في هذا النص الذي ينشره موقع "عربي21" بالتزامن مع نشره على صفحة الكاتب والباحث المصري جمال سلطان على فيسبوك، يقدم سلطان قراءة نقدية معمقة لأساطير وتشويه صورة الدولة العثمانية في الوعي العربي الحديث. يرى الكاتب أن ثمة حملات شعوبية وشعبوية وجهل تاريخي سادت في العقود الأخيرة، حاولت تصوير الدولة العثمانية على أنها قوة احتلال أجنبي وظلمت الشعوب العربية، في حين تؤكد الدراسات العلمية الدقيقة، ومن بينها أعمال علماء مصريين وعرب كبار، أن الصورة الحقيقية أكثر تعقيدًا وتوازنًا.



يستند جمال سلطان في تحليله إلى إرث طويل من الكتابة التاريخية الوطنية المصرية، بدءًا من الزعيم الكبير محمد فريد في كتابه "تاريخ الدولة العلية العثمانية"، وصولاً إلى العالم الجليل عبد العزيز الشناوي في سفره "الدولة العثمانية .. دولة إسلامية مفترى عليها"، حيث يوضح أن حملات التشويه لم تستهدف الدولة العثمانية فحسب، بل كانت جزءًا من مخططات استعمارية أوروبية وصهيونية لفرض نفوذها في مصر والعالم العربي.

يشدد سلطان على أن المصريين، تاريخيًا، لم ينظروا إلى الدولة العثمانية باعتبارها مستعمرًا أجنبيًا كما تصور بعض الكتاب الشعبويين، بل كانت لهم مشاعر ولاء دينية ووطنية حقيقية، مبنية على الاعتراف بالدور التاريخي للعثمانيين في حماية البلاد العربية والإسلامية من أخطار خارجية، وفي دفع عجلة الإصلاح والتنمية ضمن الإمبراطورية. وهو ما تؤكده شهادات أدباء ومفكرين مثل عبد الوهاب عزام، الذي وصف العلاقة بين المصريين والدولة العثمانية بأنها مزيج من الحب والولاء والتقدير للنجاحات، مع النقد العقلاني للقصور والسلبيات.

تقدم هذه القراءة الخاصة رؤية متوازنة ومستنيرة، تحاول تصحيح الانحرافات الشعبية والشعوبية، وتؤكد أن الإنصاف في دراسة التاريخ يتطلب عرض الفضائل والعيوب معًا، بعيدًا عن الجهل والتحامل، ليتمكن القارئ من فهم علاقة العرب بالدولة العثمانية في بعدها التاريخي والسياسي والديني على نحو واقعي وموضوعي.

أنقذت الأمة من الضياع

تنتشر في أدبيات بعض الكتاب المصريين والعرب ـ في العقود الأخيرة ـ الإشارات السلبية إلى الدولة العثمانية بصورة لا تخلو من روح العصبية القومية، أو النزق الأيديولوجي، وكثيرا ما تكون مشحونة بروح التحامل وسوق الأكاذيب، عن تلك الدولة، وخاصة عن علاقة الشعوب العربية بها، إذ تحاول بعض الكتابات تصوير الأمر على أن مصر وسائر بلاد العرب كانت تنظر إلى الدولة العثمانية كدولة احتلال أجنبي، مثل الأنجليز والفرنسيين، وتناضل من أجل التحرر من نير هذا الاستعمار العثماني!، وهو كلام شعبوي شديد السطحية، وشديد الجهل بالتاريخ، ويحاول أن يسقط مشاعر شعوبية وعنصرية حالية على تاريخ يختلف تماما، على النحو الذي توضحه الدراسات العلمية البحثية الرصينة والعميقة التي قدمها علماء مصريون وعرب أنصفوا الدولة العثمانية، وذكروا فضائلها على العرب والمسلمين، بقدر ما ذكروا أيضا أخطاءها ومعايبها.

ومن أبرز من كتبوا عن الدولة العثمانية، وأنصفوها، الزعيم الوطني المصري الكبير محمد فريد، في كتابه الكبير "تاريخ الدولة العلية العثمانية"، والذي ذكر فيه السياق التاريخي الذي ولدت فيه الدولة العثمانية، على قدر مقدور، ويرصد ما تعرض له العالم الإسلامي من تراجع وتمزق وتعرض الإسلام لخطر ماحق، فبعث الله الدولة العثمانية لتنقذ الأمة من هذا الضياع.

