإفصاح عن أماكن تواجد باقي الأصول.
Related "بوكروفسك هي الهدف الرئيسي للروس الآن".. زيلينسكي: أوكرانيا تحتاج إلى دعم أوروبي لمواصلة القتالزيلينسكي مناشدا حلفاءه الأوروبيين في مؤتمر روما: "نحن بحاجة إلى التمويل" اجتماع لوزراء مالية مجموعة الدول الصناعية الكبرى السبع .. وتمويل أوكرانيا على رأس الأجندةوبحسب دراسة حديثة أجرتها خدمة الأبحاث التابعة للبرلمان الأوروبي، تحتفظ فرنسا بنحو 19 مليار يورو من هذه الأصول ــ وهو رقم يتماشى مع تقديرات أولية بلغت 22.8 مليار يورو عند اندلاع الغزو الشامل ــ بينما تمتلك لوكسمبورغ ما بين 10 و20 مليار يورو.
وكان البلدان قد أعربا في وقت سابق عن تحفظاتهما أيضاً بشأن خطة قرض التعويضات.
غير أن موقف لوكسمبورغ شهد تحوّلاً ملحوظاً؛ إذ ذكر وزيرا المالية والشؤون الخارجية في بيان مشترك نُشر عبر قناة "يورونيوز": "إن حجم أصول البنك المركزي الروسي المجمدة حالياً في لوكسمبورغ أقل من 10,000 يورو".
في حال تمكّنت المفوضية من تحديد مواقع الأصول المتبقية داخل حدود الاتحاد الأوروبي وإدراجها في مقترحها، فقد تتمكن من معالجة إحدى الشكاوى الجوهرية التي تطرحها بلجيكا. لكن إذا كانت تلك الأصول مودعة في حسابات خاصة، فإن مبدأ السرية المصرفية قد يُعقّد جهود الكشف عنها.
ومع ذلك، فإن مجموع هذه الأصول ــ حتى لو تم تحديدها بالكامل ــ سيظل أقل بكثير من الحصة المجمدة في بلجيكا، التي ستبقى محور الخطة المقترحة.
وتجدر الإشارة إلى أن المملكة المتحدة وكندا واليابان تمتلك أيضاً حصصاً من الأصول السيادية الروسية، لكنها تقع خارج نطاق الولاية القضائية للاتحاد الأوروبي، ولا يحق للمفوضية بالتالي تضمينها في أي آلية تمويل أوروبية.
الديون المشتركة، دون الأصولإذا مضت بلجيكا قُدماً في تشديد موقفها الرافض، فإن خطة المفوضية لتمويل أوكرانيا عبر قرض التعويضات ستواجه خطر الانهيار، ما سيجبرها على البحث عن مصادر بديلة للتمويل. أحد الخيارات المطروحة هو اللجوء إلى الأسواق المالية.
فالمفوضية قادرة، بموجب آليات قائمة، على إصدار ديون جديدة باسم جميع الدول الأعضاء لتمويل قرض جديد لأوكرانيا، وهو نهج سبق اتباعه في السنوات الأولى من الحرب لتمويل برامج "المساعدة المالية الكلية"، التي يُفترض أن تسدد كييف مبالغها لاحقاً.
غير أن فرض قروض إضافية على دولة تخضع لغزو وتكبّد تكاليف هائلة لإعادة الإعمار قد يُنظر إليه على أنه يُفاقم الأعباء بدلاً من تخفيفها.
ويتمثل البديل في أن تصدر المفوضية ديوناً مشتركة لتوزيع منح ــ أو ما يُعادل تبرعات مباشرة ــ بدلاً من قروض. في هذه الحالة، يتحمّل أعضاء الاتحاد الأوروبي أنفسهم العبء المالي، وهو سيناريو يلقى مقاومة شديدة في عواصم تعاني أصلاً من ضغوط مالية ولا تملك هامشاً مالياً كافياً لتحمل التزامات إضافية.
كما لخّص بارت دي فيفر الموقف قائلاً: "إذا أرادت أوروبا خلق المال، فيمكنها خلقه. وهذا ما يُعرف بالديون. لكنه، بطبيعة الحال، موضوعٌ بالغ الحساسية"
في حال تعذّر التوصل إلى اتفاق على مستوى الاتحاد الأوروبي، قد يُعاد النظر في خيار الاتفاقيات الثنائية بين الدول الأعضاء وأوكرانيا وهو نهج ليس جديداً، بل سبق اتباعه منذ اليوم الأول للغزو الشامل.
