الجواسيس يكشفون أساليب التدريب والتقنيات المستخدمة واستغلال المنظمات للتجسس والإجرام
تاريخ النشر: 9th, November 2025 GMT
كشفت اعترافات الجواسيس الذين تم ضبطهم مؤخرًا عن تفاصيل دقيقة لأساليب استقطابهم، وبرامج تدريبهم المكثفة، وطرق أداء مهامهم الميدانية، مستخدمين مسارات إنسانية وتنموية زائفة، إضافة إلى مجموعة متنوعة من الأجهزة والتطبيقات التقنية المتقدمة لجمع المعلومات والتقارير لصالح الأعداء.
وتؤكد هذه الشهادات حجم التخطيط والتنظيم الذي اعتمدته الشبكة لاختراق الجبهة اليمنية الداخلية، ومحاولاتها المستمرة للتسلل إلى مؤسسات الدولة، فيما كانت الأجهزة الأمنية اليمنية يقظة على مدار الساعة، وقادرة بفضل الله على التصدي لكل المخططات العدائية، وحماية الجبهة الداخلية.
وفي تفاصيل الاعترافات، تطرق الجواسيس إلى الإجراءات الأولية التي خضعوا لها قبل تنفيذ مهامهم، والتي بدأت بتدريب وتأهيل مكثف، مرورًا بتعليمهم استخدام المعدات والتطبيقات الحديثة، وصولاً إلى التنفيذ الميداني والرفع الفوري للمعلومات، مع التمويه تحت يافطات إنسانية وتنموية زائفة، بما في ذلك العمل في مؤسسات مدنية ومشاريع ظاهرها تنموية وحقيقتها تآمرية.
الجاسوس "بشير علي مهدي" أوضح أنه تلقى عدة دورات إقليمية ومحلية، منها دورة في أكاديمية المجتمع المدني للرصد والمتابعة والتقييم عام 2018 بالشراكة مع المعهد الجمهوري الدولي (IRI).
وبين أنه التحق بدورة تدريب المدربين لتعزيز التماسك الاجتماعي، بالشراكة مع منظمة دار السلام، ومنظمة شركاء اليمن، ومركز الأديان والدبلوماسية (ICRD) في أديس أبابا عام 2019.
ووفق اعترافاته، فقد تضمنت الدورات أهدافًا خفية، من بينها تمرير رسائل استخباراتية من خلال مشاريع "منظمة قدرة" للتنمية المستدامة، وجمع وتحليل معلومات اقتصادية لاستخدامها في تهييج الرأي العام، وزرع مصادر داخل المكاتب التنفيذية تحت مسمى "رفع مستوى القدرات".
أما الجاسوس "علي علي أحمد" فقد أكّد خضوعه لتدريب مكثف استمر 14 يومًا، منها أربعة أيام في شاليهات بحي العارض بالرياض تحت إشراف ضباط سعوديين (أبو عامر، أبو عبد الله، وياسر)، حيث تعلّم استخدام الهاتف والتطبيقات للتواصل، وكتابة تقارير دقيقة وشاملة عن المواقع المستهدفة، ووصف المباني وعددها والأدوار وملاكها، وتفاصيل الحراسة والمواقف والنشاط التجاري.
وتعلم أيضاً طرق التقاط الصور من زوايا مناسبة وإرسال الملفات والإحداثيات، فضلاً عن تعلم التحرك الميداني مع وجود "عذر مقنع" أثناء التنقل لتفادي أي كشف.
وفي مرحلة التنفيذ، كشف الجاسوس "مجدي محمد حسين" أنه بدأ مهامه في القاهرة باستخدام جهاز يشبه ريموت السيارة مزوّد بكاميرا، لتحديد النشاط داخل المباني ومواقع الحراسة، وإرسال الإحداثيات عبر تطبيق الخرائط.
وقد زوّد لاحقًا بجهاز "الخازن" وجهاز مودم أسود للبث المباشر عبر الإنترنت، إضافة إلى تدريب على استخدام ريموت جديد وهاتف جالكسي A14.