ويضيف: "لكن العناية الصمدانية تداركتهم بلم الشعث، ورم الرث، ورتق الفتق ورقع الخرق فأضاءت الأفق الإسلامي بظهور النور العثماني، وأمدته بالنصر اللدني والعون الرباني فقامت الدولة العلية بحياطة هذا الدين وحماية الشرقيين ودعت إلى الخير، وأمرت بالمعروف ونهت عن المنكر فكانت من المفلحين، ثم وقفت في طريق أوروبا حاجزا منيعا وسورا حصينًا، وحالت دون أطماعها، وألزمتها بكف غاراتها بأنواعها، ثم اهتمت بالإصلاح، وسعت في تأييد النظام؛ فصار لها بين الدول المقام الأول ونالت من العزة والتوفيق ما يجدر بكل شرقي أن يتذكره الآن لتستفزه عوامل الغيرة ودواعي النشاط إلى بذل نفسه ونفيسه في سبيل تقويتها وتعزيز رايتها وتأييد كلمتها؛ لما كان ـ ولا يزال ـ لها من الحسنات الحسان على كافة بني الإنسان من غير نظر إلى الأجناس والمذاهب والأديان، مما لا يراه الباحث في أية دولة غيرها قديما أو حديثا".

تخيل هذه المشاعر الوطنية المصرية المحبة والودودة تجاه الدولة العثمانية، حتى في أواخر عهدها وهي ضعيفة بلغ منها الوهن مبلغه، ثم يأتيك من يحدثك عن أن المصريين كانوا يرون العثمانيين قوة احتلال مثل الأنجليز والفرنسيين؟.

موجة التشهير بالدولة العثمانية في التاريخ الحديث، انطلقت من منصتين أساسيتين، وهما : الاستعمار الأوربي الذي أراد الانفراد بغزو مصر والمنطقة العربية، ثم التغلغل الصهيوني، مؤكدا أن بعض الجهلة من أبناء العرب سقطوا في شراك هذا المخطط.كذلك، من العلماء المتخصصين بالتاريخ الحديث، الذين كتبوا بإنصاف وعمق، عن تاريخ الدولة العثمانية، العالم الجليل الأستاذ الدكتور عبد العزيز الشناوي، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الأزهر، ورئيس قسم التاريخ، في سفره الضخم "الدولة العثمانية .. دولة إسلامية مفترى عليها"، في أربعة مجلدات، وفيه يؤكد على أن موجة التشهير بالدولة العثمانية في التاريخ الحديث، انطلقت من منصتين أساسيتين، وهما : الاستعمار الأوربي الذي أراد الانفراد بغزو مصر والمنطقة العربية، ثم التغلغل الصهيوني، مؤكدا أن بعض الجهلة من أبناء العرب سقطوا في شراك هذا المخطط.

ويضيف قائلا : "لم تتعرض دولة في العالم لمثل ما تعرضت له الدولة العثمانية من حملات عنيفة ضارية استهدفت التشهير بها والنيل منها. وقامت بهذه الحملات المكثفة قوتان عالميتان عانيتان، هما : الاستعمار الأوروبي والصهيونية واتخذت هذه وتلك من المؤلفات التاريخية والبحوث (العلمية)، والتصريحات الرسمية ومن مجموعات الوثائق التي نشرتها بعض الحكومات الأوروبية مجالا رحيباً لإذاعة ما راق لها أن تنشره عن الدولة تحاملا عليها ، وقد ردد بعض المؤرخين والباحثين العرب عن جهالة أو تجاهل أو حقد تلك الآراء الخاطئة والظالمة معاً فى مؤلفاتهم، واستقرت في أذهان الأجيال المتعاقبة من رجال الفكر العربي والإسلامي صور حالكة الظلام عن الدولة العثمانية ، واقترن ذكرها في أفئدتهم بمظالم ومحن تكدست على رعاياها".

