صدى البلد:
2026-07-24@02:40:08 GMT

عبد السلام فاروق يكتب: أحمد شوقي حارس العلم الأخير

تاريخ النشر: 10th, November 2025 GMT

كان صوتاً نادراً يعلو فوق ضجيج الوهم، وبصيصاً من نور في ظلام الجهل الذي يلف عقولنا. رحل الدكتور أحمد شوقي.. راهب المعرفة الذي اختار أن يكون حارساً للعلم في زمن باتت فيه البهلوانية علماً، والخرافة معرفة، والصراخ فصاحة، والتفاهة عمقاً. عاش بيننا كأنه نبياً من أنبياء العقل، يحمل لوحاً من نور في يد، ومشعل حق في اليد الأخرى، يسير بهما بين ظلام هذا العصر الموبوء بالخرافات.


أتذكر حين قدمني إليه أستاذي الراحل الدكتور أحمد مستجير قائلاً: "هذا هو الرجل الذي يحمل مشعل العلم الأصيل في زمن الدجالين". نظرت إلى عينيه الهادئتين فوجدت فيهما ذلك النبل والنقاء الذي يميز العلماء.. الذين وهبوا حياتهم لشئون لا تشترى بالمال ولا تكال بالميزان. كان تشع من وجهه الطمأنينة التي لا توجد إلا في عيون العارفين، أولئك الذين اختبروا عمق الحياة وغور المعرفة.
كان الدكتور أحمد شوقي - كما عرفته- عاشقاً للعلم بروح المتصوفة. كان يجلس في مكتبه المتواضع بكلية الزراعة في جامعة الزقازيق، محاطاً بالأبحاث والمراجع، وكأنه في محراب. كان ينفق من راتبه الضئيل على نشر "الكراسات العلمية" التي كان يعدها بنفسه، وكأنه يقدم القربان لمعبد العلم. كم مرة رأيته يحمل حزمة من الأوراق بين ذراعيه، متجهًا إلى المطبعة، يدفع من جيبه الخاص وهو يبتسم تلك الابتسامة الهادئة التي تقول: "هذا هو دوري في الحياة".
اليوم يرحل هذا العالم الجليل، ولا أحد يعلم. لا تكريم ولا نعي في الصفحات الأولى، ولا خبر في التلفزيون. انشغلت بلادنا بالمهرجين، وبمن يشرحون لك كيف يسرقك الجن ويعاشر زوجتك! وانشغل الإعلام بمن يحذرونك من النظر الذي قد يفسد صيامك! في عصرنا هذا، أصبحت الشاشات مسرحاً لبيع الوهم، وباتت الصحف منابر للجهل المُعلب، بينما يموت العارفون في صمت، وكأنهم أخطاء تاريخية يجب محوها.
أحمد شوقي كان آخر فرسان موكب نبيل.. الموكب الذي ضم مستجير، وسمير حنا صادق، وشوقي جلال، و مصطفى فهمي ورفعت لقوشة. رحلوا جميعاً وتركوا وراءهم فراغاً هائلاً، وتركونا في برية موحشة يصول فيها ويجول أدعياء العلم. كلما رحل واحد منهم،  انطفأ مصباح من مصابيح المعرفة، وازداد الظلام قتامة وكثافة.
كان الدكتور شوقي يجسد تلك الروح النادرة.. روح العالم الحقيقي الذي يرفض أن يكون بضاعة، ويأبى أن يكون سلعة. كان يرى أن العلم رسالة، والمعرفة خدمة للإنسان. كان خفيض الصوت، منطقي التفكير، شريف الخصومة. كان يجادل بالحجة، لا بالصوت العالي أو بالشتيمة الرخيصة. كم مرة استمعت إليه وهو يحاور خصومه، فيقول: "أختلف معك تماماً، لكنني أحترم عقلك" - كانت هذه هي أقصى درجات الخلاف عنده.
اليوم وقد رحل، أتساءل: من سيروي ظمأ الأجيال الجديدة للمعرفة الحقيقية؟ من سيحرس بوابة العلم الأصيل في زمن طغت فيه الأوهام والخرافات ؟ من سيعلم شبابنا أن العلم ليس مجرد شهادة على حائط، ولا وسيلة للثراء السريع، وإنما هو رحلة بحث عن الحقيقة، وشغف لا ينتهي؟ من سيقف سداً منيعاً في وجه هذا الطوفان الجارف من اللامعرفة، وهذا التسويق الممنهج للجهل؟
رحل أحمد شوقي، لكن إرثه باق. باق في كل عقل استنار بمعرفته، وفي كل نفس تعلمت منه أن العلم رسالة وأمانة. باق في تلك الكراسات العلمية التي أنفق عليها من راتبه، وكتبها بحبر روحه. كم طالب فقير وجد في هذه الكراسات ملاذه، وكم باحث شاب استضاء بها في بداية طريقه.
إلى الدكتور أحمد شوقي.. الذي رحل بصمت كما عاش.. إلى حارس العلم الحقيقي في زمن المزيفين.. إلى الراهب في محراب المعرفة.. السلام لك حين رحلت، والسلام للعلم في بلاد لا تعرف قدر أبنائها البررة.