بدوره الجاسوس "أنس أحمد صالح" أوضح أنه تعلّم تحديد المباني السكنية والتجارية، وعدد الأدوار والمخارج، وكاميرات المراقبة والحراس، والنشاط التجاري، ثم إرسال التفاصيل للضباط المشرفين، كما اكتسب مهارات التعامل مع خط سير محدد، والإجابة على الأسئلة، والتأكد من عدم مراقبته وتغيير طرق التحرك عند الحاجة.
بدوره الجاسوس "سنان عبدالعزيز علي"، اعترف أنه تلقى أجهزة متنوعة من الضباط السعوديين والأمريكيين (من بينهم الضابطان السعوديان عبد الله وسعد، والضابطان الأمريكيان جون ومايكل، والضابط البريطاني ألكسندر)، منها ريموت تصوير مزوّد بكاميرات، وهاتف مزوّد بتطبيقات وبث مباشر، إضافة إلى لابتوب.
وتعلّم استخدام تطبيق الخرائط لتحديد المواقع بدقة، وإرسال الملفات، ورصد شبكات الواي فاي والبلوتوث في الأجهزة المتواجدة ضمن نطاق 20 مترًا.
فيما الجاسوس "ضيف الله صالح" شارك في اختبار قبلي، ثم تعرّف على ضابط أمريكي اسمه "ديفيد" والذي زوده ببرنامج للتصوير عبر الحاسوب والهاتف، يحتوي على أزرار للفيديو والصور، ويسمح بإرسال البيانات مباشرة للضباط المشرفين عند توفر الإنترنت.
أما الجاسوس علي علي أحمد، فقد اعترف أنه أتم تدريبًا مكثفًا على تصوير المباني وإدخال الإحداثيات في التطبيقات وإرسال التقارير، وتحليل النشاط التجاري والسكني ومواقف السيارات والحراسة، والتحرك الميداني مع اتخاذ كل الاحتياطات، وإتمام تدريبات ميدانية إضافية في أماكن قريبة من تواجده.
وقد زوّدت الشبكة التجسسية خلاياها بمعدات وتقنيات متطورة، شملت جميعها تقنيات متشابهة لكنها تنوعت بحسب طبيعة الاستخدام.
الجاسوس "مجدي محمد حسين" كشف أنه استخدم ريموت سيارة مزوّد بكاميرا، وجهاز "الخازن"، وأجهزة بث مباشر مرتبطة بالمودم والهاتف.
بينما قال الجاسوس "سنان عبدالعزيز علي" إنه استخدم أجهزة بث مباشر، وتطبيقات للتصوير والاتصال، وتطبيقات الخرائط، وجهاز "الخازن"، وهاتف مزوّد ببرامج لسحب الشبكات والواي فاي والبلوتوث.
في السياق ذاته، ذكر الجاسوس "علي علي أحمد" أنه تعلّم إرسال الملفات والتقارير عبر التطبيقات، وإدخال الإحداثيات بدقة، والتعامل مع الأجهزة الميدانية مثل "الخازن" وكاميرات البث المباشر.
وكذلك الجاسوس "ضيف الله صالح" أوضح أنه استخدم برنامجًا على الحاسوب والهاتف يشبه مفتاح السيارة، يحتوي على أزرار للفيديو والصور، مع إمكانية إرسال البيانات مباشرة للضباط المشرفين.
وتكشف هذه الاعترافات حجم التخطيط والتنظيم الذي اعتمدته الشبكة في استقطاب العناصر، وتدريبهم، وتجهيزهم بالأجهزة والتطبيقات، وتكليفهم بمهام استطلاع داخل اليمن، فيما تعكس استغلال العدو للغطاء المدني والإنساني وعناوين التنمية لتنفيذ أعمال التجسس والتخريب.
كما أن هذه المعطيات تؤكد يقظة الأجهزة الأمنية اليمنية وقدرتها على كشف ومواجهة كل المخططات العدائية مهما بلغت قدراتها البشرية والتقنية، وجاهزية وزارة الداخلية بكل وحداتها لحماية الجبهة الداخلية من أي تهديد خارجي، بما يعكس صمود اليمن أمام محاولات الاستهداف والتسلل، وتأكيدها على صون سيادة الدولة وسلامة المواطنين واستمرارية القيام بالواجبات الدينية والإنسانية تجاه قضايا الأمة.