والدارس لتاريخ مصر في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين سيلاحظ بوضوح شديد أن النخب المصرية التي كانت تهاجم الدولة العثمانية هي نفسها التي كانت على ولاء للاحتلال الإنجليزي لمصر وقتها، ولها صداقات متينة مع اللورد كرومر ممثل الاحتلال الإنجليزي ومهندس الحالة التعليمية والثقافية والصحفية حينها.

ثم يشير العالم الجليل الدكتور عبد العزيز الشناوي إلى الجهود الضخمة التي قامت بها الدولة العثمانية لحماية بلاد الإسلام من مصير "الأندلس"، فيقول : "وغفل أولئك المتحاملون عن الخدمات التي أسدتها الدولة لولاياتها العربية بوجه خاص، وهي خدمات يجب أن تذكر لها وتشكر عليها، وتناسوا أيضاً أن الدولة العثمانية واجهت أخطاراً دولية جسيمة كانت تهدد العالم العربي بأفدح الأخطار. وكان من بينها وصول البرتغاليين إلى البحار الشرقية وتسللهم إلى شرق الجزيرة العربية واستيلاؤهم على مواقع عسكرية هامة ومحاولاتهم المكررة دخول البحر الأحمر من منفذه الجنوبي للاستيلاء على جدة والزحف منها على مكة المكرمة لهدم الكعبة الشريفة ثم موالاة الزحف على المدينة المنورة لنبش قبر الرسول صلوات الله وسلامه عليه . وكان الغزو البرتغالى لشرق الجزيرة العربية هو أول غزو أوروبي عسكري صليبي في التاريخ الحديث لأقاليم عربية . وكان شعاره : الصليب أو المدفع" .

"وإذا كان تاريخ الدولة العثمانية قد تكاثرت حوله الافتراءات والأباطيل فليس معنى ذلك أنها كانت مبرأة من المآخذ والعيوب ، فلكل دولة مزايا تذكر لها ، ومآخذ تسجل عليها، وليس من الدراسة الموضوعية ولا من الأخلاق إغفال المزايا لأى دولة والاقتصار على تسجيل عيوبها ، بل يجب عرض الجانبين معاً".ثم ينتهي العالم الجليل إلى الدعوة إلى الإنصاف في التعامل مع دولة امتد عمرها قرابة 600 عام أو يزيد، وأنه حين نذكر معايبها فليس من الإنصاف أن نتعمد تجاهل فضائلها وإنجازاتها ويصف ذلك بأنه "سلوك غير أخلاقي".

ويقول : "وإذا كان تاريخ الدولة العثمانية قد تكاثرت حوله الافتراءات والأباطيل فليس معنى ذلك أنها كانت مبرأة من المآخذ والعيوب ، فلكل دولة مزايا تذكر لها ، ومآخذ تسجل عليها، وليس من الدراسة الموضوعية ولا من الأخلاق إغفال المزايا لأى دولة والاقتصار على تسجيل عيوبها ، بل يجب عرض الجانبين معاً".

أيضا، تصور البعض للعلاقة بين المصريين والدولة العثمانية، لا تخلو من جهل عجيب، فلقد كان المصريون ينظرون إلى الدولة العثمانية باعتبارها حاملة راية خلافة الإسلام في الأرض، الممتدة من أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ولم تنقطع يوما عن الأرض، وكان ولاؤهم لتلك الدولة عميقا، وتعبديا، ونابعا من الولاء الديني لولي الأمر وفق أصول الشريعة، وكانت الاحتفالات تعم مصر كلما حقق الجيش العثماني انتصارا في أوربا أو آسيا، وإذا وقعت مظالم من أحد الولاة فإن غضب الناس ينصب على الوالي وسلوكه، كما يحدث اليوم من أي معارضة لسلوك حاكم ملك أو رئيس، ولا يتصل ذلك بنقض الولاء للدولة ذاتها، بل كان الأهالي أحيانا يرسلون بالشكوى من الوالي إلى "البيت العالي" لإنصافهم، وغالبا ما كان يتم عزل الوالي من قبل السلطان العثماني ترضية لأهالي تلك الولاية.