والآن.. من للعلم؟ من يحميه من المدعين ؟ من يقف على أبوابه في عصر التسول الفكري؟ كنا نظن أن الموت وحده هو الذي يمكن أن ينتزعهم من بين أيدينا، لكننا اكتشفنا أن هناك منتزعات أشد قسوة.. هناك الإهمال، والنسيان، والاحتقار، ولوعة القلب التي تسبق الموت.
كان يمكن للدكتور أحمد شوقي أن يكون نجماً إعلامياً، لو أراد أن يسلك طريق الدعاة الجدد.. طريق التلاعب بعواطف الناس، واستغلال جهلهم، وبيعهم الوهم المعطر بالآيات. لكنه آثر أن يظل في مختبره، بين المعامل والكروموسومات، يفسر أسرار الحياة لمن يريد أن يعرف، لا لمن يريد أن يسمع ما يسر. كان يرفض أن يكون تاجر وعظ، ويأبى أن يكون مساحاً للضمائر.
أتذكر مرة قال لي بهمسة المحبط: أحياناً أشعر أنني أحارب طواحين الهواء.. أنشر العلم بينما ينتشر الجهل بتمويل من كبار التجار! ثم صمت برهة وأضاف: لكنني سأستمر، لأن رسالة العالم مثل شمعة تحترق لتنير لغيرها. كانت عيناه تفيضان بإيمان لا يتزعزع، بإيمان من يعرف أن الحق قد يغيب وقتاً، لكنه لا يموت أبداً.
اليوم احترقت الشمعة حتى آخر فتيل فيها، وانطفأت في صمت.. بينما كانت الأضواء الكاشفة مسلطة على "الداعية" الذي يفسر كيف يدخل الجن جسد الإنسان، وكيف يمكن للشيطان أن يعاشر المرأة في فراشها! في أيامنا المقلوبة، أصبح الترهات علماً، والعلم ترهات، وأصبح ناشروا  الخرافة مرشدين، والعلماء منبوذين.
في وداع الدكتور أحمد شوقي، لا نودع رجلاً فقط، بل نودع نموذجاً كاملاً للإنسان العالم.. الإنسان المتواضع الذي لا يتعالى، المتسامح الذي لا يتعصب، المنطقي الذي لا يهذي، الشريف الذي لا يدلس. نودع ذلك الجيل الذي كان يعتقد أن العلم رسالة وأمانة، وليس وسيلة للشهرة والثراء.
نودع ذلك الجيل الذي كان يؤمن بأن الثقافة العلمية هي أساس تقدم الأمم، وليس الطقوس والشعوذة. جيل كان يرى في المعرفة نوراً يجب أن يصل إلى كل إنسان، وليس حكراً على نخبة أو سلعة لأغنياء. جيل كان يعتبر البحث العلمي ضرباً من ضروب العبادة، والعلم محراباً للتفكر في عظمة الخالق.
رحل أحمد شوقي ومشروعه الطموح "الكراسات العلمية" الذي كان يحلم بأن يصل إلى كل طالب، وكل معلم، وكل إنسان يريد أن يفهم العالم من حوله. رحل وهو يحمل أحلاماً لم تتحقق، ومشاريع لم تكتمل، ورسائل لم تصل. لكنه رحل وهو يعلم أنه بذل كل ما في وسعه، وأنه وقف في وجه الجهل حتى آخر نفس.
لكن.. سيظل نوره باقياً في كل عقل تنور به، وكل روح أضاءها. سيظل نموذجه شاهداً على أن مصر أنجبت رجالاً حقيقيين، لم تلههم المساومات الرخيصة عن البحث عن الحقيقة. سيظل حياً في ذاكرة كل من عرفه، وكل من قرأ له، وكل من استفاد من علمه.
إلى الدكتور أحمد شوقي.. الذي صعد إلى حيث لا أضواء كاشفة، ولا صفوف أولى، ولا تكريمات مزيفة.. إلى العالم الحقيقي في زمن المزيفين.. إلى الراهب في معبد العلم.. إلى آخر فرسان الموكب النبيل.. السلام لك.. ولأمثالك الذين رحلوا فخبا ضوء العقل، وتراجع سيف المعرفة، وتقدمت جيوش الظلام.
السلام لعصر مضى.. ولرجال لن يعودوا. السلام لزمن كان فيه العالم عالِماً حقاً، والعلم علماً صحيحاً، والمعرفة معرفة نقية. السلام لأيام كنا نرى فيها وجوه العلماء في الشاشات، ونقرأ لهم في الصحف، ونستمع إليهم في الإذاعات. السلام لزمن كان فيه العقل مصوناً، والعلم محترماً، والعالم مكرماً.
الآن وقد رحل آخر الفرسان، من بقي يحمل الراية؟ من بقي يحرس المعبد؟ من بقي يصون العقل؟ أسئلة تتداعى في الذهن، وأجوبة تتساقط كأوراق الخريف.. لا جواب إلا صمت القبور، وهدير الموج المتكسر على شاطئ النسيان.