المصدر
المصدر: ٢٦ سبتمبر نت
إقرأ أيضاً:
الاعتذار من شِيَم الكبار: الإمام المؤسس والسلطان العثماني
المراسلات الدبلوماسية تكشف أدبيات وبروتوكولات دهاليز السياسة والحرب. ويكاد يجمع الباحثون أن الإمام المؤسس أحكم بحرفية عالية إدارة العلاقات الدولية وكان يديرها بما ينسجم مع محددات تحفظ السيادة الوطنية وتعلي من شأن العلاقات الاقتصادية بما ينسجم مع الدور السياسي الذي استطاع أن يعيد عُمان لمكانتها الجيوسياسية وقوتها الاقتصادية بفعل موانئها وأسطولها الحربي والتجاري.
من هذا المنطلق لبى الإمام أحمد نداء نجدة البصرة في عام 1775م، بأسطول مهيب قاده ابنه القائد العسكري السيد هلال.
وتتابعت الأحداث في ذلك الميناء الاستراتيجي للمنطقة وحدثت بعض التجاوزات الفردية أثناء إدارة الموقف المتأزم الذي استمر لسنوات كان الدور العُماني فاعلًا وحاضرًا فيه بقوة.
ذلك التجاوز الفردي تمثل في سلوك غير لائق من قبل الوالي العثماني على البصرة مصطفى باشا، حيث رد مساعدات الإمام أحمد التي أرسلها في أسطول يقوده ابنه السيد هلال في عام 1777م، ولأن السلطان العثماني عبد الحميد الأول (1774-1789م) أدرك أن هذا التجاوز لا يليق بالجهود التي قدمها العُمانيون في نجدة البصرة ويتطلب اتخاذ موقف من القيادة العليا الممثلة في السلطان، أرسل رسالة اعتذار للإمام أحمد بن سعيد، ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ فقد كلَّف هذا التجاوز مصطفى باشا حياته فتم إعدامه بسبب هذا التصرّف الذي يعارض سياسة الخلافة العثمانية ويرقى لأن يكون عصيانًا وخيانة. فجاء في توصيف وثيقة عثمانية مؤرخة بتاريخ: (1 جمادى الآخرة 1191هـ/ 7 يوليو 1777م): "رسالة من السلطان العثماني عبد الحميد الأول إلى إمام مسقط أحمد بن سعيد يقدم فيها الاعتذار عن السلوك غير اللائق من مصطفى باشا -والي البصرة السابق- الذي أعاد مساعدات الإمام للدولة العثمانية ضد الفرس". ويشير توصيف الوثيقة المترجم إلى اللغة العربية بأنه تم إعدام مصطفى باشا بسبب هذا الموضوع.
إن قراءة متفحصة لمضمون هذه الوثيقة تؤكد أن الإمام أحمد بن سعيد أرسل أكثر من حملة لمساعدة البصرة في فك حصارها من قبل الفرس في سنوات متفرقة من عام 1775م، و1776م، و1777م وهو ما تشير إليه الوثائق العثمانية المنشورة في الجزء الأول من كتاب: "عُمان في الوثائق العثمانية ثلاثمائة وسبعون عامًا من العلاقات التاريخية". ففي وثيقة عنوانها: "طلب حول إرسال مرسوم إلى إمام مسقط معربًا عن الامتنان بشأن إرساله سفنًا مع ابنه لمساعدة البصرة"، مؤرخة في: (23 جمادى الأولى 1191هـ/ 29 يونيو 1777م)، جاء فيها: "هناك مراسلات مستمرة منذ القدم بين الإمام والولاة، حيث كانت علاقات ودية وإخلاص بينهم، وحتى أن الرسوم الجمركية لم تحصّل من تجارهم الذين يأتون إلى ميناء البصرة، لجبر خواطر الولاة. لكن ونظرًا لوجود صراع بينهم وبين الفرس كتب الراحل عمر باشا رسالة إلى الإمام وطلب فيها المساعدة بسبب محاولة الفرس الاعتداء على ميناء البصرة العام الماضي. وبناءً على هذا الطلب أرسل الإمام ابنه إلى البصرة مع ثلاثين أو أربعين سفينة مختلفة الأحجام".