ولتوضيح تلك المشاعر على حقيقتها، أنقل هنا نصا بديعا، للأديب والمفكر المصري الكبير الدكتور عبد الوهاب عزام، أستاذ الأدب العربي وعميد كلية الآداب بجامعة القاهرة ـ خلفا لطه حسين ـ وسفير مصر بعد ذلك في عدة دول، وهو يتحدث عن علاقة المصريين بالدولة العثمانية، وقد كتب هذا النص بعد زوال الدولة العثمانية بسنوات طويلة، حتى نسيها الناس، وكانت وقتها تهاجم في تركيا نفسها أيام مصطفى كمال، فكتب يسجل مشاعره في العام 1935 فيقول : "الترك العثمانيون إخوان لنا ، نشأنا على حبهم، ومنحناهم قلوبنا فتمكن بها ولاؤهم ، وشببنا نعدهم علم المسلمين الخفاق في زمن تنكست فيه أعلامهم، وجيشهم المجاهد على حين تفرقت الأجناد ، وتخاذلت الأعضاد، كنا نعد مفاخرهم مفاخرنا ، ومثالبهم مثالبنا، وترى صلاحهم صلاحنا ، وفسادهم فسادنا ، نصرناهم جهد العاجز بألسنتنا وأموالنا وبأيدينا وسع الأيدي المغلولة، والأعضاد المغلوبة، ولا يزال التاريخ الحديث يدوى بحادثات المدرعة (حميدية)، وحروب طرابلس والبلقان، وقدوم الطيارين العثمانيين إلى مصر، وغير هذا مما يشهد بالحب الصادق ، والمودة المخلصة ونفرح كلما فرحوا ، ونبتئس كلما ابتأسوا، وكلما نزلت بهم نازلة، ولقد نشأت على هذا الحب، لا يطربني إلا ما أطرب الترك، ولا يسوؤنى إلا ما ساءهم ؛ وفيهم تعلمت الشعر فشدوت به في حروب طرابلس والبلقان، وكتبت في الحرب الأخيرة (الحرب العالمية الأولى) أعطف عليهم القلوب، وأستحث الهمم على الامداد بالمال، ولست أمنُّ عليهم بذلك فقد كان فرضاً على وعلى غيرى، ولما قذف جنود الترك الأماجد بجيش اليونان في البحر كاد الناس في مصر وغير مصر يجن جنونهم فرحاً وزهواً".

هذه هي روح مصر الحقيقية وعلاقتها الروحية والدينية والسياسية بالدولة العثمانية في تلكم الحقبة، بعيدا عن الشعبوية الجاهلة والشعوبية البغيضة التي تحاول تسويق خرافات وجدانية وسياسية من محض الخيال ودوافع العصبية العرقية المقيتة، عن علاقة المصريين بالدولة العثمانية.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي أفكار كتب الذاكرة السياسية تقارير الدولة العثمانية العربي علاقات عرب الدولة العثمانية رأي أفكار أفكار أفكار سياسة سياسة أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة إلى الدولة العثمانیة الدولة العثمانیة فی التاریخ الحدیث العالم الجلیل تاریخ الدولة على أن

إقرأ أيضاً:

لماذا الغدير؟  قراءة تحليلية في أبعاد الاحتفاء بيوم الولاية ودلالاته في الوعي الإيماني اليمني

في كل عام، ومع حلول الثامن عشر من ذي الحجة، يتجدد حضور مناسبة الغدير في الوجدان الشعبي والإيماني لقطاع واسع من أبناء اليمن، بوصفها مناسبة ذات امتدادات دينية وتاريخية وثقافية عميقة. ومع كل موسم احتفاء، يبرز سؤال يتكرر على ألسنة البعض: لماذا الاحتفال بالغدير بعد مرور قرون طويلة على وقوعه؟ وما الذي يجعل هذه المناسبة حاضرة بقوة في الواقع المعاصر؟
هذا السؤال لا يقتصر على كونه استفساراً تاريخياً، بل يتجاوز ذلك إلى مناقشة طبيعة العلاقة بين الأمة وذاكرتها الدينية، وبين الحاضر والجذور الفكرية التي تشكل هويتها الحضارية والإيمانية.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