فعلى مدار السنوات الماضية، قدمت عواصم الاتحاد مساعدات عسكرية ومدنية لكييف بشكل منفصل، ما سمح بتجاوز استخدام المجر لحق النقض (الفيتو) ضد حزم المساعدات المشتركة. لكن هذا النهج أدّى أيضاً إلى تفاوتات واسعة في مستويات الدعم بين الدول.
وبحسب معهد كيل لأبحاث الاقتصاد، تُعد ألمانيا (17.7 مليار يورو) والدنمارك (9.2 مليار يورو) وهولندا (8 مليار يورو) والسويد (7.1 مليار يورو) أبرز المورّدين الأوروبيين للأسلحة والذخيرة لأوكرانيا. في المقابل، تظهر دول ذات وزن اقتصادي كبير مثل إيطاليا وإسبانيا تأخّراً ملحوظاً في مساهماتها.
ويمكن تكرار هذه الديناميكية في السنوات المقبلة لتغطية كل من الاحتياجات العسكرية ونفقات الميزانية الأوكرانية، مع اضطلاع المفوضية بدور منسّق لضمان قدْر من التناسق بين المبادرات الوطنية المختلفة.
إلا أن هذا النموذج ينطوي على عيوب جوهرية، أبرزها هشاشته أمام التقلبات السياسية الداخلية. ففوز حكومة جديدة في دولة عضو ــ خاصة ذات مسار سياسي مختلف ــ قد يؤدي إلى خفض المساعدات أو وقفها تماماً، ما يُجبر باقي الأعضاء على سد الفجوة الناتجة، مما يُضعف الاستقرار والموثوقية في الدعم المقدّم لكييف.
ولهذا السبب، تُصرّ المفوضية على ضرورة وجود آلية تمويل جماعية على مستوى الاتحاد، تكون بمنأى عن الدورات الانتخابية والحسابات الوطنية قصيرة الأجل. وقد استند هذا التوجّه إلى إنشاء "مرفق أوكرانيا" في عام 2024، وهو أداة مالية خاصة بقيمة 50 مليار يورو.
إلا أن الرصيد المتبقي في المرفق لا يتجاوز حالياً 18 مليار يورو—وهو مبلغ يقلّ بكثير عن الحاجة التقديرية البالغة نحو 60 مليار يورو التي ستتطلبها ميزانية كييف خلال الفترة 2026–2027 لتمويل نفقاتها الخارجية.
قرض مؤقترغم أن قمة ديسمبر/كانون الأول وُضعت على جدول الأعمال باعتبارها اللحظة الحاسمة لاتخاذ قرار نهائي، فإن بلجيكا ــ أو أي دولة عضو أخرى ــ قد تطلب مهلة إضافية لمواصلة مناقشة الخيارات المتاحة.
وقد تجسّد هذا الغموض في ردّ رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عندما سألتها قناة "يورونيوز"، عقب القمة الأخيرة، عما إذا كان ديسمبر يُعد "الموعد النهائي المطلق". فلم تُعطِ التزاماً بجدول زمني محدد.
وفي حال عدم التوصل إلى اتفاق وامتداد الجمود إلى العام المقبل، قد يلجأ الاتحاد الأوروبي إلى حل مؤقت: قرض محدود يغطي الاحتياجات المالية الأكثر إلحاحاً لأوكرانيا لفترة تمتد ستة أشهر.
ويُنظر إلى هذا القرض على أنه إسعاف أولي مالي، يُبقي كييف قادرة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية ريثما تستمر المفاوضات رفيعة المستوى حول استخدام الأصول السيادية الروسية المجمدة. وقد يجد هذا الخيار قبولاً أكبر لدى الحكومات القلقة من ردود فعل دافعي الضرائب، لكنه في المقابل لا يحلّ المشكلة الجذرية، بل يؤجلها.
وفي النهاية، سيظل على قادة الاتحاد اتخاذ قرار بشأن واحدة من أكثر العمليات المالية جرأةً وغير مسبوقة في تاريخ الكتلة الأوروبية.
انتقل إلى اختصارات الوصول شارك هذا المقال محادثة فولوديمير زيلينسكي روسيا الاتحاد الأوروبي أوكرانيا المفوضية الأوروبية
Loader Search
ابحث مفاتيح اليوم
المصدر
المصدر: euronews
كلمات دلالية: إسرائيل دونالد ترامب دراسة الصحة الصين لبنان إسرائيل دونالد ترامب دراسة الصحة الصين لبنان فولوديمير زيلينسكي روسيا الاتحاد الأوروبي أوكرانيا المفوضية الأوروبية إسرائيل دونالد ترامب دراسة الصحة الصين لبنان عاصفة حركة حماس ضحايا قتل روسيا المفوضیة الأوروبیة الاتحاد الأوروبی الدول الأعضاء ملیار یورو بارت دی
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.