طباعة شارك الدكتور أحمد شوقي أحمد شوقي ظلام الجهل

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: الدكتور أحمد شوقي أحمد شوقي الدکتور أحمد شوقی أن العلم الذی لا أن یکون فی زمن

إقرأ أيضاً:

اللواء فؤاد علام: الملك فاروق تعرض للغدر واغتيل ولم يمت بشكل طبيعي

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

فجّر اللواء فؤاد علام، الخبير الأمني، ووكيل جهاز أمن الدولة الأسبق، مفاجأة مدوية بشأن وفاة الملك فاروق آخر ملوك مصر، مؤكدًا معتقده الشخصي بأن الملك فاروق اغتيل ولم يمت موتة طبيعية، وأن التاريخ لم ينصف هذه الواقعة حتى الآن.

وأوضح اللواء فؤاد علام، خلال لقائه مع الإعلامي عمرو حافظ، ببرنامج "كل الكلام"، المذاع على قناة "الشمس"، أن ملابسات وفاة الملك فاروق في المنفى كانت غير طبيعية ومثيرة للشكوك، مشيرًا إلى أن السيناريو الشائع حول وفاته المفاجئة أثناء سهرة لم يكن منطقيًا بالنظر إلى الظروف والمحيطين به في ذلك الوقت.

وأعرب اللواء فؤاد علام عن أسفه الشديد لما وصفه باغتيال الملك فاروق في مرحلة زمنية حرجة كان الجميع فيها بحاجة ماسة لكشف الحقيقة الكاملة، مؤكدًا أن التاريخ قصر في إظهار الحقيقة والملابسات الواقعية لما حدث عقب استصدار خطاب العزل وتولي الضباط الأحرار للسيادة.

مقالات مشابهة

  • اللواء فؤاد علام: الملك فاروق تعرض لظلم تاريخي.. ووالدي نفى انحرافاته
  • اللواء فؤاد علام: الملك فاروق تعرض للغدر واغتيل ولم يمت بشكل طبيعي
  • البابا تواضروس يرسم ملامح جيل المستقبل: العلم والانتماء والمعلم أساس بناء شخصية الطفل المصري
  • شوقي غريب: رحيل مصطفى شوبير وإمام عاشور سيؤثر على الأهلي.. وزيزو أمام فرصة لاستعادة مستواه
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • المصريين الأحرار: كلمة الرئيس تؤكد أن بناء الجمهورية الجديدة يقوم على العلم ومواجهة الفساد
  • هل المصريون فراعنة؟.. إجابة مفاجئة من الدكتور عماد الساعي
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • بيانُ الميدانِ يكتبُ معادلةَ الحصارِ بلغةِ النار
  • “الأمل الأخير”.. نجوم ألعاب القوى الروسية يعلقون على معركة العودة إلى الساحة الدولية