الغدير.. استحضار للهوية وليس استدعاءً للماضي

تنطلق الرؤية المطروحة من اعتبار أن الاحتفاء بالغدير ليس حدثاً طارئاً أو ممارسة مستحدثة، وإنما يمثل امتداداً لتراث اجتماعي وثقافي متجذر في اليمن منذ أجيال طويلة، حيث عرف اليمنيون هذه المناسبة وأحيوا ذكراها تحت مسميات شعبية مختلفة، من أبرزها “يوم النشور”، في دلالة على عمق حضورها في الوعي الجمعي، ومن هذا المنطلق، فإن الاحتفال بالغدير لا يُنظر إليه باعتباره استدعاءً لحدث تاريخي منقطع الصلة بالواقع، بل باعتباره استحضاراً لمعانٍ وقيم ومبادئ ما تزال حاضرة ومؤثرة في حياة الأمة، تماماً كما تستحضر الشعوب محطات تاريخها الكبرى وأحداثها المؤسسة لهويتها.

إشكالية الانتقائية في قراءة التاريخ

تثير الرؤية تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة التعاطي مع التاريخ الإسلامي، إذ تشير إلى وجود حالة من الانتقائية في قبول بعض الأحداث ورفض أخرى، فإذا كان الحديث عن الغزوات الإسلامية الكبرى، أو عن مراحل الدول الأموية والعباسية والعثمانية، أمراً طبيعياً ومقبولاً في المجال الثقافي والفكري، فلماذا يصبح الحديث عن واقعة الغدير أو فضائل أهل البيت محل اعتراض أو تشكيك؟، هذا التساؤل يكشف عن جدل أعمق يتعلق بمعايير قراءة التاريخ الإسلامي، وما إذا كانت تخضع لموازين علمية موضوعية أم لتأثيرات مذهبية وسياسية تراكمت عبر القرون.

الغدير امتداد طبيعي لسيرة حجة الوداع

من أبرز الأفكار التي تطرحها هذه الرؤية أن حادثة الغدير لا يمكن فصلها عن سياق حجة الوداع نفسها، فالمسلمون يتحدثون باستفاضة عن مناسك الحج وخطبة عرفات وأحداث الرحلة النبوية الأخيرة، باعتبارها جزءاً من السيرة النبوية الشريفة، وبالتالي فإن تناول ما جرى في غدير خم يُعد امتداداً طبيعياً لذلك التسلسل التاريخي، وليس حدثاً منفصلاً أو طارئاً على السردية الإسلامية، وبحسب هذا المنظور، فإن واقعة الغدير تمثل محطة من محطات الرسالة المحمدية التي تستحق الدراسة والبحث والفهم شأنها شأن بقية الأحداث الكبرى المرتبطة بالسيرة النبوية.

البعد القرآني لمفهوم الولاية

تؤكد الرؤية أن أهمية الغدير لا تنبع من الحدث التاريخي فحسب، بل من ارتباطه بجملة من الآيات القرآنية التي تستدعي التأمل في مفاهيم الإمامة والولاية والطاعة والاقتداء، وتطرح تساؤلات فكرية حول دلالات عدد من الآيات التي تتناول مفهوم الولاية وأولي الأمر والإمامة والقيادة الإيمانية، معتبرة أن فهم هذه النصوص يشكل جزءاً من مسؤولية المسلم في تدبر القرآن الكريم واستيعاب معانيه، وفي هذا السياق، يُقدَّم الغدير بوصفه مناسبة لإعادة قراءة تلك المفاهيم القرآنية واستحضار مضامينها في الواقع العملي للأمة.

الولاية كمنظومة قيم لا كشعار عاطفي

من أهم الدلالات التي يبرزها الخطاب المرتبط بالغدير أن الولاية ليست مجرد شعار يُرفع أو مناسبة تُحتفل بها، بل منظومة أخلاقية وسلوكية متكاملة، فالاقتداء بالإمام علي عليه السلام، وفق هذه الرؤية، لا يقتصر على إعلان المحبة أو إحياء الذكرى، وإنما يتمثل في استلهام قيم العدالة والزهد والعلم والشجاعة والنزاهة والتضحية التي جسدها في حياته،
ومن هنا تتحول المناسبة من حدث احتفالي إلى محطة تربوية وأخلاقية تهدف إلى بناء الإنسان المؤمن الواعي والقادر على حمل مسؤولياته الدينية والاجتماعية.