ومن تتبع مسار الأحداث التاريخية وما يدعمها من وثائق فقد ردَّ الإمام أحمد بن سعيد على رسالة السلطان عبد الحميد الأول برسالة بدأ فيها بحمد الله والدعاء للسلطان، ثم ذكر استلام رسالة السلطان ببهجة وفرح على الرغم من وجود مسافات طويلة بين البلدين، وأوضح الإمام أحمد في رسالته أيضًا، بأن الفرس حاولوا غزو أراضي عُمان عدة مرات لكنهم فشلوا. ويعرب عن استعداده للتعاون مع الدولة العثمانية ضد الفرس، مفيدًا بأنه قد ارتدى القفطان الذي أرسله له السلطان عبد الحميد الأول". هذه الرسالة مؤرخة في: (16 ربيع الأول 1193هـ 3 أبريل 1779م).
كما يظهر عمق العلاقة ومتانتها بين السلطان العثماني عبد الحميد الأول والإمام أحمد بن سعيد من خلال استمرار المراسلات بين الطرفين، وتبادل الهدايا، ومنح بعض الامتيازات للتجار العُمانيين، وحماية الحجاج العُمانيين.
ومن أمثلة ذلك استمرار المراسلات والعلاقات الودية بين السلطان عبد الحميد الأول والإمام أحمد بن سعيد بعد سقوط البصرة سنة 1776م إلى انسحاب الفرس منها في عام 1779م، وهو ما تكشفه مكاتبة مرسلة من السلطان العثماني للإمام أحمد تتضمن إخباره بكل ما يحدث في البصرة في تلك الفترة، كما أن السلطان العثماني عندما أراد عقد صلح مع الفرس كان حريصًا على إبلاغ الإمام أحمد بذلك فكان رد الإمام أن الصلح خير للجميع، ولا يوجد خلاف عليه، وإذا رأى السلطان بأن ذلك في صالح المسلمين فنحن معه.
عمومًا توالت الرسائل بين الإمام أحمد بن سعيد والسلطان عبد الحميد الأول سواء حول تنسيق الجهود في استتاب الأمن في ميناء البصرة أو حماية الحجاج العُمانيين، فقد أرسل الإمام أحمد بن سعيد رسالة إلى الصدر الأعظم العثماني يطلب منهم عدم أخذ أموال من الحجاج العُمانيين والحرص على تمكينهم من زيارة مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة بأمان، وأن تتم حمايتهم من جميع أنواع المخاطر وهذه الرسالة مؤرخة في: (20 شعبان 1193هـ/ 2 سبتمبر 1779م).
كما يتضح من خلال الوثائق بأن العلاقة العثمانية العُمانية حافظت على حيويتها حتى بعد وفاة الإمام أحمد بن سعيد في عام 1783م، واستمرت العلاقات الطيبة بين العثمانيين والعُمانيين في عهد السيد سلطان ابن الإمام أحمد (1792-1804م) في ضوء الجهود التي قدمها والده الإمام أحمد لاستتاب الأمن والاستقرار في ميناء البصرة والخليج بصفة عامة، فكانت هنالك زيارات متواصلة للسيد سلطان لميناء البصرة لاستلام المكافأة السنوية المقررة من السلطان العثماني لإمام عُمان، كما هدفت تلك الزيارات الدائمة للبصرة بهدف الإشراف على تجارة عُمان الضخمة مع ميناء البصرة. وفي عهد السلطان سعيد بن سلطان ازدادت نشاطات الدولة العثمانية في الخليج العربي، وأبدت عُمان استعدادها لتنسيق الجهود مع الوالي العثماني محمد علي باشا، ويظهر ود وتقارب تلك العلاقات من خلال تنظيم حفل استقبال رسمي كبير في مكة للسلطان سعيد أثناء ذهابه لأداء مناسك الحج عام 1824م.
ونتيجة للنشاط التجاري المهم والمؤثر للسلطان سعيد في كل من عُمان وشرق أفريقيا زادت إيرادات البلاد عدة أضعاف، خاصة من خلال احتفاظه بتجارة القرنفل؛ لهذا حثّت الرسائل المرسلة من الولاة العثمانيين إلى مكتب الصدارة العثماني في القسطنطينية، على ضرورة تقريب السلطان سعيد من الدولة العثمانية، وتعزيز العلاقات بين الجانبين.