الغدير وتصحيح مفاهيم الولاء والانتماء

في ظل واقع تتداخل فيه الانتماءات الحزبية والمذهبية والمصالح الضيقة، تطرح مناسبة الغدير رؤية مختلفة لمفهوم الولاء، فالموالاة، بحسب هذا الفهم، لا ينبغي أن تقوم على العصبيات أو الانتماءات الضيقة، وإنما على معيار الحق والعدل والقيم الإيمانية، وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في زمن تتسع فيه الانقسامات وتتصاعد فيه النزاعات الفكرية والسياسية، حيث يُقدَّم نموذج الإمام علي عليه السلام باعتباره نموذجاً للقيادة المرتبطة بالمبادئ لا بالمصالح.

البعد الثقافي والاجتماعي للغدير في اليمن

لا يمكن فصل الاحتفاء بالغدير عن خصوصيته اليمنية، إذ تمثل المناسبة جزءاً من الموروث الثقافي والديني لشرائح واسعة من المجتمع اليمني، وتتحول فعاليات الغدير في كثير من المناطق إلى مساحة لتعزيز الروابط الاجتماعية، وإحياء قيم التكافل والتراحم وصلة الأرحام، إلى جانب دورها في ترسيخ الوعي الديني والثقافي، كما تعكس المشاركة الشعبية الواسعة في هذه المناسبة حالة من الارتباط الوجداني بالرموز الإسلامية الجامعة التي تمثل جزءاً من الهوية التاريخية للمجتمع اليمني.

بين الذاكرة والواقع

تكشف الرؤية المطروحة أن السؤال الحقيقي ليس: لماذا نحتفل بالغدير؟، بل ربما يكون السؤال الأعمق: كيف يمكن للأمة أن تحافظ على ذاكرتها الدينية والتاريخية وأن تستفيد من دروسها في بناء حاضرها ومستقبلها؟، فالأمم لا تعيش بلا ذاكرة، والمجتمعات التي تفقد صلتها برموزها وقيمها المؤسسة تصبح أكثر عرضة للتيه الفكري والتشظي الثقافي، ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى الغدير باعتباره مناسبة لاستحضار معاني القيادة الصالحة والارتباط بالقرآن الكريم والاقتداء بالقيم التي جسدها الإمام علي عليه السلام، بما يسهم في تعزيز الوعي والبصيرة وترسيخ الهوية الإيمانية للأمة.

ختاما ..

يبقى الغدير أكثر من مجرد ذكرى تاريخية؛ فهو محطة لاستحضار معاني الولاء للحق والاقتداء بالنموذج الإسلامي الأصيل، وفرصة لتجديد الصلة بالقيم القرآنية والنبوية التي شكلت أساس الرسالة الإسلامية، وبغض النظر عن اختلاف القراءات والاجتهادات حول بعض تفاصيله التاريخية أو العقدية، فإن المناسبة تظل حاضرة في الوعي الشعبي والثقافي بوصفها جزءاً من التراث الإسلامي الذي يستدعي الدراسة والفهم والحوار الهادئ، بعيداً عن التعصب والانغلاق، وصولاً إلى ترسيخ ثقافة المعرفة والبصيرة والوعي.

مقالات مشابهة

  • هل أرهقت تكاليف الحياة الأردنيين؟
  • صقر غباش: أمن الخليج العربي جزء من منظومة الأمن الدولي
  • إزالة 26 حالة تعد على أملاك دولة وأراضي زراعية بقنا
  • قرقاش: الدول العربية تدفع ثمن الطموح الإيراني الإقليمي المتضخم
  • توجيهات مهمة من السيسي لكبار رجال الدولة.. تعرف عليها
  • الرئيس الصربي يستقبل رئيس المجلس الوطني الاتحادي
  • إنفوجرافيك | لماذا الغدير؟  قراءة في أبعاد الاحتفاء بيوم الولاية ودلالاته في الوعي الإيماني اليمني
  • من النول إلى الخشبة: قراءة في العرض الهندي رقصة النسيج
  • لماذا الغدير؟  قراءة تحليلية في أبعاد الاحتفاء بيوم الولاية ودلالاته في الوعي الإيماني اليمني
  • توقعات بتصدر باكستان قائمة أكبر الدولة المسلمة بحلول 2030.. ماذا عن الدول العربية في القائمة؟